تحذير الأئمة من الغرائب

٦ فقرات، ج ١ ص ٢٥٣

  1. من يطالع كتب أئمة النقد، سواء منها ما خصص لنقد المرويات، ككتب العلل، أو ما خصص للرواة أنفسهم، مثل كتب التواريخ، والضعفاء، أو كان مشتركا، مثل السؤالات، وكذلك كتب الرواية نفسها، يرى بوضوح أن موقف أئمة النقد من تفرد الراوي بالحديث يسير في اتجاهين بارزين.

    ج ١ ص ٢٥٣
  2. فأما الاتجاه الأول: فهو توقفهم في تفرد الراوي، ورد الحديث وتضعيفه بهذا التفرد.

  3. ويمكن أن يلحظ هذا في كثرة ما ورد عنهم من كلمات في التحذير من الغرائب، وما يتفرد به الرواة، فلهم في ذلك كلمات مشهورة متداولة، منها قول علي بن الحسين: «ليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف، وتواطأت عليه الألسن» (١) .

    وقال يزيد بن أبي حبيب: «إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة، فإن عرف فخذه، وإلا فدعه» (٢) .

    وقال مالك: «شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس» (٣) .

    وقال أبو يوسف: «من طلب غرائب الحديث كذب» (٤) .

    ج ١ ص ٢٥٤وقال ابن المبارك: «العلم هو الذي يجيئك من ههنا، ومن ههنا -يعني المشهور-» (١) .

    وقال عبدالرحمن بن مهدي: «لا يكون الرجل إماما من يسمع من كل أحد، ولا يكون إماما في الحديث من يحدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما في الحديث من يتبع شواذ الحديث، والحفظ هو الإتقان» (٢) .

    وقال خالد بن الحارث: «جاءني يحيى الأصفر, فقال: أخرج إلي كتاب الأشعث لعلي أجد فيه شيئا غريبا, فقلت: لو كان فيه شيء غريب لمحوته» (٣) .

    وقال أحمد ينعى على بعض طلبة الحديث: «تركوا الحديث، وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم» (٤) .

    وقال أيضا: «لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء» (٥) .

    وقال أحمد أيضا: «إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة، وسفيان، فإذا

    ج ١ ص ٢٥٥سمعتهم يقولون: هذا لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح» (١) .

    1. (١)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٢١.
    2. (٢)«الجرح والتعديل» ١: ١٩.
    3. (٣)«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٠٠.
    4. (٤)«الكامل» ١: ٥٣، و «المحدث الفاصل» ص ٥٦٢، و «الكفاية» ص ١٤٢.
    5. (١)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٢١.
    6. (٢)«الجرح والتعديل» ٢: ٣٥.
    7. (٣)«المحدث الفاصل» ص ٥٦٤.
    8. (٤)«الكفاية» ص ١٤٢.
    9. (٥)«الكامل» ١: ٥٣.
    10. (١)«الكفاية» ص ١٤٢.
  4. ومراده أن اهتمام طلبة الحديث والرواية في وقته انصب على تتبع ما فيه غرابة، والبحث عنه، لعدم شهرته، فالمحدث إذا سمعه طلب منه فيما بعد، حين يتصدى للرواية، لقلة من يرويه، أما المشهور فهو عند كل أحد، فلا يأبهون به، وهذا معنى قوله: «فإذا سمعتهم يقولون: هذا لا شيء، فاعلم أنه صحيح» .

    وقال أبو داود في وصف أحاديث كتابه «السنن» : «والأحاديث التي وضعتها في كتاب «السنن» أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئا من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك، ويحيى بن سعيد، والثقات من أهل العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه، ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبا شاذا، فأما الحديث المشهور المتصل فليس يقدر أن يرده عليك أحد» (٢) .

    1. (٢)«رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه» ص ٢٩.
  5. وقال الخطيب البغدادي شارحا حال بعض طلبة الحديث في زمانه أيضا: «أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبا،

    ج ١ ص ٢٥٦والثابت مصدوفا عنه مطرحا، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين والأعلام من أسلافنا الماضيين» (١) .

    1. (١)«الكفاية» ص ١٤١. وانظر كلمات أخر للأئمة في التحذير من الغرائب: «المحدث الفاصل» ص ٥٦١ - ٥٦٥، و «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٠٠ - ١٠١، ١٥٩ - ١٦٠، و «الكفاية» ص ١٤١ - ١٤٢، و «أدب الإملاء والاستملاء» ص ٥٧ - ٥٩.
  6. ونقل ابن رجب، عن البرديجي قوله في سياق ما إذا انفرد شعبة، أو سعيد بن أبي عروبة، أو هشام الدستوائي، بحديث عن قتادة، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين، عن الصحابة، ولا يعرف ذلك الحديث -وهو متن الحديث- إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكرا» ، ثم قال البرديجي: «فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ، مثل حماد بن سلمة، وهمام، وأبان، والأوزاعي - ننظر في الحديث، فإن كان الحديث يحفظ من غير طريقهم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو عن أنس بن مالك، من وجه آخر، لم يدفع، وإن كان لا يعرف عن أحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا من طريق عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك، كان منكرا» .

    وقال أيضا: «إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا لا يصاب إلا عند الرجل الواحد - لم يضره أن لا يرويه غيره، إذا كان متن الحديث معروفا، ولا يكون منكرا، ولا معلولا» (٢) .

    1. (٢)«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٥٣ - ٦٥٤، وانظر: «التعديل والتجريح» للباجي ١: ٣٠٢.