١١ - باب شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره وما يعرف بالأصوات
٢١ فقرة، ج ٦ ص ٢٦٣
- ج ٦ ص ٢٦٣
خُصُوصِيَّتُهُ، إِلَّا أَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ بَعْضَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ قُبْحًا مِنَ الْإِشْرَاكِ وَهُوَ التَّعْطِيلُ ; لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُطْلَقٌ وَالْإِشْرَاكُ إِثْبَاتٌ مُقَيَّدٌ، فَيَتَرَجَّحُ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ.
-
قَوْلُهُ: (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْأَدَبِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَى الْكَبَائِرِ، وَضَابِطِهَا وَبَيَانِ مَا قِيلَ فِي عَدَدِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
قَوْلُهُ: (وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اهْتَمَّ بِذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُتَّكِئًا، وَيُفِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدَ تَحْرِيمِهِ وَعِظَمَ قُبْحِهِ، وَسَبَبُ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ الزُّورِ أَوْ شَهَادَةِ الزُّورِ أَسْهَلَ وُقُوعًا عَلَى النَّاسِ، وَالتَّهَاوُنِ بِهَا أَكْثَرَ، فَإِنَّ الْإِشْرَاكَ يَنْبُو عَنْهُ قَلْبُ الْمُسْلِمِ، وَالْعُقُوقَ يَصْرِفُ عَنْهُ الطَّبْعُ، وَأَمَّا الزُّورُ فَالْحَوَامِلُ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ كَالْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ وَغَيْرِهِمَا، فَاحْتِيجَ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِتَعْظِيمِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعِظَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنَ الْإِشْرَاكِ قَطْعًا، بَلْ لِكَوْنِ مَفْسَدَةِ الزُّورِ مُتَعَدِّيَةً إِلَى غَيْرِ الشَّاهِدِ، بِخِلَافِ الشِّرْكِ فَإِنَّ مَفْسَدَتَهُ قَاصِرَةٌ غَالِبًا.
-
قَوْلُهُ: (أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ) فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ شَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ بِالْوَاوِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّأْكِيدِ، فَإِنَّا لَوْ حَمَلْنَا الْقَوْلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَزِمَ أَنْ يكُونَ الْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ مُطْلَقًا كَبِيرَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ عِظَمَ الْكَذِبِ وَمَرَاتِبَهُ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾
-
قَوْلُهُ: (فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ) أَيْ شَفَقَةً عَلَيْهِ وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ. وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدَبِ مَعَهُ ﷺ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ ابْنُ عُلَيَّةَ، وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَةٌ فِي كِتَابِ اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، وَفِي الْحَدِيثِ انْقِسَامُ الذُّنُوبِ إِلَى كَبِيرٍ وَأَكْبَرَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوتُ الصَّغَائِرِ ; لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا أَكْبَرُ مِنْهَا ; وَالِاخْتِلَافُ فِي ثُبُوتِ الصَّغَائِرِ مَشْهُورٌ، وَأَكْثَرُ مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي الذُّنُوبِ صَغِيرَةٌ كَوْنُهُ نَظَرَ إِلَى عِظَمِ الْمُخَالَفَةِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، فَالْمُخَالَفَةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلَالِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ، لَكِنْ لِمَنْ أَثْبَتَ الصَّغَائِرَ أَنْ يَقُولَ وَهِيَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَوْقَهَا صَغِيرَةٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ، وَقَدْ فُهِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مِنْ مَدَارِكِ الشَّرْعِ، وَسَبَقَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مَا يُكَفِّرُ الْخَطَايَا مَا لَمْ تَكُنْ كَبَائِرَ، فَثَبَتَ بِهِ أَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يُكَفَّرُ بِالطَّاعَاتِ، وَمِنْهَا مَا لَا يُكَفَّرُ، وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ الْمُدَّعَى، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنْكَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ لَا يَلِيقُ بِالْفَقِيهِ. ثُمَّ إِنَّ مَرَاتِبَ كُلٍّ مِنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَفِي مَعْنَاهَا كُلُّ مَا كَانَ زُورًا مِنْ تَعَاطِي الْمَرْءِ مَا لَيْسَ لَهُ أَهْلًا.
-
١١ - باب شَهَادَةِ الْأَعْمَى وَأَمْرِهِ وَنِكَاحِهِ وَإِنْكَاحِهِ وَمُبَايَعَتِهِ وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ وَمَا يُعْرَفُ بِالْأَصْوَاتِ، وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ قَاسِمٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا. وَقَالَ الْحَكَمُ: رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ؟ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْعَثُ رَجُلًا إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ أَفْطَرَ. وَيَسْأَلُ عَنْ الْفَجْرِ فَإِذَا قِيلَ لَهُ: طَلَعَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْتِي قَالَتْ: سُلَيْمَانُ؟ ادْخُلْ فَإِنَّكَ مَمْلُوكٌ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ شَيْءٌ. وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ مُنْتَقِبَةٍ
ج ٦ ص ٢٦٤٢٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: رحمه الله لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا. وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ تَهَجَّدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا.
-
[الحديث ٢٦٥٥ - أطرافه في: ٥٠٣٧، ٥٠٣٨، ٥٠٤٣، ٦٣٣٥]
-
٢٦٥٦ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قال النبي ﷺ : "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ - أَوْ قَالَ: حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ - ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ" وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ: أَصْبَحْتَ
٢٦٥٧ - حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنهما قَالَ: "قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا فَقَامَ أَبِي عَلَى الْبَابِ فَتَكَلَّمَ فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ قَبَاءٌ وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ وَهُوَ يَقُولُ خَبَأْتُ هَذَا لَكَ خَبَأْتُ هَذَا لَك"
-
قَوْلُهُ: (بَابُ شَهَادَةِ الْأَعْمَى وَنِكَاحِهِ وَأَمْرِهِ وَإِنْكَاحِهِ وَمُبَايَعَتِهِ، وَقَبُولِهِ فِي التَّأْذِينِ وَغَيْرِهِ وَمَا يُعْرَفُ بِالْأَصْوَاتِ) مَالَ الْمُصَنِّفُ إِلَى إِجَازَةِ شَهَادَةِ الْأَعْمَى، فَأَشَارَ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ لِذَلِكَ بِمَا ذَكَرَ مِنْ جَوَازِ نِكَاحِهِ، وَمُبَايَعَتِهِ وَقَبُولِ تَأْذِينِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، سَوَاءٌ عَلِمَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَمَى أَوْ بَعْدَهُ. وَفَصَّلَ الْجُمْهُورُ فَأَجَازُوا مَا تَحَمَّلَهُ قَبْلَ الْعَمَى لَا بَعْدَهُ، وَكَذَا مَا يَتَنَزَّلُ فِيهِ مَنْزِلَةَ الْمُبْصِرِ، كَأَنْ يَشْهَدَه شَخْصٌ بِشَيْءٍ وَيَتَعَلَّقَ هُوَ بِهِ إِلَى أَنْ يَشْهَدَ بِهِ عَلَيْهِ، وَعَنِ الْحَكَمِ يَجُوزُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ دُونَ الْكَثِيرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ بِحَالٍ إِلَّا فِيمَا طَرِيقُهُ الِاسْتِفَاضَةُ، وَلَيْسَ فِي جَمِيعِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ دَفْعٌ لِلْمَذْهَبِ الْمُفَصَّلِ؛ إِذْ لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ.
-
قَوْلُهُ: (وَأَجَازَ شَهَادَتَهُ الْقَاسِمُ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَطَاءٌ) أَمَّا الْقَاسِمُ فَأَظُنُّهُ أَرَادَ ابْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ - هُوَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ - يَسْأَلُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ شَهَادَةِ الْأَعْمَى فَقَالَ: جَائِزَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ عَنْهُمَا قَالَا: شَهَادَةُ الْأَعْمَى جَائِزَةٌ، وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ شَهَادَةَ الْأَعْمَى. وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ فَوَصَلَهُ الْأَثْرَمُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إِذَا كَانَ عَاقِلًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: عَاقِلًا الِاحْتِرَازَ مِنَ الْجُنُونِ ; لِأَنَّ ذَاكَ أَمْرٌ لَا بُدَّ
ج ٦ ص ٢٦٥مِنْ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنْ يَكُونَ فَطِنًا مُدْرِكًا لِلْأُمُورِ الدَّقِيقَةِ بِالْقَرَائِنِ، وَلَا شَكَّ فِي تَفَاوُتِ الْأَشْخَاصِ فِي ذَلِكَ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَكَمُ: رُبَّ شَيْءٍ تَجُوزُ فِيهِ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِهَذَا، وَكَأَنَّهُ تَوَسَّطَ بَيْنَ مَذْهَبَيِ الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرَأَيْتَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ أَكُنْتَ تَرُدُّهُ) ؟ وَصَلَهُ الْكَرَابِيسِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْهُ.
-
قَوْلُهُ: (وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْعَثُ رَجُلًا إِلَخْ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِمَعْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَجَاءٍ عَنْهُ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِهِ كَوْنُهُ كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى خَبَرِ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَرَى شَخْصَهُ وَإِنَّمَا سَمِعَ صَوْتَهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَعَلَّ الْبُخَارِيَّ يُشِيرُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْأَعْمَى عَلَى التَّعْرِيفِ، أَيْ إِذَا عَرَفَ أَنَّ هَذَا فُلَانٌ، فَإِذَا عَرَفَ شَهِدَ قَالَ: وَشَهَادَةُ التَّعْرِيفِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ الشَّمْسِ ; لِأَنَّهَا تُوَارِيهَا الْجِبَالُ وَالسَّحَابُ، وَيَكْتَفِي بِغَلَبَةِ الظُّلْمَةِ عَلَى الْأُفْقِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَعَرَفَتْ صَوْتِي فَقَالَتْ: سُلَيْمَانُ ادْخُلْ إِلَخْ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْعِتْقِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَرَى تَرْكَ الِاحْتِجَابِ مِنَ الْعَبْدِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مِلْكِهَا أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهَا ; لِأَنَّهُ كَانَ مُكَاتَبَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مُكَاتَبًا لِعَائِشَةَ فَمُعَارَضَةٌ الصحيح مِنَ الْأَخْبَارِ بِمَحْضِ الِاحْتِمَالِ وَهُوَ مَرْدُودٌ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى عَائِشَةَ بِمَعْنَى مِنْ عَائِشَةَ أَيِ اسْتَأْذَنَتْ عَائِشَةَ فِي الدُّخُولِ عَلَى مَيْمُونَةَ.
-
قَوْلُهُ: (وَأَجَازَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ شَهَادَةَ امْرَأَةٍ متنقبة) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالتَّشْدِيدِ، وَلِغَيْرِهِ بِسُكُونِ النُّونِ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى الْمُثَنَّاةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
أَحَدُهَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَدِيثَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ اعْتِمَادُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى صَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَى شَخْصَهُ.
-
قَوْلُهُ: (وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أَيِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: تَهَجَّدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي، وَتَهَجَّدَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَهُ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، هَذَا عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا.
-
قَوْلُهُ: (فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ) وَقَوْلُهُ: (أَصَوْتُ عَبَّادٍ؟) هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى الْمَذْكُورِ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا سُقْتُهُ، وَبِهَذَا يَزُولُ اللَّبْسُ عَمَّنْ يَظُنُّ اتِّحَادَ الْمَسْمُوعِ صَوْتُهُ وَالرَّاوِي عَنْ عَائِشَةَ، وَهُمَا اثْنَانِ مُخْتَلِفَا النِّسْبَةِ وَالصِّفَةِ، فَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، وَعَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ تَابِعِيٌّ مِنْ وَسَطِ التَّابِعِينَ، وَظَاهِرُ الْحَالِ أَنَّ الْمُبْهَمَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ هُوَ الْمُفَسَّرُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ: زَادَ أَنْ يَكُونَ الْمَزِيدُ فِيهِ وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ حَدِيثًا وَاحِدًا فَتَتَّحِدَ الْقِصَّةُ، لَكِنْ جَزَمَ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ فِي الْمُبْهَمَاتِ بِأَنَّ الْمُبْهَمَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ، فَرَوَى مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ فَقَالَ: صَوْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: لَقَدْ ذَكَّرَنِي آيَةً يَرْحَمُهُ اللَّهُ كُنْتُ أُنْسِيتُهَا، وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُشَابَهَةُ قِصَّةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِقِصَّةِ عُرْوَةَ عَنْهَا، بِخِلَافِ قِصَّةِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهَا، فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِنِسْيَانِ الْآيَةِ، وَيَحْتَمِلُ التَّعَدُّدَ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي اتَّحَدَتْ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: سَمِعَ صَوْتَ رَجُلَيْنِ فَعَرَفَ أَحَدَهُمَا فَقَالَ: هَذَا صَوْتُ عَبَّادٍ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْآخَرَ فَسَأَلَ عَنْهُ، وَالَّذِي لَمْ يَعْرِفْهُ هُوَ الَّذِي تَذَكَّرَ بِقِرَاءَتِهِ الْآيَةَ الَّتِي نَسِيَهَا، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى شَرْحِهِ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
ثَانِيهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي تَأْذِينِ بِلَالٍ، وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَقَدْ مَضَى بِتَمَامِهِ وَشَرْحِهِ فِي الْأَذَانِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى صَوْتِ الْأَعْمَى.
-
ثَالِثُهَا: حَدِيثُ الْمِسْوَرِ فِي إِعْطَاءِ
ج ٦ ص ٢٦٦النَّبِيِّ ﷺ لَهُ الْقَبَاءَ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ: فَعَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ صَوْتَهُ فَخَرَجَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ، وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ، وَيَقُولُ: خَبَّأْتُ لَكَ هَذَا، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى صَوْتِهِ قَبْلَ أَنْ يَرَى شَخْصَهُ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُجِزْ شَهَادَةَ الْأَعْمَى بِأَنَّ الْعُقُودَ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا إِلَّا بِالْيَقِينِ، وَالْأَعْمَى لَا يَتَيَقَّنُ الصَّوْتَ لِجَوَازِ شَبَهِهِ بِصَوْتِ غَيْرِهِ، وَأَجَابَ الْمُجِيزُونَ بِأَنَّ مَحَلَّ الْقَبُولِ عِنْدَهُمْ إِذَا تَحَقَّقَ الصَّوْتُ وَوُجِدَتِ الْقَرَائِنُ الدَّالَّةُ لِذَلِكَ، وَأَمَّا عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ فَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ، وَمِنْ ذَلِكَ جَوَازُ نِكَاحِ الْأَعْمَى زَوْجَتَهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا بِصَوْتِهَا، لَكِنَّهُ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ سَمَاعُ صَوْتِهَا حَتَّى يَقَعَ لَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهَا هِيَ، وَإِلَّا فَمَتَى احْتَمَلَ عِنْدَهُ احْتِمَالًا قَوِيًّا أَنَّهَا غَيْرُهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا.
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ دَلَالَةٌ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَعْمَى يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ ; لِأَنَّهُ فِي زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ فِيهِ مَدْخَلٌ، وَأَمَّا قِصَّةُ عَبَّادٍ، وَمَخْرَمَةَ فَفِي شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِمَا. وَأَمَّا التَّأْذِينُ فَقَدْ قَالَ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: كَانَ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ فَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْجَمْعِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِالْوَقْتِ قَالَ: وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الزُّهْرِيُّ فِي حَقِّ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ تَهْوِيلٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ أَفْقَهَ مِنْ أَنْ يَشْهَدَ فِيمَا لَا تَجُوزُ فِيهَا شَهَادَتُهُ، فَإِنَّهُ لَوْ شَهِدَ لِأَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ لَمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَقَدْ أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ.