ولاية عمر بن حبيب العدوي

٦ فقرات، ج ٢ ص ١٤٢

  1. ولاه هارون، فَقَالَ لي: حيى بْن قارب: إنكم تبعثوني إِلَى ملك جبار لا آمنه، فبعث يحيى معه قائداً في مائة، فكان إِذَا جلس للقضاء، قام الجند عَن يمينه وشماله سماطين، فلم يكن قاض أهيب منه، وكان لا يكلم في طريق، وقدم واليه الصدقة من العشور من الضياع، وما تقدم من البحر، فأتى مُحَمَّد بْن سليمان، أو ابنه فسلم عليه، فقال: ماذا جئت به ? قال: أنا عاملك أيها الأمير ثم دخل عليه دخلة ثانية، فدفع إليه الكتاب بولايته الصدقة، فقال: أراجع في هَذَا أمير المؤمنين، فكلمه حماد بْن موسى، فسلم إليه الصدقة، ثم دفع إليه الكتاب بولايته العشور، فغضب وأبى أن يسلم، ثم سلم، ولم يلبث مُحَمَّد بْن سليمان إن توفى في رجب سنة ثلاث وسبعين ومائة، فولى سليمان بْن أبي جعفر ثم وال بعد وال.

    ج ٢ ص ١٤٢
  2. فأَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، قال: أَخْبَرَنِي الفضل بْن جعفر،

    ج ٢ ص ١٤٣قال: خرج أمير المؤمنين هارون حاجاً، ووجه بخزيمة بْن خازم رابطة بالبصرة، وعلى البصرة يومئذ عيسى بْن جعفر، وخليفته بها المهلب بْن المغيرة، فلما حضرت الجمعة أرسل خزيمة إِلَى المهلب؛ بأمره بالاعتزال، فأرسل إليه المهلب أجئتني بكتاب أعتزل ? فأرسل خزيمة شعبة بْن ظهير، أحد بني عمه، فقال: إن دنا المهلب من المسجد، فاضرب عنقه، وأقبل المهلب يريد الجمعة، قَالَ: الفضل: فأرسل إِلَى عُمَر بْن حبيب، وهو يومئذ قاضي البصرة، فأتاه فَقَالَ لَهُ: إلق المهلب فقل له إن مثل المهلب لا يسأل كتاباً بولايته، فلقيه عُمَر، وهو مقبل إِلَى المسجد فرده، وصلى خزيمة وشكا عُمَر بْن حبيب إِلَى الرشيد، ونصب له أَبُو عَمْرو بْن حميد السعافي، فكتب الرشيد إِلَى عيسى بْن جعفر وأمره أن يجمع عشرة من أهل الحجا، من أهل البصرة فيسألهم عنه، فأحضر مُحَمَّد بْن حفص وإسحاق بْن إبراهيم الخطابي، وبكار بْن مُحَمَّد بْن واسع السلمي، ومعاذ بْن معاذ، ومُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري، وعَبْد الرحمن بْن مُحَمَّد المخزومي، وبشر بْن المفضل بْن لاحق، وعثمان بْن أبي الربيع، وعثمان بْن الحكم الثقفيين، وآخر ذهب عَن أبي بكر اسمه، فسألهم عنه، فَقَالَ: المخزومي: لا أعرف خيراً، ولا شراً، وقَالَ: الأنصاري: خير له أن يترك مجلسه فقد سمعت من يشكوه. وخرج عُثْمَان إِلَى الحيرة، وبها الرشيد، بغير إذنه، فغضب عليه، ثم رضى عنه، وأمره بالرجوع، وقد حج، واستخلف عُثْمَان بني عُثْمَان الغطفاني، خال أبي عبيدة النحوي.

  3. فأخبرت عَن خالد بْن عَبْد العزيز الثقفي، أن يحيى بْن خالد ابتاع من الرشيد السبخ وبعث القصبي في حيازتها، فقدم فسكن أنهار الشط، وادعى ليحيى نحواً من شطر أموال الناس، وأحضر أربعة نفر شهدوا على جرايته من يحيى، فأنفذ ععر جرايته بشهادتهم، ثم أحضرهم بأعيانهم، في نحو من ستين،

    ج ٢ ص ١٤٤فشهدوا أن أخر حقوق الناس مسناة الوحش، وهي مسناة كان الناس سنوها، على عماراتهم ليحولوا بين الوحش، وبين خراب ما عَمْروا، وكانت على نحو ميل من دجلة، وكانت حقوق الناس وراءها إِلَى نهر يدعى الحاجز؛ كان أَبُو جعفر أمر بحفره للحول بين الناس وبين الدخول في السباح، فيأخذوا أكثر من قطائعهم، فكان الحاجز محفوراً من نهر الأساورة بالبصرة إِلَى دير خائل.

    قَالَ: خالد: فأنا يومئذ من الشهود، فشهدنا، فقبل عُمَر شهادتنا، ورد شهادة أصحاب القصبي، فغضب يحيى بْن خالد على عثمان، وقال: كيف قبل شهادتهم على الجراية ورددتها في هَذَا، فَقَالَ: عُمَر ليس الجراية كهَذَا قد شهدوا على أمر، قد علم أنه باطل، فكان هَذَا من أحسن ما عمله عُمَر بالبصرة.

  4. ويقال: أن يحيى بْن خالد أرسل إِلَى عُثْمَان بْن حبيب بماله، فقال: اقسمه بين أهل السر والعدالة، فقسمه بين قوم، فجاء بهم القصبي يشهدون له، فرد شهادتهم فَقَالَ لَهُ القصبي: هو لأهل العدالة الذين قسمت المال بينهم على السير، فلما جمعت أمرهم رددت شهادتهم، وقَالَ عُمَرُ: لقد توقيت أن أحكم بشهادة من كنت أعدل خوفاً من أن يأتي بهم القصبي، فيشهدوا له، ورد أكثر من ثمانين شاهداً، فَقَالَ لَهُ يحيى بْن خالد: أما كان بالبصرة رجلان عدلان يقطع بشهادتهما ? فقال: قد كنت أسأل عنهم فلا يعدلون، فما كنت صانعاً ? وقَالَ: أَبُو بحر: كتب الرشيد أن يوجه إليه نفراً من أهل البصرة ليشهدهم على توكيله في أمر السباخ، فخرج عُمَر بْن النضر، وإسماعيل بْن سدوس، وإبراهيم بْن حبيب بْن الشهيد، فَقَالَ: عُمَر بْن حبيب: إني لا آمن عَمْرو بْن النضر، إن أمكنه في شيى أن يقدح في، فلما خرج معهم قَالَ:

    أَبُو بحر: قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرو

    ج ٢ ص ١٤٥ابن النضر قال: دخلنا على الرشيد فكان أول ما سألنا عنه أن قال: ما تقولون في قاضيكم ? فقلت: رجل لعاب يا أمير المؤمنين، ليس من رجال القضاء؛ فقال: اشهدوا أني قد عزلته، فمن تسمون ? قالوا: عَمْرو " فأردت أن أقول: بشر بْن المفضل، فبدرني همام فقال: معاذ بْن معاذ، فغاظني حين سابقني، وكرهت أن أخالفه، فإذا وقع الاختلاف أقر عُمَر إِلَى أن نتفق، فسكت. وكان ببغداد رجل يقال له " فرخ الشيطان"، أسفه الناس، فقلت له: إن هماماً قد غاظني فاشفني منه، فدخل علينا، ونحن نزول في ديار رياح بْن شبيب، فَقَالَ: أيكم همام بْن سعيد ? فقيل: هَذَا فما ترك سوء إِلَّا رماه به في نفسه فلم يجبه بحرف.

  5. ويقال: أن يحيى بْن خالد قَالَ: لِعُمَرَ: إختر رجالاً ترسلهم معي ليشهدوا على وكالتي من أمير المؤمنين، وليكونوا من ثقاتك؛ فإني لا آمن أن يسألهم أمير المؤمنين عنك، وقد كان شكا، فوجه إبراهيم بْن حبيب بْن الشهيد، وإسماعيل ابن سدوس، وهمام بْن سعيد، وعَبْد الرحمن بْن حبيب الطفاوي، ومُحَمَّد بْن محبوب الضبي، فدخلوا على الرشيد، وعنده يحيى بْن خالد، وأَبُو يوسف؛ فَقَالَ لَهُ أَبُو يوسف: تشهدهم يا أمير المؤمنين على توكيلك الفيض بْن أبي صالح ? قال: نعم أشهدوا أني قد وكلته في بيع السباخ بالبصرة، فقالوا: نشهد أنك وكلت الفيض ابن أبي صالح الكاتب، في سباخك بالبصرة، يبيع ويقارض،، وما صنع من شيء فهو جائز؛ فَقَالَ: ما أشدكم يا أهل البصرة! اكتب لهم يا أبا يوسف كتاباً بتوكيلي كما يريدون، فخرجوا قليلاً، ثم قَالَ: يحيى: يا أمير المؤمنين قاضيهم، قد شكى فلو أبدلتهم غيره فردوا؛ فَقَالَ لَهُم الرشيد: قد شكى قاضيكم، فمن تختارون حتى نوليه عليكم ? فقالوا: معاذ بْن معاذ، وخاف أن يسمى الأنصاري، وكان الذي بينهما متباعداً فسأل القوم، فقالوا: معاذ بْن معاذ، فقال: قد عزلت عنكم عُمَر بْن حبيب، ووليت معاذ بْن معاذ، فولى عُمَر بْن حبيب البصرة، نحواً من

    ج ٢ ص ١٤٦تسع سنين، وولى سنة ثلاث وسبعين،

    وعزل سنة إحدى وثمانين.

  6. وقد مدح وهجى؛ قَالَ: أَبُو عون يمدحه:

    يابن حبيب بأبي أبا عُمَر ... يا زين يا زين البوادي والحضر

    يا قرم يا قرم تميم ومضر ... إليك أشكو ما مضى وما غبر

    إن لم تعني فلها عندي الحجر ... إن أبا عزة في داري انجحر

    فاطرده عني شبيب يمتطر ... يابن الكرام وابن جلاء العثر

    وقَالَ لَهُ:

    يابن حبيب سيد الرباب ... يابن المحامين عَن الأحساب

    أما تراني فارغاً جرابي

    وقَالَ: بعض الشعراء:

    إن الاله لأهل المصر قد نظرا ... رب السماء فولى أمرهم عُمَرا

    ولاه بدر عدي وابن بدرهم ... والحاكم الفيصل الماضي إِذَا نظرا

    فأصبح الجور مدفوعاً براحته ... في حمأة الأرض منفشاً قد انجحرا

    وأصبح الناس مرتاشين كلهم ... بفعله ومنار العدل قد ظهرا

    أروى وأشبع من جوع ومن عدم ... ولاءم الكسر من ذي الكسر فانجبرا

    حتى لقد بلغت من لين عيشته ... أمنية الحي لوقد عاش من قبرا

    وقَالَ: آخر يهجوه:

    أبلغ خليفتنا هارون همتنا ... أن قد بلينا بإحدى المصمئلات

    بحاكم ووزير جل همته ... ضم اللجين يأخذ العسجديات

    قاض البصيرة قاض لا خلاق له ... من الرباب سدومي القضيات

    حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سعد الكراني، قَالَ: حَدَّثَنِي إبراهيم بْن عُمَر، قال: حَدَّثَنِي

    ج ٢ ص ١٤٧إبراهيم بْن عُمَر بْن حبيب القاضي؛ قال: كلم يونس بْن حبيب النحوي أبي في حاجة، فأبطا عليه، فقعد له على الطريق، فقال:

    وتعزل يوم تعزل لا تساوى ... صنيعك في صديقك نصف مد

    فقضى أبي حاجته، فقعد له يوماً آخر، فَقَالَ لَهُ لما مر به:

    وما استخبأت في رجل خبيئاً ... كدين الصدق أو حسب عتيق

    ذوو الأحساب أكرم مجبرات ... وأصبر عند نائبة الحقوق