٤٩ - باب من قام لجنازة يهودي
٢٥ فقرة، ج ٤ ص ١٧٨
- ج ٤ ص ١٧٨
١٣١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ - يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ -، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ.
-
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ) كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى فِي حَدِيثِ الْبَابِ: حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ. عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى: حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ. وَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، فَقَالَ: حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ. وَخَالَفَهُ الثَّوْرِيُّ، وَهُوَ أَحْفَظُ، فَقَالَ: فِي الْأَرْضِ. انْتَهَى، وَرَوَاهُ جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، فَقَالَ: حَتَّى تُوضَعَ. حَسْبُ. وَزَادَ: قَالَ سُهَيْلٌ: وَرَأَيْتُ أَبَا صَالِحٍ لَا يَجْلِسُ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ. أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ بِدُونِهَا، وَفِي الْمُحِيطِ لِلْحَنَفِيَّةِ: الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَقْعُدَ حَتَّى يُهَالَ عَلَيْهَا التُّرَابُ، وَحُجَّتُهُمْ رِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَرَجَحَ الْأَوَّلُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِفِعْلِ أَبِي صَالِحٍ، لِأَنَّهُ رَاوِي الْخَبَرِ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِالْمُرَادِ مِنْهُ، وَرِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ مَرْجُوحَةٌ كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ.
-
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَعَدَ أُمِرَ بِالْقِيَامِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْقِيَامَ فِي هَذَا لَا يَفُوتُ بِالْقُعُودِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَعْظِيمُ أَمْرِ الْمَوْتِ، وَهُوَ لَا يَفُوتُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمُهَلَّبِ: قُعُودُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَرْوَانَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ، وَإِنْ أَرَادَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ. وَيَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَسَاقَ نَحْوَ
ج ٤ ص ١٧٩الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَزَادَ: إِنَّ مَرْوَانَ لَمَّا قَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ: قُمْ قَامَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لِمَ أَقَمْتَنِي؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَقَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنِي؟ قَالَ: كُنْتُ إِمَامًا فَجَلَسْتُ. فَعَرَفَ بِهَذَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ل مْ يَكُنْ يَرَاهُ وَاجِبًا، وَأَنَّ مَرْوَانَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ بَادَرَ إِلَى الْعَمَلِ بِهَا بِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: مُرَّ عَلَى مَرْوَانَ بِجِنَازَةٍ فَلَمْ يَقُمْ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّتْ عَلَيْهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقَامَ مَرْوَانُ. وَأَظُنُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُخْتَصَرَةً مِنَ الْقِصَّةِ.
-
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِاسْتِحْبَابِهِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْقَائِمَ مِثْلُ الْحَامِلِ، يَعْنِي فِي الْأَجْرِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ: يُكْرَهُ الْقُعُودُ قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يَجِبُ الْقِيَامُ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِرِوَايَةِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ قَالَا: مَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَهِدَ جِنَازَةً قَطُّ، فَجَلَسَ حَتَّى تُوضَعَ. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ.
- (تَنْبِيهَانِ) :
-
(الْأَوَّلُ) : قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِنَّمَا نَوَّعَ هَذِهِ التَّرَاجِمَ مَعَ إِمْكَانِ جَمْعِهَا فِي تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الِاعْتِنَاءِ بِهَا وَمَا يَخْتَصُّ كُلُّ طَرِيقٍ مِنْهَا بِحِكْمَةٍ، وَلِأَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ وَقَعَ فِيمَا لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ فَاكْتَفَى بِذِكْرِهِ فِي التَّرْجَمَةِ لِصَلَاحِيَّتِهِ لِلِاسْتِدْلَالِ.
-
(الثَّانِي) : قَالَ: ثَبَتَ بَيْنَ حَدِيثَيِ الْبَابِ تَرْجَمَةٌ لَفْظُهَا: بَابُ مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً. وَجَدَ ذَلِكَ فِي نُسْخَةٍ مُحَرَّرَةٍ مَسْمُوعَةٍ، فَإِنْ سَقَطَتْ فِي غَيْرِهَا قَدَّمَ مَنْ أَثْبَتَ عَلَى مَنْ نَفَى، قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهَا بِمَا قَبْلَهَا لِتَصْرِيحِهِ فِي الْخَبَرِ بِأَنَّهُمَا جَلَسَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ، وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ، وَأَنَّ ذِكْرَهَا أَوْلَى مِنْ حَذْفِهَا. وَهُوَ عَجِيبٌ مِنْهُ فَإِنَّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الثَّانِي مِنَ الزِّيَادَةِ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ التَّرْجَمَةُ الْأُولَى، وَلَيْسَ فِي التَّرْجَمَةِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثَيْنِ إِلَّا قَوْلَهُ: عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ. وَقَدْ ذَكَرْتُ مَنْ وَقَعَتْ فِي رِوَايَتِهِ.
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهِشَامٌ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا أَبْيَنُ سِيَاقًا مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ يُوَضِّحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ مَنْ كَانَ مَعَهَا أَوْ مُشَاهِدًا لَهَا، وَأَمَّا مَنْ مَرَّتْ بِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنَ الْقِيَامِ إِلَّا قَدْرَ مَا تَمُرُّ عَلَيْهِ، أَوْ تُوضَعُ عِنْدَهُ بِأَنْ يَكُونَ بِالْمُصَلَّى مَثَلًا. وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَلَمْ يَمْشِ مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى تَغِيبَ عَنْهُ، وَإِنْ مَشَى مَعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ بَيَانٌ لِغَايَةِ الْقِيَامِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِمَنْ مَرَّتْ بِهِ، وَلَفْظُ الْقِيَامِ يَتَنَاوَلُ مَنْ كَانَ قَاعِدًا، فَأَمَّا مَنْ كَانَ رَاكِبًا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقِفَ، وَيَكُونُ الْوُقُوفُ فِي حَقِّهِ كَالْقِيَامِ فِي حَقِّ الْقَاعِدِ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا عَلَى أَنَّ شُهُودَ الْجِنَازَةِ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَعْيَانِ.
-
٤٩ - بَاب مَنْ قَامَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ
١٣١١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: مَرَّ بِنَا جَنَازَةٌ، فَقَامَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُمْنَا بِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا.
-
١٣١٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِس يَّةِ، فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ، فَقَامَا، فَقِيلَ لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ
ج ٤ ص ١٨٠أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ، فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ. فَقَالَ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟
-
١٣١٣ - وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ قَيْسٍ، وَسَهْلٍ رضي الله عنهما ، فَقَالَا: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ، وَقَيْسٌ يَقُومَانِ لِلْجَنَازَةِ.
-
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَامَ لِجِنَازَةِ يَهُودِيٍّ) أَيْ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ وَ (يَحْيَى) هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ.
-
قَوْلُهُ: (مُرَّ بِنَا) بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَرَّتْ بِفَتْحِ الْمِيمِ.
-
قَوْلُهُ: (فَقَامَ) ، زَادَ غَيْرُ كَرِيمَةَ لَهَا.
-
قَوْلُهُ: (فَقُمْنَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَقُمْنَا بِالْوَاوِ، وَزَادَ الْأَصِيلِيُّ وَكَرِيمَةُ: لَهُ، وَالضَّمِيرُ لِلْقِيَامِ، أَيْ لِأَجْلِ قِيَامِهِ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَحْمِلَ قِيلَ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ. زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ فَضَالَةَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: فَقَالَ: إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ. وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ هِشَامٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَوْتَ يُفْزَعُ مِنْهُ، إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِعْظَامِهِ، وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ الْإِنْسَانُ عَلَى الْغَفْلَةِ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَوْتِ، لِمَا يُشْعِرُ ذَلِكَ مِنَ التَّسَاهُلِ بِأَمْرِ الْمَوْتِ، فَمِنْ ثَمَّ اسْتَوَى فِيهِ كَوْنُ الْمَيِّتِ مُسْلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: جَعْلُ نَفْسِ الْمَوْتِ فَزَعًا مُبَالَغَةٌ، كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هُوَ مَصْدَرٌ جَرَى مَجْرَى الْوَصْفِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَفِيهِ تَقْدِيرٌ؛ أَيِ الْمَوْتُ ذُو فَزَعٍ. انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي رِوَايَةُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ عِنْدَ الْبَزَّارِ، قَالَ: وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ يَنْبَغِي لِمَنْ رَآهَا أَنْ يَقْلَقَ مِنْ أَجْلِهَا وَيَضْطَرِبَ، وَلَا يَظْهَرُ مِنْهُ عَدَمُ الِاحْتِفَالِ وَالْمُبَالَاةِ.
-
قَوْلُهُ: (فَمَرُّوا عَلَيْهِمَا) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ: عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى قَيْسٍ، وَهُوَ ابْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَسَهْلٍ، وَهُوَ ابْنُ حُنَيْفٍ، وَمَنْ كَانَ حِينَئِذٍ مَعَهُمَا.
-
قَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، أَيْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ) كَذَا فِيهِ بِلَفْظِ: (أَيِ) الَّتِي يُفَسَّرُ بِهَا، وَهِيَ رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ شَرَحَهُ بِلَفْظِ: (أَوِ) الَّتِي لِلشَّكِّ، وَقَالَ: لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَقِيلَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ: أَهْلُ الْأَرْضِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا فَتَحُوا الْبِلَادَ أَقَرُّوهُمْ عَلَى عَمَلِ الْأَرْضِ وَحَمْلِ الْخَرَاجِ.
-
قَوْلُهُ: (أَلَيْسَتْ نَفْسًا) هَذَا لَا يُعَارِضُ التَّعْلِيلَ الْمُتَقَدِّمَ حَيْثُ قَالَ: إِنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا. عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، فَقَالَ: إِنَّمَا قُمْنَا لِلْمَلَائِكَةِ. وَنَحْوَهُ لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَلِأَحْمَدَ، وَابْنِ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: إِنَّمَا تَقُومُونَ إِعْظَامًا لِلَّذِي يَقْبِضُ النُّفُوسَ. وَلَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ: إِعْظَامًا لِلَّهِ الَّذِي يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ. فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يُنَافِي التَّعْلِيلَ السَّابِقَ، لِأَنَّ الْقِيَامَ لِلْفَزَعِ مِنَ الْمَوْتِ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَتَعْظِيمٌ لِلْقَائِمِينَ بِأَمْرِهِ فِي ذَلِكَ وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: إِنَّمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَأَذِّيًا بِرِيحِ الْيَهُودِيِّ. زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُعْجَمَةِ: فَآذَاهُ رِيحُ بَخُورِهَا. وَلِلطَّبَرَانِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ: كَرَاهِيَةَ أَنْ تَعْلُوَ رَأْسَهُ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعَارِضُ الْأَخْبَارَ الْأُولَى الصَّحِيحَةَ، أَمَّا أَوَّلًا، فَلِأَنَّ أَسَانِيدَهَا لَا تُقَاوِمُ تِلْكَ فِي الصِّحَّةِ، وَأَمَّا ثَانِيًا، فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَا فَهِمَهُ الرَّاوِي، وَالتَّعْلِيلُ الْمَاضِي صَرِيحٌ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَأَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَسْمَعِ التَّصْرِيحَ بِالتَّعْلِيلِ مِنْهُ فَعَلَّلَ بِاجْتِهَادِهِ.
-
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ
ج ٤ ص ١٨١مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَلَعَتْ جِنَازَةٌ، فَلَمَّا رَآهَا قَامَ، وَقَامَ أَصْحَابُهُ حَتَّى بَعُدَتْ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ شَأْنِهَا أَوْ مِنْ تَضَايُقِ الْمَكَانِ، وَمَا سَأَلْنَاهُ عَنْ قِيَامِهِ. وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: أَلَيْسَتْ نَفْسًا أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ جِنَازَةٍ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْيَهُودِيِّ وُقُوفًا مَعَ لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَقَالَ: هَذَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا أَوْ يَكُونَ قَامَ لِعِلَّةٍ، وَأَيُّهُمَا كَانَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَرَكَهُ بَعْدَ فِعْلِهِ، وَالْحُجَّةُ فِي الْآخِرِ مِنْ أَمْرِهِ، وَالْقُعُودُ أَحَبُّ إِلَيَّ. انْتَهَى. وَأَشَارَ بِالتَّرْكِ إِلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ: أَنَّهُ ﷺ قَامَ لِلْجِنَازَةِ، ثُمَّ قَعَدَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يَحْتَمِلُ قَوْلَ عَلِيٍّ: ثُمَّ قَعَدَ. أَيْ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَتْهُ وَبَعُدَتْ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ كَانَ يَقُومُ فِي وَقْتٍ، ثُمَّ تَرَكَ الْقِيَامَ أَصْلًا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُهُ الْأَخِيرُ قَرِينَةً فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ النَّدْبُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِلْوُجُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَجَازِ - يَعْنِي فِي الْأَمْرِ - أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ. انْتَهَى. وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يَدْفَعُهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْمٍ قَامُوا: أَنْ يَجْلِسُوا، ثُمَّ حَدَّثَهُمُ الْحَدِيثَ.
-
وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْقِيَامِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: قُعُودُهُ ﷺ بَعْدَ أَمْرِهِ بِالْقِيَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا، لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَهْيٍ أَوْ بِتَرْكٍ مَعَهُ نَهْيٌ. انْتَهَى. وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى النَّهْيِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ، فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ: هَكَذَا نَفْعَلُ، فَقَالَ: اجْلِسُوا وَخَالِفُوهُمْ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفًا لَكَانَ حُجَّةً فِي النَّسْخِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ، وَهُوَ هُنَا مُمْكِنٌ. قَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَبِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي. انْتَهَى. وَقَوْلُ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ: هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ لِمَا تَقْتضِيهِ صِيغَةُ أَفْعَلَ مِنَ الِاشْتِرَاكِ، وَلَكِنَّ الْقُعُودَ عِنْدَهُ أَوْلَى، وَعَكْسُهُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: كَانَ قُعُودُهُ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَمَنْ جَلَسَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ، وَمَنْ قَامَ فَلَهُ أَجْرٌ.
-
وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ جَنَائِزِ أَهْلِ الذِّمَّةِ نَهَارًا غَيْرِ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ جَنَائِزِ الْمُسْلِمِينَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ، قَالَ: وَإِلْزَامُهُمْ بِمُخَالَفَةِ رُسُومِ الْمُسْلِمِينَ وَقَعَ اجْتِهَادًا مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا ثَبَتَ النَّسْخُ لِلْقِيَامِ تَبِعَهُ مَا عَدَاهُ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ، فَلَمَّا تُرِكَ الْقِيَامُ مُنِعَ مِنَ الْإِظْهَارِ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَمْزَةَ) هُوَ السُّكَّرِيُّ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ مُرَّةَ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، وَلَفْظُهُ نَحْوُ حَدِيثِ شُعْبَةَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ: فَمَرَّتْ عَلَيْهِمَا جِنَازَةٌ فَقَامَا، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ: بِالْقَادِسِيَّةِ.
-
وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ بَيَانَ سَمَاعِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ سَهْلٍ وَقَيْسٍ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ زَكَرِيَّاءُ) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ مَوْصُولَةٌ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ. وَأَبُو مَسْعُودٍ الْمَذْكُورُ فِيهَا هُوَ الْبَدْرِيُّ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى ذَكَرَ قَيْسًا، وَسَهْلًا مُفْرَدَيْنِ لِكَوْنِهِمَا رَفَعَا لَهُ الْحَدِيثَ، وَذَكَرَهُ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ قَيْسٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ لِكَوْنِ أَبِي مَسْعُودٍ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.