١١١ - سورة تبت يدا أبي لهب وتب.
٣٠ فقرة، ج ٩ ص ٧٣٦
- ج ٩ ص ٧٣٦
غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ.
-
قَوْلُهُ: (فَمَا رُئِيَتُ) بِضَمِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِيِّ فَمَا أَرَيْتُهُ بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
-
قَوْلُهُ: (إِلَّا لِيُرِيَهُمْ) زَادَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ مِنِّي أَيْ مِثْلَ مَا رَآهُ هُوَ مِنِّي مِنَ الْعِلْمِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَأُرِيكُمُ الْيَوْمَ مِنْهُ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ فَضْلَهُ.
-
قَوْلُهُ: (مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ.
-
قَوْلُهُ: (إِذَا جَاءَ نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا) فِي رِوَايَةِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ قَالُوا فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ.
-
قَوْلُهُ: (وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نَدْرِي أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا.
-
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لِي أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: فَمَا تَقُولُ) ؟ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَقَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَلَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: أَعْلَمَهُ مَتَى يَمُوتُ، قَالَ: إِذَا جَاءَ.
-
قَوْلُهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ زَادَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ.
-
قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فَهُوَ آيَتُكَ فِي الْمَوْتِ وَفِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَجَلٌ أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ، نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَوَهِمَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ فَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ الَّتِي فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ بِلَفْظِ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ ولِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ نُعِيَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفْسُهُ، فَأَخَذَ بِأَشَدِّ مَا كَانَ قَطُّ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلِمَ أَنْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ الْوَدَاعُ.
-
وَسُئِلْتُ عَنْ قَوْلِ الْكَشَّافِ: إِنَّ سُورَةَ النَّصْرِ نَزَلَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَكَيْفَ صُدِّرَتْ بِإِذَا الدَّالَّةِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ؟ فَأَجَبْتُ بِضَعْفِ مَا نَقَلَهُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَالشَّرْطُ لَمْ يَتَكَمَّلْ بِالْفَتْحِ، لِأَنَّ مَجِيءَ النَّاسِ أَفْوَاجًا لَمْ يَكُنْ كَمُلَ، فَبَقِيَّةُ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ. وَقَدْ أَوْرَدَ الطِّيبِيُّ السُّؤَالَ وَأَجَابَ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِذَا قَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى إِذْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ الْآيَةَ. ثَانِيهِمَا: أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ قَدِيمٌ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الْجَوَابَيْنِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
-
قَوْلُهُ: (إِلَّا مَا تَقُولُ) فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ إِلَّا مَا تَعْلَمُ زَادَ أَحْمَدُ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِمَا، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي آخِرِهِ فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلَى حُبِّ مَا تَرَوْنَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَأَلَهُمْ حِينَئِذٍ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَذَكَرَ جَوَابَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاسْتِنْبَاطَهُ وَتَصْوِيبَ عُمَرَ قَوْلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ عُمَرَ قِصَّةٌ أُخْرَى فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَكِنْ أَجَابُوا فِيهَا بِقَوْلِهِمْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ عُمَرُ: قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ، الْحَدِيثَ.
-
وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَتَأْثِيرٌ لِإِجَابَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ التَّأْوِيلَ وَيُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَحْدِيثِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِ هَذَا لِإِظْهَارِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَإِعْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ لِيُنْزِلَهُ مَنْزِلَتَهُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ، لَا لِلْمُفَاخَرَةِ وَالْمُبَاهَاةِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِمَا يُفْهَمُ مِنَ الْإِشَارَاتِ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ فِي الْعِلْمِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَوْ فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ.
-
١١١ - سُورَةُ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تَبَابٌ: خُسْرَانٌ، تَتْبِيبٌ: تَدْمِيرٌ
ج ٩ ص ٧٣٧١ - بَاب
٤٩٧١ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَرَهْطَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاهْ. فَقَالُوا: مَنْ هَذَا؟ فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ مَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وَقَدْ تَبَّ هَكَذَا قَرَأَهَا الْأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ.
-
قَوْلُهُ: (سُورَةُ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَأَبُو لَهَبٍ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى. وَأُمُّهُ خُزَاعِيَّةٌ. وَكُنِّيَ أَبَا لَهَبٍ إِمَّا بِابْنِهِ لَهَبٍ، وَإِمَّا بِشِدَّةِ حُمْرَةِ وَجْنَتِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ أَبَا لَهَبٍ لِأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ يَتَلَهَّبُ مِنْ حُسْنِهِ انْتَهَى.
-
وَوَافَقَ ذَلِكَ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنْ أَنَّهُ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ، وَلِكَوْنِهِ بِهَا أَشْهَرُ، وَلِأَنَّ فِي اسْمِهِ إِضَافَةً إِلَى الصَّنَمِ. وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ بِجَوَازِ تَكْنِيَةِ الْمُشْرِكِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ مَحَلُّ الْجَوَازِ إِذَا لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ لَهُ أَوْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَاحَى أَبَا لَهَبٍ فَقَعَدَ أَبُو لَهَبٍ عَلَى صَدْرِ أَبِي طَالِبٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخَذَ بِضَبْعَيْ أَبِي لَهَبٍ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: كِلَانَا عَمُّكَ، فَلِمَ فَعَلْتَ بِي هَذَا؟ وَاللَّهِ لَا يُحِبُّكَ قَلْبِي أَبَدًا. وَذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ: لَوْ عَضَّدْتَ ابْنَ أَخِيكَ لَكُنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ. وَلَقِيَهُ فَسَأَلَهُ عَمَّنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ دِينٍ، فَغَضِبَ، وَتَمَادَى عَلَى عَدَاوَتِهِ. وَمَاتَ أَبُو لَهَبٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا بَلْ أَرْسَلَ عَنْهُ بَدِيلًا، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَا جَرَى لِقُرَيْشٍ مَاتَ غَمًّا.
-
قَوْلُهُ: (وَتَبَّ: خَسِرَ. تَبَابٌ: خُسْرَانٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ قَالَ: يَقُولُ: خَسِرَ وَتَبَّ أَيْ خَسِرَ وَمَا كَسَبَ يَعْنِي وَلَدَهُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ قَالَ: فِي هَلَكَةٍ.
-
قَوْلُهُ: (تَتْبِيبٍ: تَدْمِيرٍ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أَيْ: تَدْمِيرٍ وَإِهْلَاكٍ.
-
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ مَعَ بَقِيَّةِ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ وَفَوَائِدِهِ.
-
٢ - بَاب ﴿وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾
-
٤٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ فَنَادَى: يَا صَبَاحَاهْ. فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا تَبًّا لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ إِلَى آخِرِهَا.
- ج ٩ ص ٧٣٨
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ذَكَرَ فِيهِ الْحَدِيثَ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
-
وَقَوْلُهُ فِيهِ فَهَتَفَ أَيْ: صَاحَ. وَقَوْلُهُ: يَا صَبَاحَاهُ أَيْ: هَجَمُوا عَلَيْكُمْ صَبَاحًا.
-
٣ - بَاب ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾
-
٤٩٧٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾
-
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ مُخْتَصَرًا، مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِهِ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟، فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّ عَادَةَ الْمُصَنِّفِ غَالِبًا إِذَا كَانَ لِلْحَدِيثِ طُرُقٌ أَنْ لَا يَجْمَعَهَا فِي بَابٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَجْعَلُ لِكُلِ طَرِيقٍ تَرْجَمَةً تَلِيقُ بِهِ، وَقَدْ يُتَرْجِمُ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَإِنْ لَمْ يَسُقْهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ اكْتِفَاءً بِالْإِشَارَةِ، وَهَذَا مِنْ ذَلِكَ.
-
٤ - بَاب ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَمَّالَةُ الْحَطَبِ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ يُقَالُ: مِنْ مَسَدٍ لِيفِ الْمُقْلِ، وَهِيَ السِّلْسِلَةُ الَّتِي فِي النَّارِ.
-
قَوْلُهُ: بَابُ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ يَقْرَأُ (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) بِالنَّصْبِ وَيَقُولُ: هُوَ ذَمٌّ لَهَا.
قُلْتُ: وَقَرَأَهَا بِالنَّصْبِ أَيْضًا مِنَ الْكُوفِيِّينَ عَاصِمٌ. وَاسْمُ امْرَأَةِ أَبِي لَهَبٍ الْعَوْرَاءُ وَتُكَنَّى أُمَّ جَمِيلٍ، وَهِيَ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ أُخْتُ أَبِي سُفْيَانَ وَالِدِ مُعَاوِيَةَ، وَتَقَدَّمَ لَهَا ذِكْرٌ فِي تَفْسِيرِ وَالضُّحَى، يُقَالُ: إِنَّ اسْمَهَا أَرْوَى وَالْعَوْرَاءُ لَقَبٌ، وَيُقَالُ: لَمْ تَكُنْ عَوْرَاءَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِجَمَالِهَا.
-
وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ جَاءَتْ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَوْ تَنَحَّيْتَ، قَالَ: إِنَّهُ سَيُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، فَأَقْبَلَتْ فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ هَجَانِي صَاحِبُكَ، قَالَ: لَا وَرَبَّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ، مَا يَنْطِقُ بِالشِّعْرِ وَلَا يَفُوهُ بِهِ. قَالَتْ: إِنَّكَ لَمُصَدَّقٌ. فَلَمَّا وَلَّتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا رَأَتْكَ. قَالَ: مَا زَالَ مَلَكٌ يَسْتُرُنِي حَتَّى وَلَّتْ. وَأَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِنَحْوِهِ. وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ قِيلَ لِامْرَأَةِ أَبِي لَهَبٍ: إِنَّ مُحَمَّدًا هَجَاكِ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: هَلْ رَأَيْتَنِي أَحْمِلُ حَطَبًا، أَوْ رَأَيْتَ فِي جِيدِي حَبْلًا.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ عَنْهُ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَتْ امْرَأَةُ أَبِي لَهَبٍ تَنِمُّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَتْ تَنِمُّ فَتُحَرِّشُ فَتُوقِدُ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ، فَكُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِحَمْلِهَا الْحَطَبَ.
-
قَوْلُهُ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ يُقَالُ مِنْ مَسَدٍ: لِيفِ الْمُقْلِ، وَهِيَ السِّلْسِلَةُ الَّتِي فِي النَّارِ) قُلْتُ: هُمَا قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ قَالَ: هِيَ السِّلْسِلَةُ الَّتِي فِي النَّارِ، وَيُقَالُ: الْمَسَدُ لِيفُ الْمُقْلِ. وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ قَالَ: مِنْ حَدِيدٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فِي عُنُقِهَا حَبْلٌ مِنْ نَارٍ، وَالْمَسَدُ عِنْدَ الْعَرَبِ حِبَالٌ مِنْ ضُرُوبٍ.