النوع الخامس والثلاثون: معرفة المصحف من أسانيد الأحاديث ومتونها
٢٢ فقرة، ج ١ ص ٢٧٩
- ج ١ ص ٢٧٩
هَذَا فَنٌّ جَلِيلٌ، إِنَّمَا يَنْهَضُ بِأَعْبَائِهِ الْحُذَّاقُ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْهُمْ، وَلَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ مُفِيدٌ.
-
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " وَمَنْ يَعْرَى مِنَ الْخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ؟ "
-
فَمِثَالُ التَّصْحِيفِ فِي الْإِسْنَادِ حَدِيثُ شُعْبَةَ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ مُرَاجِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا. . . " الْحَدِيثَ، صَحَّفَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَقَالَ: " ابْنُ مُزَاحِمٍ " بِالزَّايِ وَالْحَاءِ، فَرُدَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ " ابْنُ مُرَاجِمٍ " بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ.
-
وَمِنْهُ: مَا رُوِّينَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ " ،
ج ١ ص ٢٨٠قَالَ أَحْمَدُ: " صَحَّفَ شُعْبَةُ فِيهِ، فَإِنَّمَا هُوَ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ " ، وَقَدْ رَوَاهُ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ عَلَى مَا قَالَهُ أَحْمَدُ.
-
وَبَلَغَنَا عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ: أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ قَالَ فِيمَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: " وَمِنْهُمْ عُتْبَةُ بْنُ الْبُذَّرِ " ، قَالَهُ بِالْبَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَرَوَى لَهُ حَدِيثًا، وَإِنَّمَا هُوَ " ابْنُ النُّدَّرِ " بِالنُّونِ وَالدَّالِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ.
-
وَمِثَالُ التَّصْحِيفِ فِي الْمَتْنِ: مَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ كِتَابِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ إِلَيْهِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ فِي الْمَسْجِدِ " ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالرَّاءِ " احْتَجَرَ فِي الْمَسْجِدِ بِخُصٍّ أَوْ حَصِيرٍ حُجْرَةً يُصَلِّي فِيهَا " ، فَصَحَّفَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، لِكَوْنِهِ أَخَذَهُ مِنْ كِتَابٍ بِغَيْرِ سَمَاعٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّمْيِيزِ لَهُ.
-
وَبَلَغَنَا عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: " رُمِيَ أُبَيٌّ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ، فَكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنَّ غُنْدَرًا قَالَ فِيهِ " أَبِي " ، وَإِنَّمَا هُوَ " أُبَيٌّ " وَهُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
-
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: " ثُمَّ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
ج ١ ص ٢٨١وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً "، قَالَ فِيهِ شُعْبَةُ " ذُرَةً " بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيفِ، وَنُسِبَ فِيهِ إِلَى التَّصْحِيفِ.
-
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ " تُعِينُ الصَّانِعَ "، قَالَ فِيهِ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ " الصَّانِعُ " بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، ضِدُّ الْأَخْرَقِ.
-
وَبَلَغَنَا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَلَّامٍ - هُوَ الْمُفَسِّرُ - حَدَّثَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) قَالَ: " مِصْرَ "، وَاسْتَعْظَمَ أَبُو زُرْعَةَ هَذَا وَاسْتَقْبَحَهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ فِي تَفْسِيرِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ " مَصِيرَهُمْ ".
-
وَبَلَغَنَا عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنْ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُثَنَّى أَبَا مُوسَى الْعَنَزِيَّ حَدَّثَ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ " فَقَالَ فِيهِ: " أَوْ شَاةٍ تَنْعِرُ " بِالنُّونِ، وَإِنَّمَا هُوَ " تَيْعِرُ " بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ يَوْمًا " نَحْنُ قَوْمٌ لَنَا شَرَفٌ، نَحْنُ مِنْ عَنَزَةَ، قَدْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْنَا "، يُرِيدُ مَا رُوِيَ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى إِلَى
ج ١ ص ٢٨٢عَنَزَةَ " تَوَهَّمَ أَنَّهُ صَلَّى إِلَى قَبِيلَتِهِمْ، وَإِنَّمَا الْعَنَزَةُ هَاهُنَا حَرْبَةٌ، نُصِبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَصَلَّى إِلَيْهَا.
-
وَأَظْرَفُ مِنْ هَذَا مَا رُوِّينَاهُ عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَعْرَابِيٍّ زَعَمَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا صَلَّى نُصِبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاةٌ، أَيْ صَحَّفَهَا عَنْزَةً بِإِسْكَانِ النُّونِ.
-
وَعَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصُّولِيَّ أَمْلَى فِي الْجَامِعِ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ: " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالَ "، فَقَالَ فِيهِ " شَيْئًا " بِالشِّينِ وَالْيَاءِ.
-
وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيَّ الْإِمَامَ كَانَ - فِيمَا بَلَغَهُمْ عَنْهُ - يَقُولُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكُهَّانِ: " قَرَّ الزُّجَاجَةِ " بِالزَّايِ، وَإِنَّمَا هُوَ " قَرَّ الدَّجَاجَةِ " بِالدَّالِ.
-
وَفِي حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ: " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِينَ يُشَقِّقُونَ الْخُطَبَ تَشْقِيقَ الشِّعْرِ "، ذَكَرَ
ج ١ ص ٢٨٣الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ وَكِيعٍ أَنَّهُ قَالَهُ مَرَّةً بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَأَبُو نُعَيْمٍ شَاهِدٌ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ.
-
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُصَنِّفٍ أَنَّ ابْنَ شَاهِينَ قَالَ فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ فِي الْحَدِيثِ: " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ تَشْقِيقٍ الْحَطَبِ " ، فَقَالَ بَعْضُ الْمَلَّاحِينَ: يَا قَوْمُ! فَكَيْفَ نَعْمَلُ وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ.
قُلْتُ: فَقَدِ انْقَسَمَ التَّصْحِيفُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي الْمَتْنِ، وَالثَّانِي فِي الْإِسْنَادِ.
- وَيَنْقَسِمُ قِسْمَةً أُخْرَى إِلَى قِسْمَيْنِ:
-
أَحَدُهُمَا: تَصْحِيفُ الْبَصَرِ، كَمَا سَبَقَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَذَلِكَ هُوَ الْأَكْثَرُ.
-
وَالثَّانِي: تَصْحِيفُ السَّمْعِ، نَحْوُ حَدِيثٍ (لِعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ) رَوَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: " عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَبِ " فَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مِنْ تَصْحِيفِ السَّمْعِ، لَا مِنْ تَصْحِيفِ الْبَصَرِ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَشْتَبِهُ مِنْ حَيْثُ الْكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِيهِ سَمْعُ مَنْ رَوَاهُ.
-
وَيَنْقَسِمُ قِسْمَةً ثَالِثَةً: إِلَى تَصْحِيفِ اللَّفْظِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَإِلَى تَصْحِيفٍ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، كَمِثْلِ مَا سَبَقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ إِلَى عَنَزَةَ.
- ج ١ ص ٢٨٤
وَتَسْمِيَةُ بَعْضِ مَا ذَكَرْنَاهُ تَصْحِيفًا مَجَازٌ.
-
وَكَثِيرٌ مِنَ التَّصْحِيفِ الْمَنْقُولِ عَنِ الْأَكَابِرِ الْجِلَّةِ لَهُمْ فِيهِ أَعْذَارٌ لَمْ يَنْقُلْهَا نَاقِلُوهُ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ، وَهُوَ أَعْلَمُ.