الناسخ والمنسوخ، وبم يعرف النسخ، وترتيب حل التعارض
١٩ فقرة، ج ١ ص ٧٧
- ج ١ ص ٧٧
ثم قد يَتخلَّفُ ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب. كذا جَمَعَ بينهما ابن الصلاحِ تَبَعًا لغيره.
-
والأَوْلى في الجمع أنْ يُقالَ: إنَّ نَفْيَه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للعدوى باقٍ على عُمومه، وقد صحَّ قولهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا يُعْدِي شيءٌ شَيْئًا" (١) ، وقولُه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لمن عارضه بأنَّ البعيرَ الأجربَ يكونُ في الإبل الصحيحة فيخالِطُها فتَجْرَبُ، حيث رَدَّ عليه بقوله: "فَمَنْ أَعْدَى الأَوّلَ؟! " . يعني أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى ابتدأَ ذلك في الثاني كما ابتدأَهُ في الأول.
-
وأمّا الأمرُ بالفِرَارِ من المَجْذوم فمِنْ باب سَدِّ الذرائع، لئلّا يتفقَ للشخص الذي خالطه شيءٌ من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداءً لا بالعدوى المَنْفِيَّة، فيَظُنَّ أنَّ ذلك بسبب مُخالطَتِه فيعتقدَ صِحةَ العَدْوى فيقعَ في الحَرَج، فأمر بتجنُّبِه حَسْمًا للمادة. واللهُ أعلم (٢) .
-
وقد صنَّفَ في هذا النوعِ الشافعيُّ كتابَ "اختلاف الحديث" ، لكنه لم يَقْصِدِ استيعابَه، وصنَّفَ فيه بعدَهُ ابنُ قُتَيْبَةَ (٣) والطَّحَاوِيُّ (٤) وَغَيْرُهما.
-
وإنْ لم يُمكنِ الجمعُ فلا يخلو إمّا أن يُعْرَفَ التاريخُ أَوْ لا، فإنْ عُرِفَ وثَبَتَ المُتأخِّرُ به أو بأصْرَحَ منه فهو الناسِخُ والآخرُ المنسوخُ.
- ج ١ ص ٧٨
والنسخُ: رَفْعُ تَعَلُّقِ حُكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخِّرٍ عنه.
-
والناسخُ ما دلَّ على الرفع المذكور.
-
وتسميتهُ ناسخًا مجازٌ لأنَّ الناسخَ في الحقيقة هو اللهُ تعالى.
- ويُعْرَفُ النسخُ بأمور:
-
أَصْرَحُها ما ورد في النص كحديث بُرَيْدَةَ في صحيح مُسْلِمٍ (١) : "كنتُ نَهَيْتُكم عن زيارةِ القبورِ فَزُورُوها فإنها تُذَكِّرُ الآخرةَ" .
-
ومنها ما يَجْزِمُ الصحابيُّ بأنه مُتَأخِّرٌ، كقول جابرٍ: "كان آخرُ الأمرينِ من رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تركَ الوضوءِ ممّا مَسَّتِ النار" أخرجه أصحابُ السُّنَن (٢) .
-
ومنها ما يُعْرَفُ بالتاريخ وهو كثير (٣) .
-
وليس منها ما يرويه الصحابيُّ المتأخِّرُ الإسلامِ مُعَارِضًا لِمُتَقَدِّمٍ عنه، لاحتمال أنْ يكونَ سَمِعَهُ من صحابىٍّ آخَرَ أقْدَمَ من المتقدِّم المذكور أو مِثْلِهِ فأرْسَلَهُ، لكنْ إنْ وقَعَ التصرِيحُ بسماعه له من النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيتجه أن يكونَ ناسِخًا بشرطِ أنْ يكونَ لم يَتحمَّلْ عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شيئًا قبلَ إسلامه.
- ج ١ ص ٧٩
وأمَّا الإجماعُ فليس بناسخٍ بل يدلُّ على ذلك (١) .
-
وإن لم يُعْرَفِ التاريخُ (٢) فلا يخلو إمّا أنْ يُمكنَ ترجيحُ أحدِهما على الآخرِ بوجهٍ من وُجوهِ الترجيح المُتعلِّقَة بالمَتْن أو بالإِسنادِ أوْ لا. فإنْ أمكنَ الترجيحُ تعيَّنَ المصيرُ إليه، وإلَّا فَلا.
-
فصار ما ظاهِرُه التعارُضُ واقعًا على هذا الترتيب:
- الجَمْعُ إنْ أمكَنَ.
-
- فاعتبارُ الناسِخِ والمنسوخِ.
-
- فالترجيحُ إنْ تَعَيَّنَ.
-
- ثُمَّ التوقُّفُ عن العمل بأَحدِ الحديثَين. والتعبيرُ بالتوقُّف أولى من التعبير بالتساقُط، لأنَّ خَفَاءَ ترجيحِ أحدِهما على الآخَرِ إنَّما هو بالنسبة للمعتَبِرِ (٣) في الحالة الراهِنَة مع احتمالِ أنْ يظهرَ لغيره ما خَفِيَ عليه. واللهُ أعْلَمُ (٤) .