١٢٧ - باب لا يشمت العاطس إذا لم يحمد الله
٣ فقرات، ج ١١ ص ٦١٠
- ج ١١ ص ٦١٠
٦٢٢٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رضي الله عنه يَقُولُ: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتْ الْآخَرَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَمَّتَّ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي! قَالَ: إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَلَمْ تَحْمَدْ اللَّهَ.
-
قَوْلُهُ: (بَابُ لَا يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ إِذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ) أَوْرَدَ فِي حَدِيثَ أَنَسٍ الْمَاضِي فِي بَابِ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ وَلَيْسَ مَخْصُوصًا بِالرَّجُلِ الَّذِي وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ فِيهَا، لَكِنْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى بِلَفْظِ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَمْ يُشَمَّتْ. قُلْتُ: هُوَ مَنْطُوقُهُ، لَكِنْ هَلِ النَّهْيُ فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ؟ الْجُمْهُورُ عَلَى الثَّانِي، قَالَ: وَأَقَلُّ الْحَمْدِ وَالتَّشْمِيتِ أَنْ يُسْمِعَ صَاحِبَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا أَتَى بِلَفْظٍ آخَرَ غَيْرِ الْحَمْدِ لَا يُشَمَّتُ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: عَطَسَ رَجُلٌ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ، وَقَالَ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ التَّشْمِيتُ لِمَنْ حَمِدَ إِذَا عَرَفَ السَّامِعُ أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ، كَمَا لَوْ سَمِعَ الْعَطْسَةَ وَلَمْ يَسْمَعِ الْحَمْدَ بَلْ سَمِعَ مَنْ شَمَّتَ ذَلِكَ الْعَاطِسَ فَإِنَّهُ يُشْرَعُ لَهُ التَّشْمِيتُ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِهِ لِمَنْ عَطَسَ فَحَمِدَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُشَمِّتُهُ مَنْ سَمِعَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ اخْتِلَافًا فِيهِ وَرَجَّحَ أَنَّهُ يُشَمِّتُهُ.
قُلْتُ: وَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَاسْتَثْنَى ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الَّذِينَ عِنْدَ الْعَاطِسِ جَهَلَةٌ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ تَشْمِيتِ مَنْ حَمِدَ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَحْمَدْ، وَالتَّشْمِيتُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ حَمِدَ فَيَمْتَنِعُ تَشْمِيتُ هَذَا وَلَوْ شَمَّتَهُ مَنْ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ هَلْ حَمِدَ أَوْ لَا، فَإِنْ عَطَسَ وَحَمِدَ وَلَمْ يُشَمِّتْهُ أَحَدٌ فَسَمِعَهُ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ حِينَ يَسْمَعُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ صَاحِبِ السُّنَنِ أنه كَانَ فِي سَفِينَةٍ فَسَمِعَ عَاطِسًا عَلَى الشَّطِّ حَمِدَ فَاكْتَرَى قَارِبًا بِدِرْهَمٍ حَتَّى جَاءَ إِلَى الْعَاطِسِ فَشَمَّتَهُ ثُمَّ رَجَعَ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَعَلَّهُ يَكُونُ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، فَلَمَّا رَقَدُوا سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ: يَا أَهْلَ
ج ١١ ص ٦١١السَّفِينَةِ إِنَّ أَبَا دَاوُدَ اشْتَرَى الْجَنَّةَ مِنَ اللَّهِ بِدِرْهَمٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَ مَنْ عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدْ أَنْ يُذَكِّرَهُ بِالْحَمْدِ لِيَحْمَدَ فَيُشَمِّتُهُ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَهُوَ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ. وَزَعَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ، قَالَ: وَأَخْطَأَ فِيمَا زَعَمَ، بَلِ الصَّوَابُ اسْتِحْبَابُهُ. قُلْتُ: احْتَجَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لِقَوْلِهِ بِأَنَّهُ إِذَا نَبَّهَهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَلْزَمْهَا، قَالَ: فَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ جَمَعَ جَهَالَتَيْنِ؛ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَإِيقَاعُهُ التَّشْمِيتَ قَبْلَ وُجُودِ الْحَمْدِ مِنَ الْعَاطِسِ.
-
وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ - وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّهُ الْأَوْزَاعِيُّ - أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَهُ فَلَمْ يَحْمَدْ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ يَقُولُ مَنْ عَطَسَ؟ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. قُلْتُ: وَكَأَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ أَخَذَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَذْكُرِ الَّذِي عَطَسَ فَلَمْ يَحْمَدْ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ احْتِمَالُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا، فَلَعَلَّ تَرْكَ ذَلِكَ لِذَلِكَ، لَكنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ أَرَادَ تَأْدِيبَهُ عَلَى تَرْكِ الْحَمْدِ بِتَرْكِ تَشْمِيتِهِ، ثُمَّ عَرَّفَهُ الْحُكْمَ وَأَنَّ الَّذِي يَتْرُكُ الْحَمْدَ لَا يَسْتَحِقُّ التَّشْمِيتَ. وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَفَعَلَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ ؛ شَمَّتَ مَنْ حَمِدَ وَلَمْ يُشَمِّتْ مَنْ لَمْ يَحْمَدْ، كَمَا سَاقَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ.