٩ - باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك
١٦ فقرة، ج ١٣ ص ٣٨٠
- ج ١٣ ص ٣٨٠
عُمَرَ، وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ مِثْلُهُ لَكِنَّ لَفْظَهُ: أَرَى رُؤْيَاكُمْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْلَةَ الْوُسْطَى، وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ: اللَّفْظُ الَّذِي سَاقَهُ خِلَافُ التَّوَاطُؤِ، وَحَدِيثُ التَّوَاطُؤِ أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ.
قُلْتُ: لَمْ يَلْتَزِمِ الْبُخَارِيُّ إِيرَادَ الْحَدِيثِ بِلَفْظِ التَّوَاطُؤِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالتَّوَاطُؤِ التَّوَافُقَ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَعْنَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَفْرَادَ السَّبْعِ دَاخِلَةٌ فِي أَفْرَادِ الْعَشْرِ، فَلَمَّا رَأَى قَوْمٌ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ وَقَوْمٌ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ كَانُوا كَأَنَّهُمْ تَوَافَقُوا عَلَى السَّبْعِ فَأَمَرَهُمْ بِالْتِمَاسِهَا فِي السَّبْعِ لِتَوَافُقِ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْهِمْ فَجَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْأَخْفَى عَلَى الْأَجْلَى، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ الْحَدِيثَ.
-
وَفِيهِ: وَكَانُوا لَا يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الرُّؤْيَا. وَفِيهِ: أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ الْحَدِيثَ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ تَوَافُقَ جَمَاعَةٍ عَلَى رُؤْيَا وَاحِدَةٍ دَالٌّ عَلَى صِدْقِهَا وَصِحَّتِهَا كَمَا تُسْتَفَادُ قُوَّةُ الْخَبَرِ مِنَ التَّوَارُدِ عَلَى الْإِخْبَارِ مِنْ جَمَاعَةٍ.
-
٩ - بَاب رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ وَالْفَسَادِ وَالشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ وَقَالَ الْفُضَيْلُ لبعض الأتباع يَا عبد الله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ * وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ * وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ
وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي
ج ١٣ ص ٣٨١سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ * وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾، ﴿وَادَّكَرَ﴾ افْتَعَلَ مِنْ ذَكَرَت. ﴿أُمَّةٍ﴾ قَرْنٍ. وَتُقْرَأُ أَمَهٍ: نِسْيَانٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَعْصِرُونَ﴾ الْأَعْنَابَ وَالدُّهْنَ. ﴿تُحْصِنُونَ﴾ تَحْرُسُونَ
٦٩٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن محمد بن أسماء، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لَأَجَبْتُهُ
قَوْلُهُ: (بَابُ رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ وَالْفَسَادِ وَالشِّرْكِ) تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّحِيحَةَ وَإِنِ اخْتَصَّتْ غَالِبًا بِأَهْلِ الصَّلَاحِ لَكِنْ قَدْ تَقَعُ لِغَيْرِهِمْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بَدَلَ الشِّرْكِ الشُّرَّابُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالتَّشْدِيدِ جَمْعُ شَارِبٍ، أَوْ بِفَتْحَتَيْنِ مُخَفَّفًا أَيْ وَأَهْلُ الشَّرَابِ وَالْمُرَادُ شَرَبَةُ الْمُحَرَّمِ، وَعَطْفُهُ عَلَى أَهْلِ الْفَسَادِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ كَمَا أَنَّ الْمَسْجُونَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا أَوْ مُصْلِحًا، قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّعْبِيرِ: إِذَا رَأَى الْكَافِرُ أَوِ الْفَاسِقُ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ فَإِنَّهَا تَكُونُ بُشْرَى لَهُ بِهِدَايَتِهِ إِلَى الْإِيمَانِ مَثَلًا أَوِ التَّوْبَةِ أَوْ إِنْذَارًا مِنْ بَقَائِهِ عَلَى الْكُفْرِ أَوِ الْفِسْقِ، وَقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَقَدْ يَرَى مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِمَا هُوَ فِيهِ وَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الِابْتِلَاءِ وَالْغُرُورِ وَالْمَكْرِ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَاتِ كُلَّهَا وَهِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: اسْمُ أَحَدِهِمَا: شَرْهَمُ وَالْآخَرِ: شُرْهُمُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُعْجَمَةٍ؛ إِحْدَاهُمَا مَفْتُوحَةٌ وَالْأُخْرَى مَضْمُومَةٌ، قَالَ: وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الَّذِي رَأَى أَنَّهُ يَعْصِرُ خَمْرًا اسْمُهُ نُبُوءُ، وَذَكَرَ اسْمَ الْآخَرَ فَلَمْ أَحْفَظْهُ.
قُلْتُ: سَمَّاهُ مَخْلَثَ بِمُعْجَمَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ وَعَزَاهُ لِابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأ وَبِهِ جَزَمَ الثَّعْلَبِيُّ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي كِتَابِ الْمَسَالِكِ: إِنَّ اسْمَ الْخَبَّازِ وَاشَانُ وَالسَّاقِي مَرْطَسُ، وَحَكَوْا أَنَّ الْمَلِكَ اتَّهَمَهُمَا أَنَّهُمَا أَرَادَا سَمَّهُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَحَبَسَهُمَا إِلَى أَنْ ظَهَرَتْ بَرَاءَةُ سَاحَةِ السَّاقِي دُونَ الْخَبَّازِ، وَيُقَالُ إِنَّهُمَا لَمْ يَرَيَا شَيْئًا وَإِنَّمَا أَرَادَا امْتِحَانَ يُوسُفَ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمْ يَرَيَا شَيْئًا وَإِنَّمَا تَحَاكَمَا لِيُجَرِّبَا، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ وَزَادَ: فَلَمَّا ذَكَرَ لَهُمَا التَّأْوِيلَ قَالَا إِنَّمَا كُنَّا نَلْعَبُ، قَالَ: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ﴾ الْآيَةَ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْفُضَيْلُ إِلَخْ) وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ وَعِنْدَ كَرِيمَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ وَهُوَ الْأَلْيَقُ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا بَعْدَ قَوْلِهِ: الْأَعْنَابُ وَالدُّهْنُ.
-
قَوْلُهُ: ﴿وَادَّكَرَ﴾ افْتَعَلَ مِنْ ذَكَرْتُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ ذَكَرَ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ افْتَعَلَ مِنْ ذَكَرْتُ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الذَّالِ فَحُوِّلَتْ دَالًا يَعْنِي مُهْمَلَةً ثَقِيلَةً.
-
قَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ قَرْنٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ، وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ يُوسُفَ: بَعْدَ حِينٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: بَعْدَ حِقْبَةٍ مِنَ الدَّهْرِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بَعْدَ سِنِينَ.
-
قَوْلُهُ: (وَيُقْرَأُ أَمْهٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَمِيمٍ بَعْدَهَا هَاءٌ مَنُونَةٌ نِسْيَانٌ، أَيْ تَذَكَّرَ بَعْدَ أَنْ كَانَ نَسِيَ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ نُسِبَتْ فِي الشَّوَاذِّ لِابْنِ
ج ١٣ ص ٣٨٢عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، يُقَالُ رَجُلٌ مَأْمُوهٌ أَيْ ذَاهِبُ الْعَقْلِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قُرِئَ بَعْدَ أَمْهٍ أَيْ نِسْيَانٌ، تَقُولُ أَمِهْتُ آمَهُ أَمْهًا بِسُكُونِ الْمِيمِ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَمِهْتُ وَكُنْتُ لَا أَنْسَى حَدِيثًا
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ قَرَءُوا بَعْدَ أَمْهٍ ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا بَعْدَ أَمْهٍ وَتَفْسِيرُهَا بَعْدَ نِسْيَانٍ، وَسَاقَ مِثْلَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالضَّحَّاكِ، وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ لَكِنْ قَالَهَا بِسُكُونِ الْمِيمِ.
-
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْصِرُونَ الْأَعْنَابَ وَالدُّهْنَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يَقُولُ الْأَعْنَابُ وَالدُّهْنُ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ إِنَّهُ مِنَ الْعُصْرَةِ وَهِيَ النَّجَاةُ فَمَعْنَى قَوْلِهِ يَعْصِرُونَ يَنْجُونَ، وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِ فَقَالَ الْأَكْثَرُ: أُطْلِقَ عَصْرُ الْخَمْرِ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ وَهُوَ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْمَنَّانِ … صَارَ الثَّرِيدُ فِي رُءُوسِ الْقُضْبَانِ
أَيِ السُّنْبُلِ، فَسَمَّى الْقَمْحَ ثَرِيدًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ.
-
وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: أَهْلُ عُمَانَ يُسَمُّونَ الْعِنَبَ خَمْرًا، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ مُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: لَقِيتُ أَعْرَابِيًّا مَعَهُ سَلَّةُ عِنَبٍ فَقُلْتُ مَا مَعَكَ؟ قَالَ: خَمْرٌ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَبًا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ التَّفْسِيرَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ السَّاقِيَ قَالَ لِيُوسُفَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ أَنِّي غَرَسْتُ حَبَّةً فَنَبَتَتْ فَخَرَجَ فِيهَا ثَلَاثُ عَنَاقِيدَ فَعَصَرْتُهُنَّ ثُمَّ سَقَيْتُ الْمَلِكَ، فَقَالَ: تَمْكُثُ فِي السِّجْنِ ثَلَاثًا ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَسْقِيهِ أَيْ عَلَى عَادَتِكَ.
-
قَوْلُهُ: (تُحْصِنُونَ: تَحْرُسُونَ) كَذَا لَهُمْ مِنَ الْحِرَاسَةِ، وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ تُحْرِزُونَ بِزَايٍ بَدَلَ السِّينِ مِنَ الْإِحْرَازِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَخْزُنُونَ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ زَايٍ وَنُونَيْنِ مِنَ الْخَزْنِ.
-
قَوْلُهُ: (جُوَيْرِيَةُ) بِالضَّمِّ مُصَغَّرٌ وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الضُّبَعِيُّ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ مِنَ الْأَقْرَانِ.
-
قَوْلُهُ: (لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لَأَجَبْتُهُ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَرْجَمَةُ يُوسُفَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ فِيهِ قِصَّةَ لُوطٍ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَدِيثَ.
-
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَكِنْ قَالَ: مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِطُولِهِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ بِطُولِهِ، أَخْرَجُوهُ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ عَمِّهِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ.
-
وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ رَوَاهُ عَنْهُ فَقَالَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بَدَلَ أَبِي عُبَيْدٍ وَوَهِمَ فِيهِ؛ فَإِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ مَالِكٍ أَبُو عُبَيْدٍ لَا أَبُو سَلَمَةَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ أَنَّ سَعِيدًا وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ بِهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِأَبْسَطَ مِنْ سِيَاقِهِ، فَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ رَفَعَهُ: لَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ يُوسُفَ وَكَرَمِهِ وَصَبْرِهِ حَتَّى سُئِلَ عَنِ الْبَقَرَاتِ الْعِجَافِ وَالسِّمَانِ، وَلَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ مَا أَجَبْتُ حَتَّى أَشْتَرِطَ أَنْ يُخْرِجُونِي، وَلَقَدْ عَجِبْتُ مِنْهُ حِينَ أَتَاهُ الرَّسُولُ - يَعْنِي لِيَخْرُجَ إِلَى الْمَلِكِ - فَقَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، وَلَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ وَلَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ لَأَسْرَعْتُ الْإِجَابَةَ وَلَبَادَرْتُ الْبَابَ وَلَمَا ابْتَغَيْتُ الْعُذْرَ.
-
وَهَذَا مُرْسَلٌ وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخُوزِيِّ بِضَمِّ
ج ١٣ ص ٣٨٣الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ فَذَكَرَهُ وَزَادَ وَلَوْلَا الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا لَمَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ.