٤٨ - باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح
٩٥ فقرة، ج ١٣ ص ٤٣٨
الصفحة ٣ من ٣
- ج ١٣ ص ٤٤٥
قَوْلُهُ: (وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ) تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ ﷺ أَلْحَقَهُمْ بِأَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ وَلَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ: هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الدُّنْيَا.
-
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرًا مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرًا مِنْهُمْ قَبِيحٌ) كَذَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِنَصْبِ شَطْرًا وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ شَطْرٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالرَّفْعِ وَحَسَنًا وَقَبِيحًا بِالنَّصْبِ وَلِكُلٍّ وَجْهٌ، وَلِلنَّسَفِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ بِالرَّفْعِ فِي الْجَمِيعِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْحُمَيْدِيُّ فِي جَمْعِهِ وَكَانَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَامَّةٌ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ، وَزَادَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ فِي رِوَايَتِهِ وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارَ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذِهِ الدَّارُ دَارُ الشُّهَدَاءِ وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ.
-
وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ أَقْبَحُ شَيْءٍ مَنْظَرًا وَأَنْتَنُهُ رِيحًا كَأَنَّمَا رِيحُهُمُ الْمَرَاحِيضُ، قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الزَّوَانِي وَالزُّنَاةُ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِمَوْتَى أَشَدُّ شَيْءٍ انْتِفَاخًا وَأَنْتَنُهُ رِيحًا، قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ مَوْتَى الْكُفَّارِ. ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ نِيَامٍ تَحْتَ ظِلَالِ الشَّجَرِ، قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا فَإِذَا نَحْنُ بِرِجَالٍ أَحْسَنُ شَيْءٍ وَجْهًا وَأَطْيَبُهُ رِيحًا، قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ، هَؤُلَاءِ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ الْحَدِيثَ.
-
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ الْإِسْرَاءَ وَقَعَ مِرَارًا يَقَظَةً وَمَنَامًا عَلَى أَنْحَاءٍ شَتَّى.
-
وَفِيهِ أَنَّ بَعْضَ الْعُصَاةِ يُعَذَّبُونَ فِي الْبَرْزَخِ.
-
وَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ تَلْخِيصِ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ الْقَضَايَا جُمْلَةً ثُمَّ يُفَسِّرَهَا عَلَى الْوَلَاءِ لِيَجْتَمِعَ تَصَوُّرُهَا فِي الذِّهْنِ، وَالتَّحْذِيرُ مِنَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَعَنْ رَفْضِ الْقُرْآنِ
ج ١٣ ص ٤٤٦لِمَنْ يَحْفَظُهُ، وَعَنِ الزِّنَا وَأَكْلِ الرِّبَا وَتَعَمُّدِ الْكَذِبِ، وَأَنَّ الَّذِي لَهُ قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يُقِيمُ فِيهِ وَهُوَ فِي الدُّنْيَا بَلْ إِذَا مَاتَ، حَتَّى النَّبِيُّ وَالشَّهِيدُ.
-
وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَاتِّبَاعِ مَنْ يُلْتَمَسُ مِنْهُ ذَلِكَ.
-
وَفِيهِ فَضْلُ الشُّهَدَاءِ وَأَنَّ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَرْفَعُ الْمَنَازِلِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا أَرْفَعَ دَرَجَةٍ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام لِاحْتِمَالِ أَنَّ إِقَامَتَهُ. هُنَاكَ بِسَبَبِ كَفَالَتِهِ الْوِلْدَانَ، وَمَنْزِلُهُ هُوَ فِي الْمَنْزِلَةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنْ مَنَازِلِ الشُّهَدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ رَأَى آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَرَى نَسَمَ بَنِيهِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَمِنْ أَهْلِ الشَّرِّ فَيَضْحَكُ وَيَبْكِي مَعَ أَنَّ مَنْزِلَتَهُ هُوَ فِي عِلِّيِّينَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ اسْتَقَرَّ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي مَنْزِلَتِهِ.
-
وَفِيهِ أَنَّ مَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ يَتَجَاوَزِ اللَّهُ عَنْهُمْ، اللَّهُمَّ تَجَاوَزْ عَنَّا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
-
وَفِيهِ أَنَّ الِاهْتِمَامَ بِأَمْرِ الرُّؤْيَا بِالسُّؤَالِ عَنْهَا وَفَضْلِ تَعْبِيرِهَا وَاسْتِحْبَابُ ذَلِكَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْبَالُ مُجْتَمِعًا.
-
وَفِيهِ اسْتِقْبَالُ الْإِمَامِ أَصْحَابَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهَا رَاتِبَةٌ وَأَرَادَ أَنْ يَعِظَهُمْ أَوْ يُفْتِيَهُمْ أَوْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ.
-
وَفِيهِ أَنَّ تَرْكَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِلْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ لَا يُكْرَهُ بَلْ يُشْرَعُ كَالْخَطِيبِ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: مُنَاسَبَةُ الْعُقُوبَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ لِلْجِنَايَاتِ ظَاهِرَةٌ إِلَّا الزُّنَاةَ فَفِيهَا خَفَاءٌ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْعُرْيَ فَضِيحَةٌ كَالزِّنَا، وَالزَّانِيَ مِنْ شَأْنِهِ طَلَبُ الْخَلْوَةِ فَنَاسَبَ التَّنُّورَ، ثُمَّ هُوَ خَائِفٌ حَذِرٌ حَالَ الْفِعْلِ كَأَنَّ تَحْتَهُ النَّارَ، وَقَالَ أَيْضًا: الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ مِنَ الْعُصَاةِ دُونَ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْعُقُوبَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ، فَالْأَوَّلُ عَلَى وُجُودِ مَا لَا يَنْبَغِي مِنْهُ أَنْ يُقَالَ، وَالثَّانِي إِمَّا بَدَنِيٌّ وَإِمَّا مَالِيٌّ فَذَكَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِثَالًا يُنَبِّهُ بِهِ عَلَى مَنْ عَدَاهُ، كَمَا نَبَّهَ بِمَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ الثَّوَابِ وَأَنَّهُمْ أَرْبَعُ دَرَجَاتٍ؛ دَرَجَاتُ النَّبِيِّ، وَدَرَجَاتُ الْأُمَّةِ أَعْلَاهَا الشُّهَدَاءُ، وَثَانِيهَا مَنْ بَلَغَ، وَثَالِثُهَا مَنْ كَانَ دُونَ الْبُلُوغِ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
- (خَاتِمَةٌ) :
-
اشْتَمَلَ كِتَابُ التَّعْبِيرِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهُ اثْنَانِ وَثَمَانُونَ وَالْبَقِيَّةُ مَا بَيْنَ مُعَلَّقٍ وَمُتَابَعَةُ، الْمُكَرَّرِ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ طَرِيقًا وَالْبَقِيَّةُ خَالِصَةٌ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا إِلَّا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا وَحَدِيثَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَحَدِيثَ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ مَنْ تَحَلَّمَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ، وَمَنْ صَوَّرَ وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ يَرَ وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَشَرَةٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
- ج ١٤ ص ٣
بسم الله الرحمن الرحيم