٤٥ - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة

٣٠١ فقرة، ج ٨ ص ٢٢٦

الصفحة ٨ من ٨

  1. ١٩٢١ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ كَلْبٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ بَكْرٍ فَلَمَّا هَاجَرَ أَبُو بَكْرٍ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا هَذَا الشَّاعِرُ الَّذِي قَالَ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ رَثَى كُفَّارَ قُرَيْشٍ

    وَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ … مِنْ الشِّيزَى تُزَيَّنُ بِالسَّنَامِ

    وَمَاذَا بِالْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ … مِنْ الْقَيْنَاتِ وَالشَّرْبِ الْكِرَامِ

    تُحَيِّينَا السَّلَامَةَ أُمُّ بَكْرٍ … وَهَلْ لِي بَعْدَ قَوْمِي مِنْ سَلَامِ

    يُحَدِّثُنَا الرَّسُولُ بِأَنْ سَنَحْيَا … وَكَيْفَ حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وَهَامِ

    ٣٩٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه قَالَ "كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَارِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِأَقْدَامِ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنَا قَالَ اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ اثْنَانِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا"

    ج ٨ ص ٢٥٧
  2. ٣٩٢٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ ح

    وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَ وَيْحَكَ إِنَّ الْهِجْرَةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتُعْطِي صَدَقَتَهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَمْنَحُ مِنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وُرُودِهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا"

  3. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ.

  4. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ بِمُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَشَيْخُهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عُلَيَّةَ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَنَسٍ، وَحَدَّثَ عَنْهُ هُنَا بِوَاسِطَةٍ، وَاسْمُ أَبِيهِ يَقْظَانُ ضِدُّ النَّائِمِ، وَعُقْبَةُ بْنُ وَسَّاجٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ جِيمٌ، وَأَبُو

    ج ٨ ص ٢٥٨عُبَيْدٍ فِي الْإِسْنَادِ الثَّانِي هُوَ حُيَيٌّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا أُخْرَى ثَقِيلَةٌ، وَيُقَالُ: حَيٌّ بِلَفْظِ ضِدِّ مَيِّتٍ، وَكَانَ حَاجِبَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.

  5. قَوْلُهُ: (فَغَلَّفَهَا) بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ خَضَّبَهَا، وَالْمُرَادُ اللِّحْيَةُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ لَهَا ذِكْرٌ.

  6. قَوْلُهُ: (وَالْكَتَمُ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُثَنَّاةِ الْخَفِيفَةِ وَحُكِيَ تَثْقِيلُهَا: وَرَقٌ يُخَضَّبُ بِهِ كَالْآسِ مِنْ نَبَاتٍ يَنْبُتُ فِي أَصْغَرِ الصُّخُورِ فَيَتَدَلَّى خِيطَانًا لِطَافًا، وَمُجْتَنَاهُ صَعْبٌ، وَلِذَلِكَ هُوَ قَلِيلٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُخْلَطُ بِالْوَشْمَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ الْوَشْمَةُ. وَقِيلَ: هُوَ النِّيلُ. وَقِيلَ: هُوَ حِنَّاءُ قُرَيْشٍ وَصِبْغُهُ أَصْفَرُ.

  7. قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (وَقَالَ دُحَيْمٌ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْهُ.

  8. قَوْلُهُ: (فَكَانَ أَسَنَّ أَصْحَابِهِ أَبُو بَكْرٍ) أَيِ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَهُ حِينَئِذٍ وَقَبْلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.

  9. قَوْلُهُ: (حَتَّى قَنَأَ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالنُّونِ وَالْهَمْزَةِ أَيِ اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهَا، سَتَأْتِي زِيَادَةٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى خِضَابِ الشَّعْرِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  10. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ.

  11. قَوْلُهُ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ كَلْبٍ) أَيْ مِنْ بَنِي كَلْبٍ، وَهُوَ كَلْبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ الْحَكِيمِ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ مِنْ بَنِي عَوْفٍ، وَأَمَّا الْكَلْبِيُّ الْمَشْهُورُ فَهُوَ مِنْ بَنِي كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ بْنِ تَغْلِبَ بْنِ قُضَاعَةَ.

  12. قَوْلُهُ: (أُمُّ بَكْرٍ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا، وَكَأَنَّهُ كُنْيَتُهَا الْمَذْكُورَةُ.

  13. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا هَاجَرَ أَبُو بَكْرٍ طَلَّقَهَا. فَتَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا، هَذَا الشَّاعِرُ) هُوَ أَبُو بَكْرٍ شَدَّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعُونَةَ، وَيُقَالُ لَهُ: ابْنُ شَعُوبٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هِيَ أُمُّهُ وَهِيَ خُزَاعِيَّةٌ، لَكِنْ سَمَّاهُ عَمْرُو بْنُ شَمِرٍ، وَأَنْشَدَ لَهُ أَشْعَارًا كَثِيرَةً قَالَهَا فِي الْكُفْرِ، قَالَ: ثُمَّ أَسْلَمَ. وَذَكَرَ مِثْلَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي كِتَابِ مَنْ نُسِبَ إِلَى أُمِّهِ وَزَعَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي زَوَائِدِ السِّيرَةِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَزَادَ الْفَاكِهِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَيْتَ شِعْرٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا الْإِسْلَامِ، وَلَقَدْ تَرَكَ هُوَ وَعُثْمَانُ شُرْبَ الْخَمْرِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَهَذَا يُضَعِّفُ مَا أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي الْقَمُوصِ قَالَ: شَرِبَ أَبُو بَكْرٍ الْخَمْرَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ وَقَالَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَغَضِبَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَجَاءَ فَقَالَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَا تَلِجُ رُءُوسَنَا بَعْدَ هَذَا أَبَدًا. قَالَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ حَرَّمَهَا، فَلِهَذَا قَدْ عَارَضَهُ قَوْلُ عَائِشَةَ، وَهِيَ أَعْلَمُ بِشَأْنِ أَبِيهَا مِنْ غَيْرِهَا. وَأَبُو الْقَمُوصِ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا بَكْرٍ، فَالْعُهْدَةُ عَلَى الْوَاسِطَةِ، فَلَعَلَّهُ كَانَ مِنَ الرَّوَافِضِ، وَدَلَّ حَدِيثُ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ لِنِسْبَةِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى ذَلِكَ أَصْلًا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  14. قَوْلُهُ: (رَثَى كُفَّارَ قُرَيْشٍ) يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا قُتِلُوا وَأَلْقَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْقَلِيبِ، وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ.

  15. قَوْلُهُ: (مِنَ الشِّيزَى) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا زَايٌ مَقْصُورٌ، وَهُوَ شَجَرٌ يُتَّخَذُ مِنْهُ الْجِفَانُ وَالْقِصَاعُ الْخَشَبُ الَّتِي يُعْمَلُ فِيهَا الثَّرِيدُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: هِيَ مِنْ شَجَرِ الْجَوْزِ تُسَوَّدُ بِالدَّسَمِ، وَالشِّيزَى جَمْعُ شِيزٍ وَالشِّيزُ يَغْلُظُ حَتَّى يُنْحَتَ مِنْهُ، فَأَرَادَ بِالشِّيزَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا وَبِالْجَفْنَةِ صَاحِبَهَا، كَأَنَّهُ قَالَ: مَاذَا بِالْقَلِيبِ مِنْ أَصْحَابِ الْجِفَانِ الْمَلْأَى بِلُحُومِ أَسْنِمَةِ الْإِبِلِ، وَكَانُوا يُطْلِقُونَ عَلَى الرَّجُلِ الْمِطْعَامِ جَفْنَةً لِكَثْرَةِ إِطْعَامِهِ النَّاسَ فِيهَا. وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: الشِّيزَى: الْجِمَالُ، قَالَ: لِأَنَّ الْإِبِلَ إِذَا سَمِنَتْ تَعْظُمُ أَسْنِمَتُهَا وَيَعْظُمُ جِمَالُهَا. وَغَلَّطَهُ ابْنُ التِّينِ قَالَ: وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْجَفْنَةَ مِنَ الثَّرِيدِ تُزَيَّنُ بِالقِطَعِ اللَّحْمِ مِنَ السَّنَامِ.

  16. قَوْلُهُ: (الْقَيْنَاتُ) جَمْعُ قَيْنَةٍ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا نُونٌ، هِيَ الْمُغَنِّيَةُ، وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْأَمَةِ مُطْلَقًا. وَالشَّرْبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ جَمْعُ شَارِبٍ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ جَمْعٍ، وَجَزَمَ ابْنُ التِّينِ

    ج ٨ ص ٢٥٩بِالْأَوَّلِ، فَقَالَ: هُوَ كَتَجْرٍ وَتَاجِرٍ وَالْمُرَادُ بِهِمُ النَّدَامَى.

  17. قَوْلُهُ: (تُحَيِّينَا) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تُحَيِّينِي بِالْإِفْرَادِ، وَقَوْلُهُ: فَهَلْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَهَلْ لِي بِالْوَاوِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ سَلَامٍ أَيْ مِنْ سَلَامَةٍ، وَفِيهِ قُوَّةٌ لِمَنْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنَ السَّلَامِ الدُّعَاءُ بِالسَّلَامَةِ أَوِ الْإِخْبَارُ بِهَا.

  18. قَوْلُهُ: (أَصْدَاءٍ) جَمْعُ صَدًى وَهُوَ ذَكَرُ الْبُومِ، وَهَامٌ جَمْعُ هَامَةٍ وَهُوَ الصَّدَى أَيْضًا وَهُوَ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، وَقِيلَ: الصَّدَى الطَّائِرُ الَّذِي يَطِيرُ بِاللَّيْلِ، وَالْهَامَةُ جُمْجُمَةُ الرَّأْسِ وَهِيَ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا الصَّدَى بِزَعْمِهِمْ، وَأَرَادَ الشَّاعِرُ إِنْكَارَ الْبَعْثِ بِهَذَا الْكَلَامِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا صَارَ الْإِنْسَانُ كَهَذَا الطَّائِرِ كَيْفَ يَصِيرُ مَرَّةً أُخْرَى إِنْسَانًا. وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ رُوحَ الْقَتِيلِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِثَأْرِهِ تَصِيرُ هَامَةً فَتَزْقُو وَتَقُولُ: اسْقُونِي اسْقُونِي، وَإِذَا أُدْرِكَ بِثَأْرِهِ طَارَتْ فَذَهَبَتْ، قَالَ الشَّاعِرُ:

    إِنَّكَ إِلَّا تَذَرْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي … أَضْرِبْكَ حَتَّى تَقُولَ الْهَامَةُ اسْقُونِي

    وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ هِشَامٍ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ فِي السِّيرَةِ بِزِيَادَةِ خَمْسَةِ أَبْيَاتٍ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَعَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ خَالِدٍ أَيْضًا، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَدْعُو عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ الْقَصِيدَةَ الْمَذْكُورَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَالشِّعْرَ مُطَوَّلًا، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ الْحَكِيمِ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلُهُ، وَزَادَ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَنَحَلَهَا النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ مِنْ أَجْلِ امْرَأَتِهِ أُمِّ بَكْرٍ الَّتِي طَلَّقَ، وَإِنَّمَا قَائِلُهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ شَعُوبٍ. قُلْتُ: وَابْنُ شَعُوبٍ الْمَذْكُورُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ أَبُو سُفْيَانَ:

    وَلَوْ شِئْتُ نَجَّتْنِي كُمَيْتٌ طِمِرَّةٌ … وَلَمْ أَحْمِلِ النَّعْمَاءَ لِابْنِ شَعُوبِ

    وَكَانَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ حَمَلَ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ فَكَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَحَمَلَ ابْنُ شَعُوبٍ عَلَى حَنْظَلَةَ مِنْ وَرَائِهِ فَقَتَلَهُ، فَنَجَا أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ أَبْيَاتًا مِنْهَا هَذَا الْبَيْتُ.

  19. الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ أَنَسٍ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: اللَّهُ ثَالِثُهُمَا أَيْ مُعَاوِنُهُمَا وَنَاصِرُهُمَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَعَ كُلِّ اثْنَيْنِ بِعِلْمِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ الْآيَةَ.

  20. الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الْهِجْرَةِ الْحَدِيثَ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ مَوْصُولٍ وَمُعَلَّقٍ، وَالْمَوْصُولُ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَالْمُعَلَّقُ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ بِالْإِسْنَادَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ هُنَا، وَمَرَّ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. وَالْأَعْرَابِيُّ مَا عَرَفْتَ اسْمَهُ، وَالْهِجْرَةُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا مُفَارَقَةُ دَارِ الْكُفْرِ إِذْ ذَاكَ وَالْتِزَامُ أَحْكَامِ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَأنَ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ إِذْ ذَاكَ فَرْضَ عَيْنٍ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ.

  21. وَقَوْلُهُ: اعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ - مُبَالَغَةٌ فِي إِعْلَامِهِ بِأَنَّ عَمَلَهُ لَا يَضِيعُ فِي أَيْ مَوْضِعٍ كَانَ، وَقَوْلُهُ: لَنْ يَتِرَكَ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ ثُمَّ رَاءٍ وَكَافٍ، أَيْ يَنْقُصَكَ.