(١١٢٠) - (حديث جابر:" أن النبى صلى الله عليه وسلم لما دنا من الصفا قرأ (إن الصفا والمروة من شعائر الله) أبدأ بما بدأ الله به , فبدأ بالصفا فرقى عليه.. ". الحديث رواه مسلم ولفظ النسائى: " ابدءوا بما بدأ الله به "
١٤ فقرة، ج ٤ ص ٣١٦
- ج ٤ ص ٣١٦
* صحيح باللفظ الأول.
-
وهو فى حديث جابر الطويل فى صفة حجته صلى الله عليه وسلم , وقد مضى بتمامه برقم (١٠١٧) , وهو من رواية حاتم بن إسماعيل
ج ٤ ص ٣١٧المدنى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. هكذا أخرجه مسلم وأبو نعيم وأبو داود والنسائى فى " الكبرى (٨٠/٢) والدارمى وابن ماجه وابن الجارود (٤٦٩) والدارقطنى (٢٧٠) والبيهقى (٥/٧ ـ ٩ , ٩٣) كلهم من طرق عن حاتم به , وكلهم قالوا: " أبدأ " إلا ابن ماجه والبيهقى فى رواية فقالا: " نبدأ " وأما الدارقطنى فوقع عنده " فابدءوا " بصيغة الأمر , وهو رواية لابن خزيمة فى " صحيحه " (١/٢٧٣/١) وهو شاذ.
-
فهذه ثلاثة ألفاظ: " أبدأ " و" نبدأ " و" ابدءوا ".
-
وقد تابعه على اللفظ الثانى جماعة من الثقات , فمنهم مالك فى " الموطأ " (١/٣٧٢/١٢٦) وعنه النسائى (٢/٤١) . (وابن عبد الهاد) [١] عنده (٢/٤٠ , ٤١ ـ ٤٢) ويحيى بن سعيد عنده أيضا (٢/٤١) وكذا ابن الجارود (٤٦٥) وأحمد (٣/٣٢٠) , وأبو يعلى فى مسنده , (١١٨٥/١) وإسماعيل بن جعفر , عند النسائى فى " الكبرى " (ق ٧٩/٢) وسفيان بن عيينة عند الترمذى (١/١٦٣ ـ ١٦٤) ووهيب بن خالد عند الطيالسى فى " مسنده " (١٦٦٨) وأبو يعلى (ق ١١٤/١) وابن جريج عند أبى بكر الفقيه فى " الجزء من الفوائد المنتقاة " (١٨٧/١) كل هؤلاء الثقات قالوا: " نبدأ ".
-
وأما اللفظ الثالث: " ابدءوا ". فقد عزاه المصنف للنسائى , وهو فى ذلك تابع لغير واحد من الحفاظ كالزيلعى فى " نصب الراية " (٣/٥٤) وابن الملقن فى " الخلاصة " (١٠٨/٢) وابن حجر فى " التلخيص " (٢١٤) وغيرهم , وقد أطلقوا جميعا العزو للنسائى , وذلك يعنى اصطلاحا " سننه الصغرى " , وليس فيها هذا اللفظ أصلا , فيحتمل أنهم قصدوا " سننه الكبرى " , ولم أره فيه فى الجزء
الثانى من " كتاب المناسك " من " الكبرى " المحفوظة فى " المكتبة الظاهرية " فيحتمل ـ على بعد ـ أن يكون فى الجزء الأول منه , وهذا ـ مع الأسف مما لا يوجد عندنا , أو فى " كتاب الطهارة " منه , وهو مفقود أيضا. وإنما وجدنا فى الجزء المشار إليه اللفظ الثانى , والأول أيضا كما سبقت الإشارة إليه آنفا.
-
وقد رأيت الحافظ أبا محمد بن حزم قد أخرجه فى " المحلى " (٢/٦٦) من طريق النسائى بإسناده عن حاتم بن إسماعيل. إلا أنه
ج ٤ ص ٣١٨وقع عنده بهذا اللفظ الثالث: " ابدءوا " , وهو فى نسختنا المخطوطة بلفظ الأول: " أبدأ " , وهى نسخة جيدة مقابلة ومصححة , فالظاهر أن نسخ " السنن الكبرى " فى هذه اللفظة مختلفة , فيمكن أن يكون أولئك الحفاظ كانت نسختهم موافقة لنسخة ابن حزم من " السنن الكبرى " , أو أنهم اعتمدوا عليها فى عزو اللفظ المذكور للنسائى [١] .
-
وسواء كان هذا أو ذاك , فلست أشك أن رواية ابن حزم شاذة لمخالفتها لجميع الطرق عن حاتم بن إسماعيل , وقد اتفقت جميعها على رواية الحديث باللفظ الأول كما تقدم.
-
نعم قد وجدت للفظ الثالث طريقين آخرين , لم أر من نبه عليهما أو أرشد إليها من أولئك الحفاظ:
الأولى: عن سفيان الثورى عن جعفر بن محمد به.
-
أخرجه الدارقطنى (٢٦٩) والبيهقى (١/٨٥) .
-
والأخرى: عن سليمان بن بلال عن جعفر به.
-
أخرجه أحمد (٣/٣٩٤) : حدثنا موسى بن داود حدثنا سليمان بن بلال.
قلت: وموسى بن داود ـ وهو الضبى.
قال الحافظ فى " التقريب " : " صدوق فقيه زاهد , له أوهام " .
-
وأما سليمان بن بلال فثقة محتج به فى الصحيحين , فيمكن أن يكون الضبى قد وهم عليه فى هذا اللفظ , وإلا فهو الواهم والعصمة لله.
-
وجملة القول: إن هذا اللفظ: " ابدءوا " شاذ لا يثبت لتفرد الثورى وسليمان به , مخالفين فيه سائر الثقات الذين سبق ذكرهم وهم سبعة , وقد قالوا: " نبدأ " . فهو الصواب , ولا يمكن القول بتصحيح اللفظ الآخر لأن الحديث واحد , وتكلم به صلى الله عليه وسلم مرة واحدة عند صعوده على الصفا , فلا بد من الترجيح , وهو ما ذكرنا. وقد أشار إلى ذلك العلامة ابن دقيق العيد فى " الإلمام بأحاديث الأحكام " (رقم ٥٦) بعد أن ذكر هذا اللفظ من رواية النسائى:
ج ٤ ص ٣١٩" والحديث فى " الصحيح " لكن بصيغة الخبر " نبدأ " و" أبدأ " لا بصيغة الأمر , والأكثر فى الرواية هذا , والمخرج للحديث واحد " .
وقال الحافظ فى " التلخيص " : " قال أبو الفتح القشيرى (١) : " مخرج الحديث عندهم واحد , وقد اجتمع مالك وسفيان ويحيى بن سعيد القطان على رواية " نبدأ " بالنون التى للجمع ". قلت: وهم أحفظ الناس " .
قلت: المتبادر من " سفيان " عند الإطلاق إنما هو الثورى لجلالته وعلو طبقته , وليس هو المراد هنا , بل هو سفيان بن عيينة كما سبق , وأما الثورى فهو المخالف لرواية الجماعة , ومن الطرائف أن روايته هذه رواها عنه سفيان بن عيينة , عند الدارقطنى وتابعه الفريابى وقبيصة عنه عند البيهقى.
- (١)هو ابن دقيق العيد صاحب " الإلمام " وما نقله الحافظ عنه هو فى كتابه الآخر " الإمام " كما ذكر ابن الملقن. [تعليق مُعِدّ الكتاب للشاملة] قال صاحب التكميل ص / ٤٧: وقفت عليه فى " المصنف " لابن أبى شيبة: (٤ / ١ / ٣٢٩) , من طريق أبى الأحوص عن طارق عن امرأة عن عائشة وأم سلمة به , والمرأة هذه لم تسم. ثم ساق بإسناد صحيح عن ابن عمر مثله.
-
ومن الغرائب أن ابن التركمانى فى " الجوهر النقى " توهم أن سفيان عند البيهقى هو سفيان نفسه عند الترمذى , ولكنه لم يذكر أهو عنده الثورى أم ابن عيينة , وقد عرفت أنهما متغايران.