خطأ كثير من المتأخرين في البحث للحديث المعلول عن متابعات وشواهد

١٣ فقرة، ج ٢ ص ٢٨٩

  1. فكل هذا لا يصح أبدا، والباحث إذا فعل هذا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، فقد قضى على جهده السابق في جمع الطرق، والنظر في الاختلاف، ووقع في التناقض، ففي حديث أبي هريرة هذا كأنه يقول: محمد بن فضيل قد غلط على الأعمش، فهذه نتيجة النظر في الاختلاف، تم عاد فقال: ولكن محمد بن فضيل لم يغلط، وهذا مقتضى اعتماد إسناده ليعتضد بغيره، أو ليعضد غيره.

    ج ٢ ص ٢٨٩
  2. ورب قائل يقول: نرى هذا كثيرا في كلام المتأخرين على الأحاديث، فالإسناد المعلول يعتمدونه، ويبحثون له عن متابعات وشواهد، ويعضدونه بها، وأيضا يعضدون به غيره، فما توجيه ذلك؟

  3. وتوجيهه أن كثيرا من المتأخرين لا يلتفتون إلى علل الأحاديث، فلم ينظروا في الاختلاف أصلا، والإسناد إذا كان ظاهره الاستقامة صححوه، أو حسنوه، بغض النظر عن الطرق الأخرى المعلة له، وقد مضى شرح مذهبهم ومقارنتهم بمنهج أئمة النقد في الفصل الأول من هذا الباب.

  4. وليس الكلام هنا معهم، وإنما هو مع من يتصدى للنظر في الاختلاف، ويصل إلى راجح عنده ومرجوح، ثم بعد ذلك يعود على عمله بالنقض، ويعتمد المرجوح في الاعتضاد.

  5. فمن ذلك أن ابن حجر تكلم على الحديث المتقدم آنفا, وهو حديث الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى في بيتها جارية ... » الحديث، وعالج الاختلاف الواقع فيه على الزهري، ودافع عن إخراج الشيخين للحديث موصولا، ثم قال: «وقد جاء حديث عروة

    ج ٢ ص ٢٩٠هذا من غير رواية الزهري، أخرجه البزار من رواية أبي معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عروة، عن أم سلمة، فسقط من روايته ذكر زينب بنت أم سلمة، وقال الدارقطني: رواه مالك، وابن عيينة -وسمى جماعة- كلهم عن يحيى بن سعيد، فلم يجاوزوا به عروة، وتفرد أبو معاوية بذكر أم سلمة فيه، ولا يصح، وإنما قال ذلك (يعني الدارقطني) بالنسبة لهذه الطريق، لانفراد الواحد عن العدد الجم، وإذا انضمت هذه الطريق إلى رواية الزبيدي قويت جدا، والله أعلم» (١) .

    1. (١)«فتح الباري» ١٠: ٢٠٣، و «التتبع» ص ٣٦٢.
  6. وظاهر ما نقله ابن حجر عن الدارقطني موافقته للدارقطني على أن ذكر أم سلمة في رواية أبي معاوية خطأ من أبي معاوية، وأنه لا يصح، لانفراد أبي معاوية بذكرها، ومخالفته للحفاظ الكبار من أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم مالك بن أنس، خاصة أن أبا معاوية ليس بالقوي في غير حديث الأعمش، وينبني عليه أن ذكر أم سلمة كأنه لم يكن، إذ لا وجود له أصلا.

  7. وعلى هذا فقول ابن حجر في نهاية كلامه: «وإذ انضمت هذه الطريق إلى رواية الزبيدي قويت جدا» ، نقض للنتيجة السابقة، فقد عاد إلى اعتماد رواية أبي معاوية المرجوحة, وعضد بها رواية الزبيدي، عن الزهري.

  8. وتابع ابن حجر أحد الباحثين، فنقل كلامه في اعتضاد رواية الزبيدي برواية أبي معاوية موافقا له، لكن الباحث عاد في الحديث التالي عنده فذكر حديث سليمان بن يسار، عن عروة، والاختلاف فيه على يحيى بن سعيد الأنصاري،

    ج ٢ ص ٢٩١وذكر أن عبدالله بن نمير قد تابع أبا معاوية فيه بذكر أم سلمة، لكنه انتهى إلى ترجيح المرسل، وأطال في ذلك، قال: «وبالنظر في اختلاف الرواة يتبين -والله تعالى أعلى وأعلم- قوة ما رواه مالك وغيره عن يحيى بن سعيد، وهي رواية الإرسال، وذلك لما يأتي: رواية الجم لها، ولا شك أن من رواه مرسلا أكثر عددا ممن رواه موصولا ... » .

  9. وتعرض أحد الباحثين للحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب, وهو ما رواه محمد بن مسلم الطائفي, عن عمرو بن دينار, عن جابر, عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة ... » الحديث, فنقد الباحث من صحح الإسناد، إذ هو منقطع من عمرو بن دينار, وجابر بن عبدالله، ودليل ذلك رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت من غير واحد, عن جابر بن عبدالله أنه قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة ... » الحديث موقوفا عليه, ونقل عن ابن خزيمة قوله: «هذا هو الصحيح، لا رواية محمد بن مسلم الطائفي, وابن جريج أحفظ من عدد مثل محمد بن مسلم» .

    ثم قال الباحث: «قلنا: لكن يشهد لرواية محمد بن مسلم الطائفي رواية أبي الزبير, عن جابر ... » .

  10. كذا صنع الباحث، تناقض من حيث لا يدري, فإن رواية ابن جريج التي اعتمد عليها في الحكم بالانقطاع, ونقل عن ابن خزيمة ترجيحها على رواية محمد بن مسلم موقوفة على جابر, فهي علة لرواية محمد بن مسلم من هذه الجهة, وقد رواه كذلك أبو جعفر الرازي, عن عمرو بن دينار, عن جابر موقوفا, ولم يذكر

    ج ٢ ص ٢٩٢الباحث روايته, وعلى هذا فرواية محمد بن مسلم يصرف النظر عنها تماما, فلا يستشهد بها, ولا يشهد لها غيرها.

  11. ثم إن الباحث وقع في أمر تقدم التنبيه عليه في المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب, وهو أن أي رواية فوق المدار يعضد بها أحد الأوجه لا بد من دراستها وكأنها الرواية الأساس مع الباحث, فرواية أبي الزبير، عن جابر, قد اختلف فيها على أبي الزبير رفعا ووقفا, وقد أشار الباحث إلى ذلك في تخريجها، لكنه لم يتعرض للاختلاف بالدراسة, ولم يصل إلى نتيجة فيه, ولا بد من ذلك, فهو اختلاف قوي, وقد رجح جماعة من النقاد -ومنهم البخاري- وقفه أيضا على جابر من هذا الطريق, وسيأتي قريبا في الكلام على الوجه الراجح شرح ذلك.

  12. وتعرض أحد الباحثين للاختلاف الواقع على الزهري في حديث أبي هريرة: «يوشك أقصى مسالح المسلمين أن يكون سلاح» ، وقد اختلف فيه على الزهري في إسناده, وفي وقفه ورفعه, كما سيأتي شرح ذلك في المبحث الثالث.

  13. وانتهى الباحث إلى ترجيح وجهين موقوفين على أبي هريرة, وتضعيف المرفوع, وأحد الموقوفين رجاله ثقات, ثم قال: «وقد جاء مرفوعا من غير طريق الزهري» ، ثم ذكر أن أبا داود, والحاكم، أخرجاه من طريق ابن وهب, عن جرير بن حازم, عن عبيدالله بن عمر, عن نافع, عن ابن عمر مرفوعا, وأن الحاكم صححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (١) ، ثم قال الباحث: «وعليه يمكن القول بأن الحديث الذي معنا صحيح لغيره» .

    1. (١)«المستدرك» ٤: ٥١١, وأما أبو داود فلم يخرجه.