الخلل في طريقة المتأخرين في النظر في الاختلافات من جهة تأثير تصحيح الإسنادين على الاختلاف نفسه، وحكمهم بصحة الوجهين بحجة عدم التأثير على صحة الحديث سواء حفظ الوجهان أو أحدهما، وعبارة: غايته انتقال من ثقة إلى ثقة

١٧ فقرة، ج ٢ ص ٣٨٣

  1. محفوظين للحديث مدارهما على شخص واحد، فيقول الناظر مثلا: والحديث صحيح من وجهيه، أو كلا الإسنادين صحيح، ونحو ذلك وعند التأمل لا يكون الأمر كذلك، ففي الإسنادين أو في أحدهما ضعف في جهة ما يمنع من التصحيح.

    ج ٢ ص ٣٨٣
  2. وقد يتسبب هذا القصور في التأمل في الإسنادين إلى خطأ مضاعف، فهناك خلل في طريقة كثير من المتأخرين في النظر في الاختلافات، وذلك من جهة تأثير تصحيح الإسنادين على الاختلاف نفسه، والنظر في المحفوظ من الأوجه، وإعمال قرائن الموازنة والنظر, فإذا رأى أن الإسنادين كلاهما صحيح بادر إلى الحكم بصحة الوجهين إلى المدار، وأن المدار قد حفظهما, ولا يدقق في قرائن الترجيح، فيمر سريعا على الاختلاف، ويصدر حكمه بحفظ الوجهين بحجة أنه ليس هناك تأثير كبير على صحة الحديث، فسواء حفظ الوجهان، أو أحدهما، فالحديث صحيح، فتكثر عندهم هذه العبارات ونحوها: وسواء كان هذا، أو هذا، فالحديث صحيح، أو: غاية ما في الأمر أنه انتقال من إسناد إلى آخر, وكلاهما صحيح, أو: وهو انتقال من ثقة إلى ثقة، وهذا لا يضر.

  3. وغير خاف أن هذه الأسس التي ينطلق منها بعض المتكلمين على الاختلافات لها تأثير كبير في ضعف نظرهم في الاختلاف، وبعدهم عن منهج النقاد الأوائل، فلا تأثير مطلقا لحال الإسنادين -كما تقدم شرحه مرارا- على نظر الناقد، والجهد الذي يبذله في معرفة الراجح من المرجوح, ولهم من النظر في الاختلافات اعتبارات وأغراض غير مجرد معرفة الصواب في الاختلاف المعين.

  4. فإذا وقع الناظر في الخلل في تحرير حال الإسنادين، وصححهما، ثم قاده ذلك إلى التأثير على نظره في أصل الاختلاف - صار خطؤه مضاعفا، فإن صحة الإسنادين لا تأثير لها في النظر في الاختلاف عن المدار, مع التسليم بصحتهما، فكيف إذا كانت صحتهما أو صحة أحدهما -وقد يكون هو الراجح عند النقاد- محل نظر؟

    ج ٢ ص ٣٨٤
  5. مثال ذلك الحديث الماضي في المبحث الذي قبل هذا، وهو حديث عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، أو أبي أيوب، أنه قال لمروان بن الحكم: «ألم أرك قصرت سجدتي المغرب؟ ... » الحديث، وقيل: عن عروة، عن زيد بن ثابت وحده، وقيل: عن عروة، عن مروان بن الحكم، أن زيد بن ثابت قال له ذلك, وقيل عن عروة على وجهين آخرين.

  6. والراجح أن الحديث لزيد بن ثابت وحده، لكن هل يرويه عنه عروة مباشرة, أو بواسطة مروان بن الحكم؟ تقدم أن النقاد يصححون أنه عن عروة، عن مروان، عن زيد بن ثابت.

  7. وقد تعرض ابن حجر لهذا الاختلاف، ورجح أن الاختلاف فيهما من عروة بن الزبير، فكلا الوجهين عنه صحيح، وزيادة على ذلك فإسناد كل من الوجهين صحيح، فعروة سمعه من مروان، عن زيد بن ثابت، ثم لقي زيد بن ثابت فأخبره، واعتمد ابن حجر في ذلك على رواية عند الطحاوي، من طريق أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، يصرح فيها عروة بالإخبار عن زيد بن ثابت، وهي أيضا عند الطبراني, ونقل رأي ابن حجر بعض الباحثين

    ج ٢ ص ٣٨٥وأقره على ذلك.

  8. وبغض النظر عن النتيجة التي وصل إليها ابن حجر بالنسبة للاختلاف عن المدار وهو عروة، وأن الاختلاف من عروة، تارة يذكر مروان، وتارة يسقطه، فإن الحكم على رواية عروة، عن زيد بن ثابت بالصحة، وأنه سمعه من مروان عنه، ثم سمعه منه مباشرة، هذا الحكم هو محل النظر.

  9. فرواية التصريح بالإخبار معلولة، كما يظهر من النظر في طرق الحديث إلى أبي الأسود، وقد رجح النقاد -كما تقدم في المبحث الذي قبل هذا- أن عروة يرويه بواسطة مروان، عن زيد بن ثابت، وعليه فكان يرسله عن زيد في بعض أحيانه.

  10. وسماع عروة، من زيد بن ثابت، في أصله محل نظر، ولم أقف على قول لأحد يثبت سماعه منه سوى أن علي بن المديني ذكره مرة فيمن لقي زيد بن ثابت، ثم ذكره مرتين فيمن لم يلقه، وأطال في بيان ذلك، والمرة الأخيرة منهما يحتمل أن يكون ابن المديني ينقله عن يحيى القطان (١) .

    1. (١)«علل ابن المديني» ص ٤٩ - ٥٨.
  11. وخلاصة ما تقدم أن طريق عروة، عن زيد، لهذا الحديث منقطع، وأن مرجعه إلى الطريق الآخر، والله أعلم.

  12. ومن ذلك أيضا أن أبا اليمان الحكم بن نافع روى عن شعيب بن أبي حمزة، عن ابن أبي حسين، عن أنس، عن أم حبيبة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رأيت ما تلقى

    ج ٢ ص ٣٨٦أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض ... » الحديث.

  13. ورواه الحكم بن نافع مرة أخرى، عن شعيب, عن الزهري، عن أنس، عن أم حبيبة.

  14. وكبار النقاد -كأحمد، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن صالح المصري, وغيرهم- يرون أن الحكم بن نافع غلط فيه حين جعله عن الزهري، فليس له أصل من حديثه، في كلام طويل لهم في ذلك (١) .

    1. (١)«مسند أحمد» ٦: ٤٢٨، و «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٥٦, و «أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ص ٧٤٦، و «السنة» لابن أبي عاصم حديث (٢١٥)، (٨٠٠)، و «المعجم الكبير» ٢٣ حديث (٤٠٩)، و «المعجم الأوسط» حديث (٤٦٤٥)، و «علل الدارقطني» ١٥: ٢٧١، و «المستدرك» ١: ٦٨، و «تهذيب الكمال» ٧: ١٥٠ - ١٥٣، و «سير أعلام النبلاء» ١٠: ٣٢٣.
  15. وقد مَرّ أحد الباحثين بهذا الحديث، فصححه، وذكر الاختلاف على الحكم بن نافع، وبعض كلام النقاد، ثم قال مبررا تصحيحه للحديث: «والخطب في ذلك يسير، فإنه انتقال من ثقة إلى ثقة» .

  16. هكذا صنع الباحث، دفعه تصحيح الحديث من إسناديه إلى عدم التدقيق في أصل الاختلاف، فلم يحسم الرأي فيه، فوقع في إشكالين، ضعف النظر في الاختلاف، وتصحيح الحديث.

  17. والإسناد الذي رجحه النقاد وهو: شعيب، عن ابن أبي حسين، عن أنس، لم يستوف شروط الصحة، فابن أبي حسين -وهو عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين المكي- لم يسمع من أنس، فيما يظهر من ترجمته، وهو قد روى عنه