التوقف في الترجيح
٧ فقرات، ج ٢ ص ٢٣٩
- ج ٢ ص ٢٣٩
ومن صوره أيضا أن يترجح أحد الوجهين بكون راويه ترك الجادة، ومن سلكها فقوله مرجوح، لأن ترك الجادة أشد وعورة على الراوي، مما يدل على حفظه للإسناد، واستحضاره له، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثالث من الفصل الثاني.
-
وقد يعارض هذا أن يكون من ترك الجادة أتى بإسناد غريب مركب، فإن الأئمة كثيرا ما ينقدون شدة الغرابة في الإسناد، وأنه مركب لا يستقيم على صورته الظاهرة، كما تقدم شرحه في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الثالث منه، فيترجح حينئذ قول من سلك الجادة.
-
وإعمال إحدى القرينتين في مثل هذا يحتاج كذلك إلى تأن، وإلى نظر في مرجحات أخرى.
-
واختم هذا المبحث بالتنبيه على ضرورة تأني الباحث حين يواجه تعارض القرائن في الاختلاف, خاصة إذا انضم إلى ذلك وقوفه على أقوال مختلفة للنقاد, ومن البدهي أن يقال للباحث إن الوصول إلى رأي راجح في كل اختلاف ليس ضربة لازب, فالذي تقتضيه أصول البحث العلمي أن الباحث قد يتوقف عن الترجيح, فلا يظهر له رأي راجح, وقد يكون هذا التوقف مستمرا, أو مؤقتا بحيث يظهر له فيما بعد إمكانية الترجيح, وقد تقدم قريبا في هذا المبحث أمثلة لذلك مما وقع للنقاد.
-
ومن أمثلة ذلك أيضا ما رواه حرب بن إسماعيل, قال: «قلت (يعني لأحمد) : فحديث ابن عباس حيث قال: وهن يمشين بنا هميسا, يختلفون في إسناده, بعضهم
ج ٢ ص ٢٤٠يقول: عوف, عن زياد بن حصين، عن أبيه, وبعضهم يقول, زياد بن حصين, عن أبي العالية؟ قال: الناس يختلفون في إسناده, قلت: فأيهما أصح؟ قال: يختلفون في إسناده, ما أدري» (١) .
- (١)«مسائل حرب» ص ٤٦٩.
-
وذكر الترمذي حديث عبدالله بن مسعود في (الاستنجاء بحجرين) الماضي في أول هذا المبحث، وما فيه من الاختلاف على أبي إسحاق السبيعي, ثم قال بعد ذكر رأي البخاري فيه: «وسألت عبدالله بن عبدالرحمن (يعني الدارمي) عن هذا فلم يقض فيه بشيء» (٢) .
- (٢)«العلل الكبير» ١: ٩٩, و «سنن الترمذي» ١: ٢٦.
-
وذكر الترمذي أيضا حديث علي بن المبارك, عن يحيى بن أبي كثير, عن حية بن عابس, عن أبيه, قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا شيء في الهام ... » الحديث, ثم قال: «سألت محمدا عن هذا الحديث, فقال: روى علي بن المبارك, وحرب بن شداد, عن يحيى بن أبي كثير, عن حية بن عابس التميمي, عن أبيه, قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروى شيبان هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن عابس، عن أبيه، عن أبي هريرة, قلت له: كيف علي بن المبارك؟ قال: صاحب كتاب, وشيبان صاحب كتاب, ولم أر محمدا يقضي في هذا الحديث بشيء, كأن حديث علي بن المبارك أشبه, لما وافقه حرب بن شداد» (٣) .
- (٣)«العلل الكبير» ٢: ٦٩١. وانظر في طرق هذا الحديث وبقية كلام النقاد عليه: «مسند أحمد» ٥: ٧٠, و «التاريخ الكبير» ٣: ١٠٧, و «علل ابن أبي حاتم» (٢٢٣٩) و «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٢: ٨٨٣.