١ - كلام الناقد قد يكون متضمنا لذكر الاختلاف، وذكر أمثلته
٢١ فقرة، ج ٢ ص ٤٢٠
- ج ٢ ص ٤٢٠
يفترض في الباحث لكي يتمكن من النظر في حديث وطرقه أن يكون بذل أقصى جهده في جمع طرق هذا الحديث، كما تقدم شرح ذلك في الفصل الأول من الباب الأول، ويكمل الباحث هذا ببذل جهد آخر لجمع كلام النقاد على حديثه الذين بين يديه، محاولا جهده استقصاء ذلك، والتنقير الشديد عن كلامهم في مظانه.
-
ولكي تتضح أهمية البحث عن كلام النقاد وجمعه أذكر بعض الفوائد لهذا، ثم أنبه على بعض الأمور المتعلقة بجمع كلام النقاد، والنظر فيه.
-
فمن هذه الفوائد أن كلام الناقد قد يكون متضمنا لذكر الاختلاف، ولولا كلامه هذا لما عرف الباحث أن هناك اختلافا، وربما ذهب يتكلم على بعض رجال الإسناد، أو على تفرد فيه، وقد يقع هذا للنقاد أنفسهم.
-
فمن ذلك الحديث الماضي في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الثاني منه، وهو ما رواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في (قصة ذي اليدين) ، فقد مَرَّ على هذا الحديث جماعة من النقاد، منهم أبو حاتم، وابن خزيمة، والدارقطني، وغيرهم، يذكرون تفرد أبي أسامة به عن عبيدالله، ومنهم من صرح بنكارة الحديث، قال أبو حاتم: «هذا حديث منكر، أخاف أن يكون أخطأ فيه أبو أسامة» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٩٩، و «صحيح ابن خزيمة» حديث (١٠٣٤)، و «أطراف الغرائب والأفراد» حديث (٣٣٧٣)، و «سنن البيهقي» ٢: ٣٥٩.
- ج ٢ ص ٤٢١
وليحيى بن سعيد القطان نقد لهذا الحديث لم يذكروه، وقد تضمن ذكر مخالفة أبي أسامة لما في كتاب عبيدالله بن عمر، فالحديث في الكتاب مرسل، ونقل أحمد كلام يحيى، وأقره عليه.
-
ومر أحد الباحثين بالحديث الذي تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه زهير بن معاوية، وشريك، عن أبي إسحاق، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس مرفوعا في التلبية، وقال عنه إن إسناده ضعيف، لاختلاط أبي إسحاق، ولأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس، لكن الحديث صحيح لغيره.
-
كذا قال الباحث، ولأبي حاتم كلام على هذا الحديث لم يورده الباحث، وهو موضح لوجود اختلاف فيه على أبي إسحاق.
-
فقد سئل عن هذه الرواية، فذكر أن سفيان الثوري، وأبا الأحوص، وإسرائيل، وغيرهم، رووه عن أبي إسحاق ولم يرفعوه، ثم سئل عن الأصح منهما، فقال: «سفيان، وإسرائيل أتقن، وزهير متقن، غير أنه تأخر سماعه من أبي إسحاق» .
وروى محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبدالله الصنابحي، عن عبادة بن الصامت مرفوعا: «خمس صلوات افترضهن الله على عباده ... » الحديث (١) .
- (١)«سنن أبي داود» حديث (٤٢٥)، و «مسند أحمد» ٥: ٣١٧.
- ج ٢ ص ٤٢٢
تعرض أحد الباحثين لهذا الإسناد فقال في وصفه: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين» ، ثم ذهب يتكلم على (عبدالله الصنابحي) وأن الصواب: عن أبي عبدالله الصنابحي، وهو عبدالرحمن بن عسيلة.
-
ولأبي حاتم كلام في تعليل الحديث بهذا الإسناد من الأهمية بمكان، لم يورده الباحث، فقد سئل عنه أبو حاتم، فقال: «سمعت هذا الحديث عن عبادة منذ حين، وكنت أنكره، ولم أفهم عورته حتى رأيته الآن: حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن ابن محيريز، عن عبادة، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ... ، فعلمت أن الصحيح هذا، وأن محمد بن مطرف لم يضبط هذا الحديث، وكان محمد بن مطرف ثقة» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٩، وإسناد الحديث موضع السؤال ليس فيه عند ابن أبي حاتم ذكر عبدالله الصنابحي.
-
والحديث مشهور عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، رواه عنه جماعة (٢) ، وأما جعله عن عطاء بن يسار بالإسناد المذكور فقد تفرد به محمد بن مطرف، فظهر صواب ما قال أبو حاتم.
- (٢)«سنن أبي داود» حديث (١٤٢٠)، و «سنن النسائي» حديث (٤٦٠)، و «سنن ابن ماجه» حديث (١٤٠١)، و «مسند أحمد» ٥: ٣١٥، ٣١٨، ٣٢٢، و «مسند الحميدي» حديث (٣٨٨)، و «شرح مشكل الآثار» حديث (٣١٦٩)، (٣١٧١)، و «مسند الشاشي» حديث (١٢٨٢، ١٢٨٣، ١٢٨٧)، و «مسند الشاميين» حديث (٢١٨٣ - ٢١٨٧).
-
وروى داود بن أبي هند، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
ج ٢ ص ٤٢٣«غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (١) .
- (١)«سنن النسائي» حديث (١٣٧٧)، و «مسند أحمد» ٣: ٣٠٤، و «مصنف ابن أبي شيبة» ٢: ٩٣، ٩٥، و «صحيح ابن خزيمة» حديث (١٧٤٧)، و «شرح معاني الآثار» ١: ١١٦، و «صحيح ابن حبان» حديث (١٢١٩)، و «التمهيد» ١٠: ٨٢. ورواية داود بن أبي هند هي المشهورة، وقد جاء في المنتخب من مسند عبد بن حميد حديث (١٠٧٢) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير.
-
صححه بهذا الإسناد أحد المشايخ، وقال فيه أحد الباحثين: «حديث صحيح بطرقه وشواهده، رجاله ثقات رجال الصحيح، وأبو الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدرس- لم يصرح بالتحديث، لكنه قد توبع» .
-
ثم ذكر من تابعه، فذكر إسنادين آخرين إلى جابر، أحدهما من طريق أبان بن أبي عياش، عن أبي نضرة، عن جابر بلفظ: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل» (٢) ، وضعف الإسناد بأبان، وأنه متروك.
- (٢)«مسند عبد بن حميد» حديث (١٠٧٧).
-
وذكر بعده من طريق محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (٣) ، وقال: «وإسناده حسن» .
- (٣)«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٧٤٦)، و «المعجم الأوسط» حديث (٤٢٦٧).
-
وتقدم لنا هذه الطريقة في النقد صورة باهتة جدا لما آل إليه النقد لدى كثير من المشايخ والباحثين، فهذا الحديث عن جابر لا يصح، فإسناد أبي الزبير ترك فيه الباحث كلاما لأبي حاتم يقضي عليه، فقد سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا
ج ٢ ص ٤٢٤خطأ، إنما هو على ما رواه الثقات، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن أبي هريرة، موقوف» (١) .
- (١)«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨.
-
وممن رواه كذلك زهير بن معاوية، وهو أحد الأثبات في أبي الزبير (٢) ، وقد ترك الجادة، فظهر جدا أن الصواب روايته (٣) .
- (٢)«الجعديات» حديث (٢٦١٣).
- (٣)انظر: «فتح الباري» لابن رجب ٥: ٣٩٧، و «البدر المنير» ٣: ٣٧٥، و «إتحاف المهرة» ٣: ٣٨٢.
-
وأما طريق محمد بن المنكدر فهو في الغاية من الضعف، إذ هو من رواية عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، ورواية الشاميين -خاصة عمرو بن أبي سلمة- عن زهير بن محمد، واهية جدا، كما تقدم شرح ذلك (٤) .
- (٤)«الجرح والتعديل» ص ١١٣.
-
وهؤلاء الباحثون يوردون أحيانا كلام أئمة النقد، فترك النقل هنا -مع قربه- يوحي للقارئ أن الحديث غير معلل، وليس كذلك.
-
وقد يتجاوز الباحث ما تقدم بأن يقف على الإسناد الذي فيه مخالفة، ثم يذكره على أنه متابع أو شاهد لإسناده، ويكون النقاد قد نبهوا إلى أن هذا علة للإسناد، ولم يذكر الباحث كلامهم.
-
ومن أمثلة ذلك أن أحد الباحثين تعرض للحكم على ما يرويه حماد بن زيد، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن البصري، عن الضحاك بن سفيان