٨٣ - باب مرض النبي ﷺ ووفاته
١٤٢ فقرة، ج ٩ ص ١٢٩
الصفحة ٤ من ٤
- ج ٩ ص ١٤٧
[الحديث ٤٤٥٨ - أطرافه في: ٥٧١٢، ٦٨٨٦، ٦٨٩٧]
-
الْحَدِيثُ التَّاسِعَ عَشَرَ، قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَزَادَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ) أَمَّا عَلِيٌّ فَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَأَمَّا يَحْيَى فَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَمُرَادُهُ أَنَّ عَلِيًّا وَافَقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ قِصَّةَ اللُّدُودِ.
-
قَوْلُهُ: (لَدَدْنَاهُ) أَيْ جَعَلْنَا فِي جَانِبِ فَمِهِ دَوَاءً بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَهَذَا هُوَ اللُّدُودُ، فَأَمَّا مَا يُصَبُّ فِي الْحَلْقِ فَيُقَالُ لَهُ: الْوُجُورُ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُمْ أَذَابُوا قِسْطًا - أَيْ بِزَيْتٍ - فلَّدُوهُ بِهِ.
-
قَوْلُهُ: (فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ) قَالَ عِيَاضٌ: ضَبَطْنَاهُ بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا الِامْتِنَاعُ كَرَاهِيَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّصْبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ نَهَانَا لِلْكَرَاهِيَةِ لِلدَّوَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أَيْ كَرِهَهُ كَرَاهِيَةَ الدَّوَاءِ، قَالَ عِيَاضٌ: الرَّفْعُ أَوْجَهُ مِنَ النَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ.
-
قَوْلُهُ: (لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسُ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ) قِيلَ: فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِصَاصِ فِي جَمِيعِ مَا يُصَابُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَمْدًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَتَعَاطَوْا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ عُقُوبَةً لَهُمْ لِتَرْكِهِمُ امْتِثَالَ نَهْيهِ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا مَنْ بَاشَرَهُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُبَاشِرْهُ فَلِكَوْنِهِمْ تَرَكُوا نَهْيَهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ هُوَ عَنْهُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ لَا يُعْذَرُ بِهِ صَاحِبُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي مُعَارَضَةِ النَّهْيِ - قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: - أَرَادَ أَنْ لَا يَأْتُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهِمْ حَقُّهُ فَيَقَعُوا فِي خَطْبٍ عَظِيمٍ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الْعَفْوُ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَأْدِيبَهُمْ لِئَلَّا يَعُودُوا، فَكَانَ ذَلِكَ تَأْدِيبًا لَا قِصَاصًا وَلَا انْتِقَامًا. قِيلَ: وَإِنَّمَا كَرِهَ اللَّدَّ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَتَدَاوَى لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي مَرَضِهِ، وَمَنْ حَقَّقَ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ التَّدَاوِي. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ التَّخْيِيرِ وَالتَّحَقُّقِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ التَّدَاوِي لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُلَائِمٍ لِدَائِهِ، لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ فَدَاوَوْهُ بِمَا يُلَائِمُهَا، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
ج ٩ ص ١٤٨فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ كَمَا تَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ) وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سْعَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ بِهَذَا السَّنَدِ وَلَفْظُهُ: كَانَتْ تَأْخُذُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَاصِرَةُ، فَاشْتَدَّتْ بِهِ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَدَدْنَاهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: هَذَا مِنْ فِعْلِ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هُنَا، وَأَشَارَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَيَّ ذَاتَ الْجَنْبِ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ لَهَا عَلَيَّ سُلْطَانًا، وَاللَّهِ لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ. فَمَا يبَقِى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ، وَلَدَدْنَا مَيْمُونَةَ وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَشَارَتَا بِأَنْ يَلُدُّوهُ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: إِنَّ أَوَّلَ مَا اشْتَكَى كَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَتَشَاوَرْنَ فِي لَدِّهِ فَلَدُّوهُ. فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هُنَا - وَأَشَارَ إِلَى الْحَبَشَةِ - وَكَانَتْ أَسْمَاءُ مِنْهُنَّ فَقَالُوا: كُنَّا نَتَّهِمُ بِكَ ذَاتَ الْجَنْبِ. فَقَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَنِي بِهِ، لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إِلَّا لُدَّ.
قَالَ: فَلَقَدِ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ هَذِهِ بَيَانُ ضَعْفِ مَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَاتَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ ذَاتَ الْجَنْبِ تُطْلَقُ بِإِزَاءِ مَرَضَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الطِّبِّ: أَحَدُهُمَا وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ، وَالْآخَرُ رِيحٌ مُحْتَقِنٌ بَيْنَ الْأَضْلَاعِ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْفِيُّ هُنَا، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ذَاتُ الْجَنْبِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي أُثْبِتَ هُنَا، وَلَيْسَ فِيهِ مَحْذُورٌ كَالْأَوَّلِ.
-
الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ حَدِيثُ عَائِشَةَ.
-
٤٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَي أَزْهَرُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَتْ: مَنْ قَالَهُ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَإِنِّي لَمُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِي فَدَعَا بِالطَّسْتِ فَانْخَنَثَ فَمَاتَ فَمَا شَعَرْتُ فَكَيْفَ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ؟
-
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَزْهَرُ) هُوَ ابْنُ سَعْدٍ السَّمَّانُ بَصْرِيٌّ، وَشَيْخُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ بَصْرِيٌّ أَيْضًا، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخْعِيُّ، وَالْأَسْوَدُ فَكُوفِيَّانِ.
-
قَوْلُهُ: (ذُكِرَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَصَايَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: ذَكَرُوا وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَتْ: وَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ وَقَدْ رَأَيْتُهُ دَعَا بِالطَّسْتِ لِيَتْفُلَ فِيهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ هُنَاكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِبَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فِي أَثْنَاءِ هَذَا الْبَابِ.
-
٤٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنهما : أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِهَا؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ.
-
الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ الْوَصَايَا.
-
٤٤٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً، إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا وَسِلَاحَهُ وَأَرْضًا جَعَلَهَا لِابْنِ
ج ٩ ص ١٤٩السَّبِيلِ صَدَقَةً.
-
٤٤٦٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام : وَا كَرْبَ أَبَاهُ فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام : يَا أَنَسُ أَطَابَتْ نفُوسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التُّرَابَ.
-
الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَهُوَ الْمُصْطَلِقِيُّ أَخُو مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ الْوَصَايَا.
-
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: حَدِيثُ أَنَسٍ عَنْ فَاطِمَةَ.
-
قَوْلُهُ: (وَاكَرْبَ أَبَاهُ) فِي رِوَايَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَاكَرْبَاهْ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ لِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهَا لَمْ تَرْفَعْ صَوْتَهَا بِذَلِكَ وَإِلَّا لَكَانَ يَنْهَاهَا.
-
قَوْلُهُ: (يَا أَبَتَاهْ) كَأَنَّهَا قَالَتْ: يَا أَبِي، وَالْمُثَنَّاةُ بَدَلٌ مِنَ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْأَلِفُ لِلنُّدْبَةِ وَلِمَدِّ الصَّوْتِ وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ.
-
قَوْلُهُ: (مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي أَوَّلِهِ عَلَى أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ، وَحَكَى الطَّيِّبِيُّ عَنْ نُسْخَةٍ مِنْ الْمَصَابِيحِ بِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
-
قَوْلُهُ: (إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ) قِيلَ: الصَّوَابُ إِلَى جِبْرِيلَ نَعَاهُ، جَزَمَ بِذَلِكَ سِبْطُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِرْآةِ، وَالْأَوَّلُ مُوَجَّهٌ فَلَا مَعْنَى لِتَغْلِيطِ الرُّوَاةِ بِالظَّنِّ وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَارِمٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: يَا أَبَتَاهُ، مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ وَمِثْلُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ بِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ أَنَّ كَرْبَهُ كَانَ شَفَقَةً عَلَى أُمَّتِهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ وُقُوعِ الْفِتَنِ وَالِاخْتِلَافِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ أَنْ تَنْقَطِعَ شَفَقَتُهُ عَلَى أُمَّتِهِ بِمَوْتِهِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَأَعْمَالُهُمْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرْبِ مَا كَانَ يَجِدُهُ مِنْ شِدَّةِ الْمَوْتِ، وَكَانَ فِيمَا يُصِيبُ جَسَدَهُ مِنَ الْآلَامِ كَالْبَشَرِ لِيَتَضَاعَفَ لَهُ الْأَجْرُ كَمَا تَقَدَّمَ.
-
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَنَسُ إِلَخْ) وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ عَنْ فَاطِمَةَ، وَأَشَارَتْ عليها السلام بِذَلِكَ إِلَى عِتَابِهِمْ عَلَى إِقْدَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا عَرَفَتْهُ مِنْهُمْ مِنْ رِقَّةِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وَسَكَتَ أَنَسٌ عَنْ جَوَابِهَا رِعَايَةً لَهَا وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ: لَمْ تَطِبْ أَنْفُسُنَا بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّا قَهَرْنَاهَا عَلَى فِعْلِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: وَمَا نَفَضْنَا أَيْدِيَنَا مِنْ دَفْنِهِ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا وَمِثْلُهُ فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ وَجَدُوهَا تَغَيَّرَتْ عَمَّا عَهِدُوهُ فِي حَيَاتِهِ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالصَّفَاءِ وَالرِّقَّةِ؛ لِفِقْدَانِ مَا كَانَ يَمُدُّهُمْ بِهِ مِنَ التَّعْلِيمِ وَالتَّأْدِيبِ. وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ جَوَازُ التَّوَجُّعِ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ احْتِضَارِهِ بِمِثْلِ قَوْلِ فَاطِمَةَ عليها السلام وَاكَرْبَ أَبَاهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النِّيَاحَةِ، لِأَنَّهُ ﷺ أَقَرَّهَا عَلَى ذَلِكَ.
-
وَأَمَّا قَوْلُهَا بَعْدَ أَنْ قُبِضَ وَاأَبَتَاهْ إِلَخْ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ مُتَّصِفًا بِهَا لَا يُمْنَعُ ذِكْرُهُ لَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ فِيهِ ظَاهِرًا وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِهِ أَوْ لَا يَتَحَقَّقُ اتِّصَافُهُ بِهَا فَيَدْخُلُ فِي الْمَنْعِ، وَنُبِّهَ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمِزِّيَّ ذَكَرَ كَلَامَ فَاطِمَةَ هَذَا فِي مُسْنَدِ أَنَسٍ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ فِي مُسْنَدِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ
ج ٩ ص ١٥٠أَنَّهُ حَضَرَهُ، لَكِنِ الْأَخِيرُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ فَاطِمَةَ فَحَقُّهُ أَنْ يَذْكُرَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ عَنْهَا.