(٨٦١) - (حديث: " اللهم أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى فى زمرة المساكين ".
٢٧ فقرة، ج ٣ ص ٣٥٨
- ج ٣ ص ٣٥٨
* صحيح.
-
روى من حديث أنس بن مالك وأبى سعيد الخدرى وعبادة بن
ج ٣ ص ٣٥٩الصامت وعبد الله بن عباس.
-
أما حديث أنس فيرويه ثابت بن محمد الكوفى: حدثنا الحارث بن النعمان الليثى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكره وزاد: " يوم القيامة , فقالت عائشة: لم يا رسول الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً , يا عائشة لا تردى المسكين ولو بشق تمرة , يا عائشة أحبى المساكين وقربيهم , فإن الله يقربك يوم القيامة " .
-
أخرجه الترمذى (٢/٥٦ ـ ٥٧) وأبو الحسن الحمامى فى " الفوائد المنتقاة " (٩/٢٠٥/٢٥١) وأبو نعيم فى " الفوائد " (٥/٢١٧/١) والبيهقى فى سننه (٧/١٢) وقال الترمذى وغيره: " حديث غريب " .
قلت: يعنى ضعيف , وعلته الحارث هذا.
قال البخارى: " منكر الحديث " وكذا قال الأزدى.
وقال أبو حاتم: " ليس بالقوى فى الحديث " .
-
وتناقض فيه ابن حبان فذكره فى " الثقات " (١/١٧) , وفى " الضعفاء " أيضاً كما فى " التهذيب " . وقال الحافظ فى " التقريب " : " ضعيف " .
-
وبه عله ابن الجوزى فى " الموضوعات " وقال: " منكر الحديث " . وتعقبه السيوطى فى " اللآلى " (٢/٣٢٥) بقوله: قلت: " هذا لايقتضى الوضع " .
-
وأقول: الظاهر أن ابن الجوزى حين قال فيه " منكر الحديث " نقله عن البخارى , فإن هذا قوله كما علمت , وذلك منه تضعيف شديد منه فقد ذكروا عنه أنه قال: " كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه " .
-
وهذه صفة المتهمين والكذابين , ولذلك فإنى أرى أن التعقب المذكور ليس بالقوى.
- ج ٣ ص ٣٦٠
وأما حديث أبى سعيد فيرويه يزيد بن سنان عن أبى المبارك عن عطاء عنه به دون الزيادة.
-
أخرجه ابن ماجه (٤١٢٦) وعبد بن حميد فى " المنتخب من المسند " (ق ١١٠/١) وأبو عبد الرحمن السلمى فى " الأربعين الصوفية " (ق ٥/٢) والخطيب فى " تاريخ بغداد " (٤/١١١) .
قلت: وهذا سند ضعيف , أبو المبارك مجهول كما قال الحافظ فى " التقريب " .
وقال الذهبى: " لا يدرى من هو " وقال مرة أخرى: " لا تقوم به حجة لجهالته " .
قلت: وسلفهما فى ذلك إمامان:
الأول: الترمذى فقال فى سننه (٢/١٥١) وقد روى له حديثا آخر متنه: " ما آمن بالقرآن من استحل محارمه " : " وأبو المبارك رجل مجهول " .
-
والآخر أبو حاتم الرازى فقال فى كتاب ابنه (٤/٢/٤٤٦) : " هو شبه مجهول " .
-
وأما جواب البعض عن ذلك بقوله: " فقد عرفه ابن حبان وذكره فى (الثقات) " ! فذهول منه عن قاعدة ابن حبان فى التوثيق , فإنه يوثق المجهولين عند غيره من المحدثين , وهذا من الأمثلة الكثيرة على ذلك , بل إنه ليصرح أحيانا فى بعض من وثقهم: " لا أعرفه , ولا أعرف أباه " . كما قد بينته فى غير هذا الموضع.
-
ويزيد بن سنان ضعفه الجمهور وقال البخارى: " مقارب الحديث " وفى رواية الترمذى عنه فى المكان المشار إليه آنفا: " ليس بحديثه بأس , إلا رواية ابنه محمد عنه فإنه يروى عنه مناكير " .
ج ٣ ص ٣٦١قلت: وهذا ليس من رواية ابنه عنه. على أنه لم يتفرد به , فقد رواه خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبى مالك الدمشقى عن أبيه عن عطاء بن أبى رباح به , وزاد: " وإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة " .
-
أخرجه ابن بشران فى " الأمالى " (ق ٧٢/٢) والحاكم (٤/٣٢٢) والبيهقى (٧/١٣) وقال الحاكم: " صحيح الإسناد " ! ووافقه الذهبى! ثم السيوطى!
-
وهذا عجيب منهم خاصة الذهبى , فقد أورد يزيد بن خالد هذا فى " الضعفاء " وقال: قال النسائى: " ليس بثقة " .
-
وذكره فى " الميزان " وساق أقوال الأئمة فيه وكلها تتفق على تضعيفه وساق له أحاديث مما أنكرت عليه هذا أحدها.
وقال الحافظ فى " التقريب " : " ضعيف مع كونه فقيها , وقد اتهمه ابن معين " .
-
وأما حديث عبادة بن الصامت فيرويه بقية بن الوليد حدثنا هقل بن زياد حدثنا (عبيد بن زياد والأوزاعي) [١] حدثنا جنادة بن أبى أمية حدثنا عبادة بن الصامت مرفوعا به.
-
أخرجه تمام فى " فوائده " والضياء المقدسى فى " الأحاديث المختارة " (ق ٦٥/١ ـ ٢) من طريق الطبرانى.
قلت: وهذا سند رجاله ثقات معروفون غير عبيد بن زياد الأوزاعى , فلم أجد له ترجمة فى شىء من كتب الرجال التى وقفت عليها , نعم قال السيوطى فى " اللآلى " (٢/٣٢٥) بعد أن عزاه {لـ} تمام: "
-
أخرجه ابن عساكر فى " تاريخه " وقال: قال أبو سعيد على بن موسى السكرى الحافظ النيسابورى: عبيد شامى غزير [٢] الحديث , قيل: إنه ثقة. ووجد بخط أبى الحسين محمد بن عبد الله بن جعفر الحافظ حدثنا محمد بن يوسف بن بشر
ج ٣ ص ٣٦٢الهروى أخبرنى محمد بن عوف بن سفيان الطائى قال: عبيد بن زياد الأوزاعى الذى روى عنه الهقل بن زياد سألت عنه بدمشق فلم يعرفوه , {قلت له} فالحديث الذى رواه هو منكر؟ قال: لا ما هو منكر ".
قلت: ولم أر هذه الترجمة فى " باب من اسمه عبيد " من " تاريخ دمشق " من نسخة المكتبة الظاهرية , وهى نسخة فيها خرم فى كثير من المواطن , فمن الجائز أن تكون سقطت من ناسخها , أو أورد ذلك فى باب آخر.
-
وجملة القول أن عبيد بن زياد الأوزاعى ينبغى أن يعد فى جملة المجهولين , إذ أنه مع إغفالهم الترجمة فى كتب الرجال , فليس فيما سبق عن ابن عساكر ما يعتد به من التوثيق , وقد قيل فى اسمه: عبد الله أو عبيد الله بن زياد , أخرجه البيهقى فى " سننه " (٧/١٢) من طريق موسى بن محمد مولى عثمان بن عفان رضى الله عنه قال: حدثنا هقل بن زياد أنبأ عبد الله (وفى نسخة: عبيد الله) ابن
زياد حدثنا جنادة بن أبى أمية به.
قلت: وسواء كان الصواب عبد الله أو عبيد الله فإنى لم أعرفه أيضا , وموسى ابن محمد العثمانى لم أجد له ترجمة , ومن ذلك تعلم ما فى قول ابن الملقن فى " الخلاصة " (ق ١٢٦/١) بعد أن عزاه للبيهقى: " ولا أعلم له علة "!
-
وأما حديث ابن عباس , فيرويه طلحة بن عمرو عن عطاء عنه مرفوعا.
-
أخرجه الشيرازى فى " الألقاب " , لكن طلحة بن عمرو متروك.
-
والخلاصة: أن جميع طرق هذا الحديث لا تخلو من مادح [١] , إلا أن مجموعها يدل على أن للحديث أصلا , فإن بعضها ليس شديد الضعف , كحديث أبى سعيد , وحديث عبادة , (وقدموا الضياء كمن رأيت) [٢] , والحديث بمجموعهن أحسن , وقد جزم العلائى بصحته , ثم (أن حجر الفقه) [٣] فى " أسمى المطالب فى صلة الأقارب " (ق٢٤/٢) .
- ج ٣ ص ٣٦٣
فحكم ابن الجوزى بوضعه إسراف , ولذلك تعقبه العلماء وردوه عليه كالحافظ ابن حجر , وقد نقلت كلامه فى " الصحيحة " (٣٠٨) وابن غرموني [١] فى " تنزيه الشريعة " (٢/٣٠٤ ـ ٣٠٥) ومن قبله الحافظ السخاوى فى " المقاصد " فقال بعد أن ساق طرقا , وآخرها طريق عبادة: " ومع وجود هذه الطريق وغيرها مما تقدم لا يحسن الحكم عليه بالوضع , لا سيما وفى الباب عن أبى قتادة " .
-
(تنبيه) : كنت ذكرت فى " الصحيحة " طريقا أخرى لحديث أبى سعيد عن رواية عبد ابن حميد حسنتها هناك , وصححت الحديث بها مع بعض الشواهد المشار إليها , ثم تبينت أن هذه الطريق ليست لهذا الحديث , وإنما لحديث آخر قبله فى " المنتخب " , انتقل بصرى إليها , عقب كتب المتن فى المسودة , وجل من لا يسهو , ويعود الفضل فى تنبيهى لذلك إلى بعض إخواننا المثقلين [٢] بهذا العلم الشريف , فى مقدمتهم فضيلة الشيخ عبد الرحيم صديق المكى , جزاهم الله خيرا.
-
ولكن يجب التنبيه أيضا إلى أن الحديث لم ينزل بذلك إلى مرتبة الضعف كما توهم بعضهم , وإنما إلى مرتبة الحسن , كما بينته آنفا.
-
وإن مما ينبغى ذكره بهذه المناسبة أن الحديث الحسن لغيره , وكذا الحسن لذاته من أدق علوم الحديث وأصعبها , لأن مدارهما على من اختلف فيه العلماء من رواته , ما بين موثق ومضعف , فلا يتمكن من التوفيق بينها , أو ترجيح قول على الأقوال الأخرى , إلا من كان على علم بأصول الحديث وقواعده , ومعرفة قوية بعلم الجرح والتعديل ومارس ذلك عمليا مدة طويلة من عمره , مستفيدا من كتب التخريجات ونقد الأئمة النقاد عارفا بالمتشددين منهم والمتساهلين , ومن هم وسط بينهم , حتى لا يقع فى الإفراط والتفريط , وهذا أمر صعب قل من يصير له , وينال ثمرته , فلا جرم أن صار هذا العلم غريبا من العلماء والله يختص بفضله من يشاء.