(باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة)
٣ فقرات، ج ٩ ص ٢٣٣
- ج ٩ ص ٢٣٣
دَعْوَةُ الطَّعَامِ بِفَتْحِ الدَّالِ وَدَعْوَةُ النَّسَبِ بِكَسْرِهَا هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعَرَبِ وَعَكَسَهُ تَيْمُ الرِّبَابِ بِكَسْرِ الرَّاءِ فَقَالُوا الطَّعَامُ بِالْكَسْرِ وَالنَّسَبُ بِالْفَتْحِ وَأَمَّا قَوْلُ قُطْرُبٍ فِي الْمُثَلَّثِ إِنَّ دَعْوَةَ الطَّعَامِ بِالضَّمِّ فَغَلَّطُوهُ فِيهِ
-
[١٤٢٩] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا دعى أحدكم إلى الوليمة فَلْيَأْتِهَا) فِيهِ الْأَمْرُ
ج ٩ ص ٢٣٤بِحُضُورِهَا وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَلَكِنْ هَلْ هُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ أَوْ نَدْبٍ فِيهِ خِلَافٌ الْأَصَحُّ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مَنْ دُعِيَ لَكِنْ يَسْقُطُ بِأَعْذَارٍ سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالثَّانِي أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالثَّالِثُ مَنْدُوبٌ هَذَا مَذْهَبُنَا فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَأَمَّا غَيْرُهَا فَفِيهَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كَوَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَالثَّانِي أَنَّ الْإِجَابَةَ إِلَيْهَا نَدْبٌ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعُرْسِ وَاجِبَةً وَنَقَلَ الْقَاضِي اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى وُجُوبِ الْإِجَابَةِ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ قَالَ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا فَقَالَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ لَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ تَجِبُ الْإِجَابَةُ إِلَى كُلِّ دَعْوَةٍ مِنْ عُرْسٍ وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ وَأَمَّا الْأَعْذَارُ الَّتِي يَسْقُطُ بِهَا وُجُوبُ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ أَوْ نَدْبِهَا فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ فِي الطَّعَامِ شُبْهَةٌ أَوْ يَخُصَّ بِهَا الْأَغْنِيَاءَ أَوْ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَتَأَذَّى بِحُضُورِهِ مَعَهُ أَوْ لَا تَلِيقَ بِهِ مُجَالَسَتُهُ أَوْ يَدْعُوهُ لِخَوْفِ شَرِّهِ أَوْ لِطَمَعٍ فِي جَاهِهِ أَوْ لِيُعَاوِنَهُ عَلَى بَاطِلٍ وَأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ مِنْ خَمْرٍ أَوْ لَهْوٍ أَوْ فُرُشِ حَرِيرٍ أَوْ صُوَرِ حَيَوَانٍ غَيْرِ مَفْرُوشَةٍ أَوْ آنِيَةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَكُلُّ هَذِهِ أَعْذَارٌ فِي تَرْكِ الْإِجَابَةِ وَمِنَ الْأَعْذَارِ أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَى الدَّاعِي فَيَتْرُكَهُ وَلَوْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ لَمْ تَجِبْ إِجَابَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَوْ كَانَتِ الدَّعْوَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَالْأَوَّلُ تَجِبُ الْإِجَابَةُ فِيهِ وَالثَّانِي تُسْتَحَبُّ وَالثَّالِثُ تُكْرَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم (إذا دعي أحدكم إلى وليمة عُرْسٍ فَلْيُجِبْ) قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَخُصُّ وُجُوبَ الْإِجَابَةِ بِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَيَتَعَلَّقُ الْآخَرُونَ بِالرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرواية التي بعد هذه إذا دعى أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ وَيَحْمِلُونَ هَذَا عَلَى الْغَالِبِ أَوْ نَحْوِهِ مِنَ التأويل والعرس بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وفيها لغة بالتذكير قوله ص
ج ٩ ص ٢٣٥(ان دُعِيتُمْ إِلَى كُرَاعٍ فَأَجِيبُوا) وَالْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ كُرَاعُ الشَّاةِ وَغَلَّطُوا مَنْ حَمَلَهُ عَلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى مَرَاحِلَ مِنَ الْمَدِينَةِ
-
[١٤٣٠] قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا
ج ٩ ص ٢٣٦فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى فَلْيُصَلِّ قَالَ الْجُمْهُورُ مَعْنَاهُ فَلْيَدْعُ لِأَهْلِ الطَّعَامِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْبَرَكَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَصْلُ الصَّلَاةِ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَصَلِّ عليهم وَقِيلَ الْمُرَادُ الصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّةُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَيْ يَشْتَغِلُ بِالصَّلَاةِ لِيَحْصُلَ لَهُ فَضْلُهَا وَلِتَبَرُّكِ أَهْلِ الْمَكَانِ وَالْحَاضِرِينَ وَأَمَّا الْمُفْطِرُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَمَرَهُ بِالْأَكْلِ وَفِي الْأُولَى مُخَيَّرٌ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ وَالْأَصَحُّ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَكْلُ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَلَا فِي غَيْرِهَا فَمَنْ أَوْجَبَهُ اعْتَمَدَ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ وَتَأَوَّلَ الْأُولَى عَلَى مَنْ كَانَ صَائِمًا وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهُ اعْتَمَدَ التَّصْرِيحَ بِالتَّخْيِيرِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَحَمَلَ الْأَمْرَ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى النَّدْبِ وَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِ الْأَكْلِ فَأَقَلُّهُ لُقْمَةٌ وَلَا تَلْزَمُهُ الزيادة لِأَنَّهُ يُسَمَّى أَكْلًا وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يأكل حنث بلقمة ولأنه قَدْ يَتَخَيَّلُ صَاحِبُ الطَّعَامِ أَنَّ امْتِنَاعَهُ لِشُبْهَةٍ يَعْتَقِدُهَا فِي الطَّعَامِ فَإِذَا أَكَلَ لُقْمَةً زَالَ ذَلِكَ التَّخَيُّلُ هَكَذَا صَرَّحَ بِاللُّقْمَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَمَّا الصَّائِمُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ لَكِنْ إِنْ كَانَ صَوْمُهُ فرضا لم يجز له الأكل لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ نَفْلًا جَازَ الْفِطْرُ وَتَرْكَهُ فَإِنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ صَوْمُهُ فَالْأَفْضَلُ الْفِطْرُ وإلا فإتمام الصوم والله أعلم قَوْلُهُ (قَبْلَ هَذَا وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي بن عُمَرَ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِ الْعُرْسِ وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ) فِيهِ أَنَّ الصَّوْمَ
ج ٩ ص ٢٣٧لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي الْإِجَابَةِ وَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا قَالُوا إِذَا دُعِيَ وَهُوَ صَائِمٌ لَزِمَهُ الْإِجَابَةُ كَمَا يَلْزَمُ الْمُفْطِرَ وَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِحُضُورِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ فَقَدْ يَتَبَرَّكُ بِهِ أَهْلُ الطَّعَامِ وَالْحَاضِرُونَ وَقَدْ يَتَجَمَّلُونَ بِهِ وَقَدْ يَنْتَفِعُونَ بِدُعَائِهِ أو بإشارته أو ينصانون عمالا يَنَصَانُونَ عَنْهُ فِي غَيْبَتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ (شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ) ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا رُوِيَ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا حُكِمَ بِرَفْعِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ الْإِخْبَارُ بِمَا يَقَعُ مِنَ النَّاسِ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُرَاعَاةِ الْأَغْنِيَاءِ فِي الْوَلَائِمِ وَنَحْوِهَا وَتَخْصِيصِهِمْ بِالدَّعْوَةِ وَإِيثَارِهِمْ بِطَيِّبِ الطَّعَامِ وَرَفْعِ مَجَالِسِهِمْ وَتَقْدِيمِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ الْغَالِبُ فِي الْوَلَائِمِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ قَوْلُهُ (سَمِعْتُ ثَابِتًا الْأَعْرَجَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) هُوَ ثَابِتُ بْنُ عِيَاضٍ الْأَعْرَجُ الْأَحْنَفُ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَقِيلَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَقِيلَ اسْمُهُ ثَابِتُ بْنُ الْأَحْنَفِ بْنِ عِيَاضٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ