٤ - سورة النساء
٢٥١ فقرة، ج ٩ ص ٢٣٧
الصفحة ٣ من ٧
- ج ٩ ص ٢٤٨
قَوْلُهُ: (عَنْ إِدْرِيسَ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَوْدِيُّ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَالِدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ الْفَقِيهِ الْكُوفِيِّ، وَإِدْرِيسُ ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ يَزِيدَ.
-
قَوْلُهُ: (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ) وَقَعَ فِي الْفَرَائِضِ: عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ.
-
قَوْلُهُ: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) ، قَالَ: وَرَثَةً) هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ مِنَ السَّلَفِ، أَسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلِكُلِّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ جَعَلْنَا عَصَبَةً يَرِثُونَهُ مِمَّا تَرَكَ وَالِدَهُ وَأَقْرَبُوهُ مِنْ مِيرَاثِهِمْ لَهُ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ الْآيَةَ تَقْدِيرًا غَيْرَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ جَعَلْنَا لِكُلِّ مَيِّتٍ وَرَثَةً، تَرِثُ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَلِكُلِّ مَالٍ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ جَعَلْنَا وَرَثَةً يَحُوزُونَهُ. فَعَلَى هَذَا كُلٍّ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعَلَ وَ: مِمَّا تَرَكَ صِفَةٌ لِكُلٍّ وَ: الْوَالِدَانِ فَاعِلُ تَرَكَ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَصِفَتِهِ، وَقَدْ سُمِعَ كَثِيرًا، وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾؛ فَإِنَّ فَاطِرَ صِفَةُ اللَّهِ اتِّفَاقًا، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وَلِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْنَاهُمْ مَوْلًى - أَيْ: وَرَثَةً - نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ وَالِدَاهُمْ وَأَقْرَبُوهُمْ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لِكُلٍّ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَ: نَصِيبٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَ: (جَعَلْنَاهُمْ) صِفَةٌ لِقَوْمِ وَ: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي حُذِفَ وَ: (نَصِيبٌ) صِفَتُهُ، وَكَذَا حُذِفَ مَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ كُلٌّ وَبَقِيَتْ صِفَتُهُ، وَكَذَا حُذِفَ الْعَائِدُ عَلَى الْمَوْصُوفِ، هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْرِبُونَ، وَذَكَرُوا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا ظَاهِرُهُ التَّكَلُّفُ.
-
وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يُضَافُ إِلَيْهِ كُلٌّ هُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ثُمَّ قَالَ (وَلِكُلٍّ) أَيْ: مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (جَعَلْنَا) أَيْ: قَدَّرْنَا (نَصِيبًا) أَيْ: مِيرَاثًا ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) أَيْ: بِالْحَلِفِ أَوِ الْمُوَالَاةِ وَالْمُؤَاخَاةِ، فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ خِطَابٌ لِمَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ، أَيْ: مَنْ وَلِيَ عَلَى مِيرَاثِ أَحَدٍ فَلْيُعْطِ لِكُلِّ مَنْ يَرِثُهُ نَصِيبَهُ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَّضِحِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الْإِعْرَابُ وَيُتْرَكَ مَا عَدَاهُ مِنَ التَّعَسُّفِ.
-
قَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ: كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ
ج ٩ ص ٢٤٩الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ) هَكَذَا حَمَلَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مَنْ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، وَحَمَلَهَا غَيْرُهُ عَلَى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، فَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُمْ نَسَبٌ فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَنُسِخَ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَرِثُهُ، وَعَاقَدَ أَبُو بَكْرٍ مَوْلًى فَوَرِثَهُ.
-
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نُسِخَتْ) هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ نَاسِخَ مِيرَاثِ الْحَلِيفِ هَذِهِ الْآيَةُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ، فَإِذَا مَاتَ وَرِثَهُ الْآخَرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل : وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا، يَقُولُ: إِلَّا أَنْ تُوصُوا لِأَوْلِيَائِكُمُ الَّذِينَ عَاقَدْتُمْ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ، وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أُمِرُوا أَنْ يُؤْتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ السُّدُسُ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْمِيرَاثِ فَقَالَ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وَمِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى: حَيْثُ كَانَ الْمُعَاقِدُ يَرِثُ وَحْدَهُ دُونَ الْعَصَبَةِ، فَنَزَلَتْ (وَلِكُلٍّ) وَهِيَ آيَةُ الْبَابِ، فَصَارُوا جَمِيعًا يَرِثُونَ، وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ آيَةُ الْأَحْزَابِ، وَخُصَّ الْمِيرَاثُ بِالْعَصَبَةِ، وَبَقِيَ لِلْمُعَاقِدِ النَّصْرُ وَالْإِرْفَادُ وَنَحْوُهُمَا، وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ بَقِيَّةُ الْآثَارِ. وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ أَيْضًا، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرِ النَّاسِخَ الثَّانِيَ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصَى لَهُ) كَذَا وَقَعَ فِيهِ، وَسَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ بَيَّنَهُ الطَّبَرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَفْظُهُ: ثُمَّ قَالَ (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) مِنَ النَّصْرِ إِلَخْ، فَقَوْلُهُ: مِنَ النَّصْرِ يَتَعَلَّقُ بِآتُوهُمْ لَا بِعَاقَدَتْ وَلَا بِأَيْمَانِكُمْ، وَهُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ، وَالرِّفَادَةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ خَفِيفَةٌ: الْإِعَانَةُ بِالْعَطِيَّةِ.
-
قَوْلُهُ: (سَمِعَ أَبُو أُسَامَةَ، إِدْرِيسَ. وَسَمِعَ إِدْرِيسُ، طَلْحَةَ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَقَدْ قَدَّمْتُ التَّنْبِيهَ عَلَى مَنْ وَقَعَ عِنْدَهُ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ لِأَبِي أُسَامَةَ مِنْ إِدْرِيسَ، وَلِإِدْرِيسَ مِنْ طَلْحَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
٨ - بَاب ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يَعْنِي: زِنَةَ ذَرَّةٍ
٤٥٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه ، أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ، ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهِ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهِ سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ عز وجل يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: تَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ وَغُبَّرَاتُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ
ج ٩ ص ٢٥٠تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقَالُوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا، فَيُشَارُ: أَلَا تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَكَذَلِكَ مِثْلَ الْأَوَّلِ، حَتَّى إِذَا لَمْ
يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنَى صُورَةٍ مِنْ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، فَيُقَالُ: مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ تَتْبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
-
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يَعْنِي: زِنَةَ ذَرَّةٍ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أَيْ: زِنَةَ ذَرَّةٍ، وَيُقَالُ: هَذَا مِثْقَالُ هَذَا، أَيْ: وَزْنُهُ، وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنَ الثِّقَلِ، وَالذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ، وَيُقَالُ: وَاحِدَةُ الْهَبَاءِ، وَالذَّرَّةُ يُقَالُ: زِنَتُهَا رُبُعُ وَرَقَةِ نُخَالَةٍ، وَوَرَقَةُ النُّخَالَةِ وَزْنُ رُبُعِ خَرْدَلَةٍ، وَزِنَةُ الْخَرْدَلَةِ رُبُعُ سِمْسِمَةٍ. وَيُقَالُ: الذَّرَّةُ لَا وَزْنَ لَهَا، وَإِنَّ شَخْصًا تَرَكَ رَغِيفًا حَتَّى عَلَاهُ الذَّرُّ فَوَزَنَهُ، فَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا، حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
-
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي الشَّفَاعَةِ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ، وَهُوَ بِطُولِهِ فِي مَعْنَاهُ، وَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُهُمَا بِتَمَامِهِمَا مُتَوَالِيَيْنِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ. وَشَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ الرَّمْلِيُّ، يُعْرَفُ بِابْنِ الْوَاسِطِيِّ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ وَلَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي الِاعْتِصَامِ.
-
٩ - بَاب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ، ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ، طَمَسَ الْكِتَابَ: مَحَاهُ، جَهَنَّمَ ﴿سَعِيرًا﴾ وُقُودًا
٤٥٨٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ يَحْيَى: بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ: أَمْسِكْ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.
-
[الحديث ٤٥٨٢ - أطرافه في: ٥٠٤٩، ٥٠٥٠، ٥٠٥٥، ٥٠٥٦]
-
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ وَقَعَ فِي الْبَابِ تَفَاسِيرُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ، وَقَدْ قَدَّمْتُ الِاعْتِذَارَ عَنْ ذَلِكَ.
-
قَوْلُهُ: (الْمُخْتَالُ وَالْخَتَّالُ وَاحِدٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: الْمُخْتَالُ وَالْخَالُ وَاحِدٌ وَصَوَّبَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾ الْمُخْتَالُ ذُو الْخُيَلَاءِ وَالْخَالُ وَاحِدٌ. قَالَ: وَيَجِيءُ مَصْدَرًا، قَالَ الْعَجَّاجُ وَالْخَالُ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْجِبَالِ. قُلْتُ: وَالْخَالُ يُطْلَقُ لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فِي قَصِيدَةٍ فَبَلَغَ نَحْوًا مِنَ الْعِشْرِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُجِدَتْ قَصِيدَةٌ، تَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ عِشْرِينَ أُخْرَى، وَكَلَامُ عِيَاضٍ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ لَا الْفَوْقَانِيَّةِ،
ج ٩ ص ٢٥١وَلِهَذَا قَالَ: كُلُّهُ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ أَوْرَدَهُ فِي الْخَاءِ وَالتَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ، وَالْخَتَّالُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ لَا مَعْنَى لَهُ هُنَا كَمَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ فَعَّالٌ مِنَ الْخَتْلِ وَهُوَ الْعُذْرُ، وَلِأَنَّ عَيْنَهُ يَاءٌ تَحْتَانِيَّةٌ لَا فَوْقَانِيَّةٌ، وَالِاسْمُ الْخَلَاءُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَخْتِلُ فِي صُورَةِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ التَّكْبِيرِ وَالتَّعَاظُمِ.
-
قَوْلُهُ: ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ، طَمَسَ الْكِتَابَ مَحَاهُ) هُوَ مُخْتَصَرٌ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ أَيْ: نُسَوِّيَهَا حَتَّى تَعُودَ كَأَقْفَائِهِمْ، يُقَالُ لِلرِّيحِ: طَمَسَتِ الْآثَارَ، أَيْ: مَحَتْهَا، وَطَمَسَ الْكِتَابَ، أَيْ: مَحَاهُ. وَأَسْنَدَ الطَّبَرِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ: الْمُرَادُ أَنْ تَعُودَ الْأَوْجُهُ فِي الْأَقْفِيَةِ. وَقِيلَ: هُوَ تَمْثِيلٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَتَهُ حِسًّا.
-
قَوْلُهُ: (بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا: وَقُودًا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أَيْ: وَقُودًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ مِثْلَهُ.
-
تَنْبِيهٌ: هَذِهِ التَّفَاسِيرُ لَيْسَتْ لِهَذِهِ الْآيَةِ، وَكَأَنَّهُ مِنَ النُّسَّاخِ كَمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ) هُوَ ابْنُ الْفَضْلِ، وَيَحْيَى هُوَ الْقَطَّانُ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ هُوَ الْأَعْمَشُ، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ النَّخَعِيُّ، وَعَبِيدَةُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ هُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ سِوَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَشَيْخِهِ كُوفِيُّونَ، فِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ، أَوَّلُهُمُ الْأَعْمَشُ.
-
قَوْلُهُ: (قَالَ يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
-
قَوْلُهُ: (بَعْضُ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةٍ) أَيْ: مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ حَيْثُ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: قَالَ الْأَعْمَشُ: وَبَعْضُ الْحَدِيثِ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ، وَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: إِسْنَادُ عَمْرٍو مَقْطُوعٌ، وَبَعْضُ الْحَدِيثِ مَجْهُولٌ. قُلْتُ: عَبَّرَ عَنِ الْمُقَتطِعِ بِالْمَقْطُوعِ لِقِلَّةِ اكْتِرَاثِهِ بِمُرَاعَاةِ الِاصْطِلَاحِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ مَجْهُولٌ، فَيُرِيدُ مَا حَدَّثَهُ بِهِ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، فَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْبَعْضَ عَنْ هَذَا وَالْبَعْضَ عَنْ هَذَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَهُ كُلُّهُ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ، وَبَعْضُهُ فِي أَثْنَائِهِ أَيْضًا.
-
١٠ - بَاب ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ * صَعِيدًا﴾ وَجْهَ الْأَرْضِ. وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَتْ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا؛ فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ، كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ عُمَرُ: الْجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ. الشَّيْطَانُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ.
-
٤٥٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: هَلَكَتْ قِلَادَةٌ لِأَسْمَاءَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهَا رِجَالًا، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسُوا عَلَى وُضُوءٍ، وَلَمْ يَجِدُوا مَاءً، فَصَلَّوْا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - يَعْنِي - آيَةَ التَّيَمُّمِ.
-
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ هَذَا الْقَدرُ مُشْتَرَكٌ فِي آيَتَيِ النِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ، وَإِيرَادُ الْمُصَنِّفِ لَهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ يُشْعِرُ بِأَنَّ آيَةَ النِّسَاءِ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ، وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ.
-
قَوْلُهُ: (صَعِيدًا: وَجْهَ الْأَرْضِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾: تَيَمَّمُوا، أَيْ:
ج ٩ ص ٢٥٢تَعَمَّدُوا. قَالَ: وَالصَّعِيدُ: وَجْهُ الْأَرْضِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الصَّعِيدَ وَجْهُ الْأَرْضِ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهَا تُرَابٌ أَمْ لَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ وَ: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ وَإِنَّمَا سُمِّيَ صَعِيدًا؛ لِأَنَّهُ نِهَايَةُ مَا يَصْعَدُ مِنَ الْأَرْضِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ أَنْ رَوَى مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: الصَّعِيدُ الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَجَرٌ وَلَا نَبَاتٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ قَالَ: الصَّعِيدُ التُّرَابُ. وَمَنْ طَرِيقِ ابْنِ زَيْدٍ قَالَ: الصَّعِيدُ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ. الصَّوَابُ أَنَّ الصَّعِيدَ وَجْهُ الْأَرْضِ الْمُسْتَوِيَةِ الْخَالِيَةِ مِنَ الْغَرْسِ وَالنَّبَاتِ وَالْبِنَاءِ، وَأَمَّا الطَّيِّبُ فَهُوَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ مَنِ اشْتَرَطَ فِي التَّيَمُّمِ التُّرَابَ؛ لِأَنَّ الطَّيِّبَ هُوَ التُّرَابُ الْمُنْبِتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ: الْحَرْثُ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَتِ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ، كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الطَّوَاغِيتِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَفِي هِلَالٍ وَاحِدٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَسَبُ جُهَيْنَةَ وَأَسْلَمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَأَمَّا هِلَالٌ فَقَبِيلَةٌ يَنْتَسِبُونَ إِلَى هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، مِنْهُمْ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ.
-
قَوْلُهُ: (الْجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَمُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رُسْتَةَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ فَائِدٍ، عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ أَبِي إِسْحَاقَ لَهُ مِنْ حَسَّانَ، وَسَمَاعِ حَسَّانَ مِنْ عُمَرَ فِي رِوَايَةِ رُسْتَةَ. وَحَسَّانُ بْنُ فَائِدٍ بِالْفَاءِ عَبْسِيٌّ بِالْمُوَحَّدَةِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: شَيْخٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ، وَزَادَ: وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ فِي صُورَةُ إِنْسَانٍ يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: الْجِبْتُ: السَّاحِرُ، وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ، وَهَذَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِالتَّأْوِيلِ إِلَى الَّذِي قَبْلَهُ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلَهُ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْحَبَشَةِ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْجِبْتَ الشَّيْطَانُ، وَالطَّاغُوتَ الْكَاهِنُ. وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْجِبْتُ الْأَصْنَامُ، وَالطَّوَاغِيتُ الَّذِينَ كَانُوا يُعَبِّرُونَ عَنِ الْأَصْنَامِ بِالْكَذِبِ. قَالَ: وَزَعَمَ رِجَالٌ أَنَّ الْجِبْتَ الْكَاهِنُ، وَالطَّاغُوتَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُدْعَى كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ. وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَالطَّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ جِنْسُ مِنْ كَانَ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، سَوَاءٌ كَانَ صَنَمًا أَوْ شَيْطَانًا جِنِّيًّا أَوْ آدَمِيًّا، فَيَدْخُلُ فِيهِ السَّاحِرُ وَالْكَاهِنُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ: إِنَّ الْجِبْتَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الشَّيْطَانُ، فَقَدْ وَافَقَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّاحِرِ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: الْجِبْتُ السَّاحِرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ، وَالطَّاغُوتُ الْكَاهِنُ.
-
وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُمَا إِلَى وُقُوعِ الْمُعَرَّبِ فِي الْقُرْآنِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اخْتُلِفَ فِيهَا، فَبَالَغَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ اللُّغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ، فَحَمَلُوا مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى تَوَارُدِ اللُّغَتَيْنِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِوُقُوعِ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ فِيهِ كَإِبْرَاهِيمَ فَلَا مَانِعَ مِنْ وُقُوعِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ جُمْلَةٌ مِنْ هَذَا، وَتَتَبَّعَ الْقَاضِي تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ مَا وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ وَنَظَمَهُ فِي أَبْيَاتٍ ذَكَرَهَا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ، وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ يَجْمَعُهَا هَذِهِ الْأَبْيَاتُ فَذَكَرَهَا، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ بَعْدَهُ زِيَادَةً كَثِيرَةً عَلَى ذَلِكَ تَقْرُبُ مِنْ عِدَّةِ مَا أَوْرَدَ، وَنَظَمْتُهَا أَيْضًا، وَلَيْسَ جَمِيعُ مَا أَوْرَدَهُ هُوَ مُتَّفَقًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنِ اكْتَفَى بِإِيرَادِ مَا نُقِلَ فِي الْجُمْلَةِ فَتَبِعْتُهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ رَأَيْتُ إِيرَادَ الْجَمِيعِ لِلْفَائِدَةِ، فَأَوَّلُ بَيْتٍ مِنْهَا مِنْ نَظْمِي وَالْخَمْسَةُ الَّتِي تَلِيهِ لَهُ وَبَاقِيهَا لِي أَيْضًا، فَقُلْتُ:
ج ٩ ص ٢٥٣مِنَ الْمُعَرَّبِ عَدَّ التَّاجُ (كَزَّ) وَقَدْ … أَلْحَقْتُ (كَدَّ) وَضَمَّتْهَا الْأَسَاطِيرُ
السَّلْسَبِيلُ وَطَهَ كُوِّرَتْ بِيَعٌ … رُومٌ وَطُوبَى وَسِجِّيلٌ وَكَافُورُ
وَالزَّنْجَبِيلُ وَمِشْكَاةٌ سُرَادِقُ مَعْ … اسْتَبْرَقٍ صَلَوَاتٌ سُنْدُسٌ طُورُ
كَذَا قَرَاطِيسُ رَبَّانِيِّهِمْ وَغَسَّا … قُ ثُمَّ دِينَارُ الْقِسْطَاسِ مَشْهُورُ
كَذَاكَ قَسْوَرَةٌ وَالْيَمُّ نَاشِئَةٌ … وَيُؤْتِ كِفْلَيْنِ مَذْكُورٌ وَمَسْطُورُ
لَهُ مَقَالِيدُ فِرْدَوْسٍ يُعَدُّ كَذَا … فِيمَا حَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ مِنْهُ تَنُّورُ
وَزِدْتُ حِرْمَ وَمُهْلَ وَالسِّجِلَّ كَذَا … السَّرِيُّ وَالْأَبُّ ثُمَّ الْجِبْتُ مَذْكُورُ
وَقِطَّنَا وَأَنَاهُ ثُمَّ مُتَّكَأً … دَارَسْتَ يُصْهَرُ مِنْهُ فَهْوَ مَصْهُورُ
وَهَيْتَ وَالسَّكْرَ الْأَوَّاهُ مَعْ حَصَبٍ … وَأَوِّبِي مَعْهُ وَالطَّاغُوتُ مَنْظُورُ
صُرُّهُنَّ اصْرِي وَغِيضَ الْمَاءُ مَعْ وَزَرَ … ثُمَّ الرَّقِيمُ مَنَاصٌ وَالسَّنَا النُّورُ
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِي: (كَزَّ) أَنَّ عِدَّةَ مَا ذَكَرَهُ التَّاجُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَبِقَوْلِي: (كَدَّ) أَنَّ عِدَّةَ مَا ذَكَرْتُهُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَأَنَا مُعْتَرِفٌ أَنَّنِي لَمْ أَسْتَوْعِبْ مَا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ، فَقَدْ ظَفِرْتُ بَعْدَ نَظْمِي هَذَا بِأَشْيَاءَ تَقَدَّمَ مِنْهَا فِي هَذَا الشَّرْحِ الرَّحْمَنُ وَرَاعِنَا، وَقَدْ عَزَمْتُ أَنِّي إِذَا أَتَيْتُ عَلَى آخِرِ شَرْحِ هَذَا التَّفْسِيرِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أُلْحِقُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ زِيَادَةٍ فِي ذَلِكَ مَنْظُومًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي سُقُوطِ عِقْدِهَا، وَنُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّيَمُّمِ.
-
١١ - بَاب ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ذَوِي الْأَمْرِ
٤٥٨٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ.
-
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ذَوِي الْأَمْرِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ: أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، ذَوِي الْأَمْرِ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَزَادَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ وَاحِدَهَا ذُو أَيْ: وَاحِدٌ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا.
-
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ وَحْدَهُ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا سُنَيْدٌ وَهُوَ ابْنُ دَاوُدَ الْمِصِّيصِيُّ وَاسْمُهُ الْحُسَيْنُ، وَسُنَيْدٌ لَقَبٌ، وَهُوَ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَلَهُ تَفْسِيرٌ مَشْهُورٌ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِنْ كَانَ ابْنُ السَّكَنِ حَفِظَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَاقْتَصَرَ الْأَكْثَرُ عَلَى صَدَقَةَ لِإِتْقَانِهِ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ السَّكَنِ عَلَى سُنَيْدٍ بِقَرِينَةِ التَّفْسِيرِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ سُنَيْدًا أَلْزَمَ حَجَّاجًا - يَعْنِي حَجَّاجَ بْنَ مُحَمَّدٍ شَيْخَهُ فِي
ج ٩ ص ٢٥٤هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى تَدْلِيسِ التَّسْوِيَةِ، وَعَابَهُ بِذَلِكَ وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبَ فِي تَضْعِيفِ مَنْ ضَعَّفَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
قَوْلُهُ: (عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ.
-
قَوْلُهُ: (نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ) كَذَا ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وَالْمَعْنَى نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، أَيِ: الْمَقْصُودُ مِنْهَا فِي قِصَّتِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، وَقَدْ غَفَلَ الدَّاوُدِيُّ عَنْ هَذَا الْمُرَادِ فَقَالَ: هَذَا وَهَمٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ خَرَجَ عَلَى جَيْشٍ فَغَضِبَ فَأَوْقَدُوا نَارًا، وَقَالَ: اقْتَحِمُوهَا فَامْتَنَعَ بَعْضٌ، وَهَمَّ بَعْضٌ أَنْ يَفْعَلَ. قَالَ: فَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلُ فَكَيْفَ يُخَصُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ بِالطَّاعَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بَعْدُ فَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ: إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ، وَمَا قِيلَ لَهُمْ: لِمَ لَمْ تُطِيعُوا؟ انْتَهَى. وَبِالْحَمْلِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ يَظْهَرُ الْمُرَادُ، وَيَنْتَفِي الْإِشْكَالُ الَّذِي أَبْدَاهُ؛ لِأَنَّهُمْ تَنَازَعُوا فِي امْتِثَالِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يُطِيعُوهُ وَقَفُوا عِنْدَ امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ، وَالَّذِينَ امْتَنَعُوا عَارَضَهُ عِنْدَهُمُ الْفِرَارُ مِنَ النَّارِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَنْزِلَ فِي ذَلِكَ مَا يُرْشِدُهُمْ إِلَى مَا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَهُوَ الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، أَيْ: إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي جَوَازِ الشَّيْءِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ فَارْجِعُوا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي قِصَّةٍ جَرَتْ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَ خَالِدٌ أَمِيرًا، فَأَجَارَ عَمَّارٌ رَجُلًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَتَخَاص مَا فَنَزَلَتْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَالِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ وَالِاخْتِلَافُ فِي اسْمِ أَمِيرِهَا فِي الْمَغَازِي بَعْدَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ بِقَلِيلٍ. وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِأُولِي الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: هُمُ الْأُمَرَاءُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَخْرَجَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَغَيْرِهِ نَحْوَهُ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ: هُمُ الْعُلَمَاءُ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَصَحَّ مِنْهُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُمُ الصَّحَابَةُ، وَهَذَا أَخَصُّ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْإِمَارَةَ وَلَا يَنْقَادُونَ إِلَى أَمِيرٍ، فَأُمِرُوا بِالطَّاعَةِ لِمَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ، وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ : مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ حَمْلَهَا عَلَى الْعُمُومِ وَإِنْ نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ خَاصٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
١٢ - بَاب ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
-
٤٥٨٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي شَرِيجٍ مِنْ الْحَرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟! فَتَلَوَّنَ وَجْهُه، ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، وَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ حِينَ أَحْفَظَهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرٍ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ. قَالَ الزُّبَيْرُ: فَمَا أَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَاتِ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
-
قَوْلُهُ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ سَقَطَ (بَابُ) لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَذَكَرَ فِيهِ قِصَّةَ الزُّبَيْرِ مَعَ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي خَاصَمَهُ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الشِّرْبِ، بَيَّنْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ عَلَى
ج ٩ ص ٢٥٥عُرْوَةَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ هُنَا: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكِ بِفَتْحِ أَنْ لِلْجَمِيعِ أَيْ: مِنْ أَجْلِ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ: وَأَنْ بِزِيَادَةِ وَاوٍ، وَفِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: آنَ بِزِيَادَةِ هَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وَهِيَ الِاسْتِفْهَامُ.
-
١٣ - بَاب ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾