القسم الثاني: من أقسام الأخذ، والتحمل: القراءة على الشيخ
٥٧ فقرة، ج ١ ص ١٣٧
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ١٣٧
وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يُسَمُّونَهَا (عَرْضًا) مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْقَارِئَ يَعْرِضُ عَلَى الشَّيْخِ مَا يَقْرَؤُهُ كَمَا يُعْرَضُ الْقُرْآنُ عَلَى الْمُقْرِئِ.
-
وَسَوَاءٌ كُنْتَ أَنْتَ الْقَارِئَ، أَوْ قَرَأَ غَيْرُكَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، أَوْ قَرَأْتَ مِنْ كِتَابٍ، أَوْ مِنْ حِفْظِكَ، أَوْ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا يَحْفَظُهُ لَكِنْ يُمْسِكُ أَصْلَهُ هُوَ أَوْ ثِقَةٌ غَيْرُهُ.
-
وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا مِثْلُ السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ فِي الْمَرْتَبَةِ، أَوْ دُونَهُ، أَوْ فَوْقَهُ؟
-
فَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَغَيْرِهِمَا تَرْجِيحُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ عَلَى السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا.
-
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا
ج ١ ص ١٣٨مَذْهَبُ مُعْظَمِ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ، وَالْكُوفَةِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَشْيَاخِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، وَمَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
-
وَالصَّحِيحُ: تَرْجِيحُ السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَالْحُكْمُ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَيْهِ مَرْتَبَةٌ ثَانِيَةٌ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَأَمَّا الْعِبَارَةُ عَنْهَا عِنْدَ الرِّوَايَةِ بِهَا فَهِيَ عَلَى مَرَاتِبَ: أَجْوَدُهَا وَأَسْلَمُهَا أَنْ يَقُولَ: (قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ، أَوْ قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ، وَأَنَا أَسْمَعُ، فَأَقَرَّ بِهِ) فَهَذَا سَائِغٌ مِنْ غَيْرِ إِشْكَال ٍ.
-
وَيَتْلُو ذَلِكَ مَا يَجُوزُ مِنَ الْعِبَارَاتِ فِي السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ مُطْلَقَةً، إِذَا أَتَى بِهَا هَاهُنَا مُقَيَّدَةً، بِأَنْ يَقُولَ (حَدَّثَنَا فُلَانٌ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَوْ: أَخْبَرَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ) وَنَحْوَ ذَلِكَ.
-
وَكَذَلِكَ (أَنْشَدَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ) فِي الشِّعْرِ.
-
وَأَمَّا إِطْلَاقُ (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا) فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ:
ج ١ ص ١٣٩فَمِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَنْ مَنَعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَقِيَل َ: إِنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالنَّسَائِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
-
وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَجْوِيزِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كَالسَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ فِي جَوَازِ إِطْلَاقِ (حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا) . وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مَذْهَبُ مُعْظَمِ الْحِجَازِيِّينَ، وَالْكُوفِيِّينَ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، فِي آخَرِينَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ.
-
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ أَجَازَ فِيهَا أَيْضًا أَنْ يَقُولَ (سَمِعْتُ فُلَانًا) .
-
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَالْمَنْعُ مِنْ إِطْلَاقِ (حَدَّثَنَا) ، وَتَجْوِيزُ إِطْلَاقِ (أَخْبَرَنَا) ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ مُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ.
-
وَذَكَرَ صَاحِبُ (كِتَابِ الْإِنْصَافِ) مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ الْجَوْهَرِيُّ الْمِصْرِيُّ: أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ لَا يُحْصِيهِمْ أَحَدٌ، وَأَنَّهُمْ جَعَلُوا (أَخْبَرَنَا) عَلَمًا يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِ قَائِلِهِ: " أَنَا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، لَا أَنَّهُ لَفَظَ بِهِ لِي " . قَالَ: " وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ بِهِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ، فِي جَمَاعَةٍ مِثْلِهِ مِنْ مُحَدِّثِينَا " .
قُلْتُ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ
ج ١ ص ١٤٠ابْنُ وَهْبٍ بِمِصْرَ.
-
وَهَذَا يَدْفَعُهُ أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، والْأَوْزَاعِيِّ، حَكَاهُ عَنْهُمَا الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ، إِلَّا أَنْ يَعْنِيَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِمِصْرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا صَارَ هُوَ الشَّائِعَ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالِاحْتِجَاجُ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ عَنَاءٌ وَتَكَلُّفٌ، وَخَيْرُ مَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ أَرَادُوا بِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ خُصِّصَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ بِقَوْلِ " حَدَّثَنَا " لِقُوَّةِ إِشْعَارِهِ بِالنُّطْقِ، وَالْمُشَافَهَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْكَى عَمَّنْ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ مَا حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْهَرَوِيِّ، أَحَدِ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِخُرَاسَانَ: أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ صَحِيحَ الْبُخَارِيِّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ: " حَدَّثَكُمُ الْفَرَبْرِيُّ " ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكِتَابِ سَمِعَ الشَّيْخَ يَذْكُرُ: أَنَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ الْكِتَابَ مِنَ الْفَرَبْرِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، فَأَعَادَ أَبُو حَاتِمٍ قِرَاءَةَ الْكِتَابِ كُلِّهِ، وَقَالَ لَهُ فِي جَمِيعِهِ: " أَخْبَرَكُمُ الْفَرَبْرِيُّ " ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
- تَفْرِيعَاتٌ:
-
الْأَوَّلُ: إِذَا كَانَ أَصْلُ الشَّيْخِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ بِيَدِ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَوْثُوقٌ بِهِ مُرَاعٍ لِمَا يُقْرَأُ، أَهْلٌ لِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ، بَلْ أَوْلَى لِتَعَاضُدِ ذِهْنَيْ شَخْصَيْنِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ لَا يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ، فَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَرَأَى بَعْضُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ أَنَّ هَذَا سَمَاعٌ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَبِهِ عَمِلَ مُعْظَمُ الشُّيُوخِ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ.
-
وَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ بِيَدِ الْقَارِئِ، وَهُوَ مَوْثُوقٌ بِهِ دِينًا وَمَعْرِفَةً، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهِ، وَأَوْلَى بِالتَّصْحِيحِ.
-
وَأَمَّا إِذَا كَانَ أَصْلُهُ بِيَدِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِإِمْسَاكِهِ لَهُ، وَلَا يُؤْمَنُ إِهْمَالُهُ لِمَا يُقْرَأُ، فَسَوَاءٌ كَانَ بِيَدِ الْقَارِئِ أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِ، فِي أَنَّهُ سَمَاعٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، إِذَا كَانَ الشَّيْخُ غَيْرَ حَافِظٍ لِلْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الثَّانِي: إِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ عَلَى الشَّيْخِ قَائِلًا: " أَخْبَرَكَ فُلَانٌ، أَوْ قُلْتَ: أَخْبَرَنَا فُلَانٌ " ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَالشَّيْخُ سَاكِتٌ، مُصْغٍ إِلَيْهِ، فَاهِمٌ لِذَلِكَ، غَيْرُ مُنْكِرٍ لَهُ، فَهَذَا كَافٍ فِي ذَلِكَ.
- ج ١ ص ١٤٢
وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ إِقْرَارَ الشَّيْخِ نُطْقًا، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمٌ الرَّازِيُّ، وَأَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ مِنَ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيِّينَ. قَالَ أَبُو نَصْرٍ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ (حَدَّثَنِي) ، أَوْ (أَخْبَرَنِي) ، وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ رِوَايَتَهُ عَنْهُ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَيْهِ، أَوْ: قُرِئَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَسْمَعُ.
-
وَفِي حِكَايَةِ بَعْضِ الْمُصَنِّفِينَ لِلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الظَّاهِرِيَّةِ شَرَطَ إِقْرَارَ الشَّيْخِ عِنْدَ تَمَامِ السَّمَاعِ: بِأَنْ يَقُولَ الْقَارِئُ لِلشَّيْخِ " وَهُوَ كَمَا قَرَأْتُهُ عَلَيْكَ؟ " ، فَيَقُولُ: نَعَمْ.
-
وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَأَنَّ سُكُوتَ الشَّيْخِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ تَصْرِيحِهِ بِتَصْدِيقِ الْقَارِئِ، اكْتِفَاءً بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْفُقَهَاءِ، وَغَيْرِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
الثَّالِثُ: فِيمَا نَرْوِيهِ عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظ ِ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: " الَّذِي أَخْتَارُهُ فِي الرِّوَايَةِ، وَعَهِدْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَشَايِخِي، وَأَئِمَّةَ عَصْرِي: أَنْ يَقُولَ فِي الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُحَدِّثِ لَفْظًا، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ: " حَدَّثَنِي فُلَانٌ "، وَمَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُحَدِّثِ لَفْظًا، وَمَعَهُ غَيْرُهُ: " حَدَّثَنَا فُلَانٌ "، وَمَا قَرَأَ عَلَى الْمُحَدِّثِ بِنَفْسِهِ: " أَخْبَرَنِي فُلَانٌ "، وَمَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ، وَهُوَ حَاضِرٌ: " أَخْبَرَنَا فُلَانٌ ".
-
وَقَدْ رُوِّينَا نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ
ج ١ ص ١٤٣عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَهُوَ حَسَنٌ رَائِقٌ.
-
فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ عِنْدَهُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ " حَدَّثَنَا، أَوْ أَخْبَرَنَا " ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ " حَدَّثَنِي، أَوْ أَخْبَرَنِي " لِتَرَدُّدِهِ فِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ التَّحَمُّلِ، وَالسَّمَاعِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ نَقُولَ: لِيَقُلْ " حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي " ، لِأَنَّ عَدَمَ غَيْرِهِ هُوَ الْأَصْلُ.
-
وَلَكِنْ ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ الْإِمَامُ، عَنْ شَيْخِهِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ الْإِمَامِ، فِيمَا إِذَا شَكَّ أَنَّ الشَّيْخَ قَالَ: " حَدَّثَنِي فُلَانٌ " ، أَوْ قَالَ " حَدَّثَنَا فُلَانٌ " ، أَنَّهُ يَقُولُ " حَدَّثَنَا " .
-
وَهَذَا يَقْتَضِي فِيمَا إِذَا شَكَّ فِي سَمَاعِ نَفْسِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: " حَدَّثَنَا " ، وَهُوَ عِنْدِي يَتَوَجَّهُ بِأَنَّ (حَدَّثَنِي) أَكْمَلُ مَرْتَبَةً، وَ (حَدَّثَنَا) أَنْقَصُ مَرْتَبَةً، فَلْيَقْتَصِرْ إِذَا شَكَّ عَلَى النَّاقِصِ ; لِأَنَّ عَدَمَ الزَّائِدِ هُوَ الْأَصْلُ، وَهَذَا لَطِيفٌ. ثُمَّ وَجَدْتُ الْحَافِظَ أَحْمَدَ الْبَيْهَقِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدِ اخْتَارَ بَعْدَ حِكَايَتِهِ قَوْلَ الْقَطَّانِ مَا قَدَّمْتُهُ.
-
ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ مِنْ أَصْلِهِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، حَكَاهُ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَافَّةً، فَجَائِزٌ إِذَا سَمِعَ وَحْدَهُ أَنْ يَقُولَ: " حَدَّثَنَا " ، أَوْ نَحْوَهُ، لِجَوَازِ ذَلِكَ لِلْوَاحِدِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَجَائِزٌ إِذَا سَمِعَ فِي جَمَاعَةٍ أَنْ يَقُولَ: " حَدَّثَنِي " ; لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ حَدَّثَهُ، وَحَدَّثَ غَيْرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
- ج ١ ص ١٤٤
الرَّابِعُ: رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: اتَّبِعْ لَفْظَ الشَّيْخِ فِي قَوْلِهِ: " حَدَّثَنَا، وَحَدَّثَنِي، وَسَمِعْتُ، وَأَخْبَرَنَا " ، وَلَا تَعْدُوهُ.
قُلْتُ: لَيْسَ لَكَ فِيمَا تَجِدُهُ فِي الْكُتُبِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنْ رِوَايَاتِ مَنْ تَقَدَّمَكَ أَنْ تُبَدِّلَ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ مَا قِيلَ فِيهِ (أَخْبَرَنَا) بِـ (حَدَّثَنَا) ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي إِقَامَةِ أَحَدِهِمَا مَقَامَ الْآخَرِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ سَبَقَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَرَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا. وَلَوْ وَجَدْتَ مِنْ ذَلِكَ إِسْنَادًا عَرَفْتَ مِنْ مَذْهَبِ رِجَالِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فَإِقَامَتُكَ أَحَدَهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ مِنْ بَابِ تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فَالَّذِي نَرَاهُ الِامْتِنَاعَ مِنْ إِجْرَاءِ مِثْلِهِ فِي إِبْدَالِ مَا وُضِعَ فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ، وَالْمَجَامِعِ الْمَجْمُوعَةِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
-
وَمَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ فِي " كِفَايَتِه " مِنْ إِجْرَاءِ ذَلِكَ الْخِلَافِ فِي هَذَا، فَمَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى مَا يَسْمَعُهُ الطَّالِبُ مِنْ لَفْظِ الْمُحَدِّثِ، غَيْرُ مَوْضُوعٍ فِي كِتَابٍ مُؤَلَّفٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
- ج ١ ص ١٤٥
الْخَامِسُ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِحَّةِ سَمَاعِ مَنْ يَنْسَخُ وَقْتَ الْقِرَاءَةِ، فَوَرَدَ عَنِ الْإِمَامِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ، وَأَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَدِيٍّ الْحَافِظِ، وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائِينِيِّ الْفَقِيهِ الْأُصُولِيِّ، وَغَيْرِهِمْ نَفْيُ ذَلِكَ.
-
وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الصِّبْغِيِّ، أَحَدِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيِّينَ بِخُرَاسَانَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَكْتُبُ فِي السَّمَاعِ؟ فَقَالَ: يَقُولُ: " حَضَرْتُ " ، وَلَا يَقُلْ: " حَدَّثَنَا، وَلَا أَخْبَرَنَا " .
-
وَوَرَدَ عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ الْحَمَّال ِ تَجْوِيزُ ذَلِكَ. وَعَنْ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ قَالَ: " كَتَبْتُ عِنْدَ عَارِمٍ وَهُوَ يَقْرَأُ، وَكَتَبْتُ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ، وَهُوَ يَقْرَأُ " . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَنْسَخُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ مَا يُقْرَأُ.
-
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّسْخِ مِنَ السَّامِعِ، وَالنَّسْخِ مِنَ الْمُسْمِعِ.
قُلْتُ: وَخَيْرٌ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ التَّفْصِيلُ. فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ السَّمَاعُ إِذَا كَانَ النَّسْخُ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ مَعَهُ فَهْمُ النَّاسِخِ لِمَا يُقْرَأُ، حَتَّى يَكُونَ الْوَاصِلُ إِلَى سَمْعِهِ كَأَنَّهُ صَوْتٌ غُفْلٌ.
-
وَيَصِحُّ إِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ الْفَهْمُ.
-
كَمِثْلِ مَا رُوِّينَاهُ عَنِ الْحَافِظِ الْعَالِمِ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ): أَنَّهُ حَضَرَ
ج ١ ص ١٤٦فِي حَدَاثَتِهِ مَجْلِسَ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَّارِ، فَجَلَسَ يَنْسَخُ جُزْءًا كَانَ مَعَهُ، وَإِسْمَاعِيلُ يُمْلِي، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ: لَا يَصِحُّ سَمَاعُكَ، وَأَنْتَ تَنْسَخُ، فَقَالَ: فَهْمِي لِلْإِمْلَاءِ خِلَافُ فَهْمِكَ، ثُمَّ قَالَ: تَحْفَظُ كَمْ أَمْلَى الشَّيْخُ مِنْ حَدِيثٍ إِلَى الْآنَ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: أَمْلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، فَعُدَّتِ الْأَحَادِيثُ فَوُجِدَتْ كَمَا قَالَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْهَا عَنْ فُلَانٍ، عَنْ فُلَانٍ، وَمَتْنُهُ كَذَا. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي، عَنْ فُلَانٍ، عَنْ فُلَانٍ، وَمَتْنُهُ كَذَا، وَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ أَسَانِيدَ الْأَحَادِيثِ، وَمُتُونَهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْإِمْلَاءِ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
السَّادِسُ: مَا ذَكَرْنَاهُ فِي النَّسْخِ مِنَ التَّفْصِيلِ يَجْرِي مِثْلُهُ فِيمَا إِذَا كَانَ الشَّيْخُ، أَوِ السَّامِعُ يَتَحَدَّثُ، أَوْ كَانَ الْقَارِئُ خَفِيفَ الْقِرَاءَةِ يُفْرِطُ فِي الْإِسْرَاعِ. أَوْ كَانَ يُهَيْنِمُ بِحَيْثُ يُخْفِي بَعْضَ الْكَلِمِ، أَوْ كَانَ السَّامِعُ بَعِيدًا عَنِ الْقَارِئِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.