صعوبة تعامل الراوي إذا عرف مخالفا له وذلك من ثلاث جهات
١٢ فقرة، ج ١ ص ١٥٤
- ج ١ ص ١٥٤
ابن عباس, قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل ذي ناب من السباع ... » الحديث (١) .
- (١)«صحيح مسلم» حديث (١٩٣٤) , و «مسند أبي عوانة» ٥: ١٨, ١٩.
-
ورواه بعض أصحاب شعبة عنه موقوفا, ثم يقول شعبة: «رفعه الحكم, وأنا أكره أن أحدث برفعه, حدثني غيلان, والحجاج, عن ميمون بن مهران, عن ابن عباس, لم يرفعه» (٢) .
- (٢)«مسند أحمد» ١: ٢٨٩, و «مسند أبي عوانة» ٥: ١٩.
-
ومما يجدر التنبيه عليه هنا أن معرفة الراوي بمخالفة غيره له ليس بالأمر اليسير عليه، فالراوي حين يبلغه ذلك يكون قد وضع في موقف دقيق عليه أن يتجاوزه بإتقان، وإلا زَلَّت به قدمه.
-
وبيان ذلك من ثلاث جهات، الأولى: أن الراوي قد يتراجع عن روايته إلى رواية مخالفه، مع أن الصواب كان معه، فيضطر مرة أخرى إلى الرجوع إلى روايته الأولى.
-
ومن أمثلة ذلك أن سفيان الثوري، وزائدة بن قدامة، وشريك، وغيرهم، رووا عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي حديث صفة الوضوء (٣) .
- (٣)«سنن أبي داود» حديث (١١٢)، و «سنن الترمذي» حديث (٤٩)، و «سنن النسائي» حديث (٩١)، و «مسند أحمد» ١: ١١٥، ١٢٣، ١٢٥، ١٣٥، و «علل ابن أبي حاتم» ١: ٥٦، و «سنن الدارقطني» ١: ٨٩، و «علل الدارقطني» ٤: ٤٦.
-
ورواه شعبة فسمى خالد بن علقمة: مالك بن عرفطة، وقد خطأه النقاد في ذلك (٤) .
- (٤)«سنن أبي داود» حديث (١١٣)، و «سنن الترمذي» حديث (٤٩)، و «سنن النسائي» حديث (٩٣)، و «مسند أحمد» ١: ١٢٢، ١٣٩، و «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٥١٥، و «التاريخ الكبير» ٣: ١٦٣، و «مسند البزار» حديث (٧٩٣)، و «علل ابن أبي حاتم» ١: ٥٦، و «سنن الدارقطني» ١: ٦٣، و «علل الدارقطني» ٤: ٤٩، و «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٧٩، و «تهذيب التهذيب» ٣: ١٠٨.
- ج ١ ص ١٥٥
وكان أبو عوانة الوضاح بن عبدالله يرويه أولا كرواية الجماعة، ثم تابع شعبة على قوله، ثم قيل له: إن شعبة يخطئ فيه، فرجع إلى الصواب، قال أبو داود: «قال أبو عوانة يوما: حدثنا مالك بن عرفطة، عن عبد خير، فقال له عمرو الأغضف: رحمك الله يا أبا عوانة، هذا خالد بن علقمة، ولكن شعبة يخطئ فيه، فقال أبو عوانة: هو في كتابي: خالد بن علقمة، ولكن قال لي شعبة: هو مالك بن عرفطة» .
ثم قال أبو داود: «حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا أبو عوانة، عن مالك بن عرفطة، وسماعه قديم، حدثنا أبو كامل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقمة، وسماعه متأخر، كان بعد ذلك (يعني أبا عوانة) رجع إلى الصواب» (١) .
- (١)«تحفة الأشراف» ٧: ٤١٧، وانظر: «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٧٨.
-
ونحو هذا لابن المديني، وأبي حاتم (٢) .
- (٢)«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٩، و «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٧٩. ورواية أبي عوانة كرواية الجماعة أخرجها أبو داود حديث (١١١)، والنسائي حديث (٩٢)، وأحمد ١: ١٥٤، وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند ١: ١٤١، وكرواية شعبة أخرجها الخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٧٨.
-
وروى نوح بن حبيب قال: «حضرنا عبدالرحمن بن مهدي فحدثنا عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، في قوله عز وجل: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} ، فقال رجل: يا أبا سعيد حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان،
ج ١ ص ١٥٦عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: فسكت عبدالرحمن، وقال له آخر: يا أبا سعيد حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: فسكت، وقال: حافظان! ! ، ثم قال: دعوه.
-
ثم أتوا به يحيى بن سعيد، فأخبروه أن عبدالرحمن بن مهدي حدث بهذا الحديث عن الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، فأخبر أنك تخالفه، ويخالفه وكيع، فأمسك عنه، وقال: حافظان، فدخل يحيى بن سعيد ففتش كتبه فخرج وقال: هو كما قال عبدالرحمن: عن سفيان، عن منصور، فأخبر وكيع بقصة عبدالرحمن والحديث، وقوله: حافظان، فقال وكيع: عافى الله أبا سعيد، لا ينبغي أن يقبل الكذب علينا، ثم نظر وكيع فقال: هو كما قال عبدالرحمن، اجعلوه عن منصور» (١) .
وقال أبو زرعة: «كنا عند أبي بكر بن أبي شيبة، ومعنا كيلجة، فقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن عيينة، عن عبدالله بن أبي بكر، عن أنس، أنه قال: «يتبع الميت ثلاث ... » ، فقال كيلجة: هو عن عبيدالله بن أبي بكر، فقال: عن عبيدالله بن أبي بكر، فقلت: يا أبا بكر تركت الصواب وتلقنت الخطأ، إنما روى هو عن عبدالله بن أبي بكر، وسفيان لم يلق عبيدالله بن أبي بكر، فقال: لقنني هذا، فقلت: كلما لقنك هذا تريد أن تقبله؟ » (٢) .
- (١)«الجرح والتعديل» ١: ٢٥٥، وقد أخرجه الطبري في «تفسيره» ١٣: ١٠٦، عن أبي كريب، عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى قال: «محمد هو المنذر وهو الهاد».
- (٢)«الجرح والتعديل» ١: ٣٣٨، والحديث أخرجه البخاري حديث (٦٥١٤)، ومسلم حديث (٢٩٦٠)، والترمذي حديث (٢٣٧٩)، من طرق عن سفيان، عن عبدالله بن أبي بكر، عن أنس مرفوعا.
- ج ١ ص ١٥٧
الثانية: أن الراوي إذا أخطأ في حديث، ثم تبين له الصواب، عليه أن يعلن ذلك ويصححه، وقد يشق هذا إذا كان في مجلس تحديث وتفرق الطلبة.
قال الخطيب البغدادي: «وليس يكفيه في الرجوع أن يمسك عن رواية ذلك الحديث في المستقبل حسب، بل يجب عليه أن يظهر للناس أنه كان قد أخطأ فيه، ورجع عنه» (١) .
وقال إسحاق بن منصور: «صرت أنا ورجل خراساني، وآخر بصري، إلى وهب بن جرير، فحدثنا بحديث وهم فيه، فإذا أنا في المنزل، إذ أتاني فقال لي
-وأصلح ذلك الحديث-: اكفني الخراساني، وأنا أكفيك البصري» (٢) .
وقال موسى بن هارون الحمال: «سمعت أبي يقول: كان يزيد بن هارون يقول في مجلسه الأعظم غير مرة: حديث كذا وكذا أخطأت فيه» (٣) .
- (١)«الكفاية» ص ١٤٥.
- (٢)«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٤٠.
- (٣)«الكفاية» ص ١٤٦.
-
وكتب عبدالرحمن بن عمر الأصبهاني المعروف برستة، من بلده أصبهان، إلى أبي زرعة الرازي في الري كتابا قال فيه: «وإني رويت عندكم عن ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم» ، فوقع ذلك من نفسي، فلم أكن أنساه حتى قدمت ونظرت في الأصل، فإذا هو عن أبي سعيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن