النوع الثالث من أنواع الإجازة

٦ فقرات، ج ١ ص ١٥٤

  1. ثُمَّ إِنَّهُ كَمَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْإِجَازَةِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمَرْوِيِّ بِهَا، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ: إِنَّهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْمُرْسَلِ. وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِجَازَةِ مَا يَقْدَحُ فِي اتِّصَالِ الْمَنْقُولِ بِهَا، وَفِي الثِّقَةِ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

    ج ١ ص ١٥٤
  2. النَّوْعُ الثَّانِي: مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ: أَنْ يُجِيزَ لِمُعَيَّنٍ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: " أَجَزْتُ لَكَ، أَوْ لَكُمْ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِي، أَوْ جَمِيعَ مَرْوِيَّاتِي " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَالْخِلَافُ فِي هَذَا النَّوْعِ أَقْوَى وَأَكْثَرُ، وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَغَيْرِهِمْ عَلَى تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِهَا أَيْضًا، وَعَلَى إِيجَابِ الْعَمَلِ بِمَا رُوِيَ بِهَا بِشَرْطِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  3. النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ: أَنْ يُجِيزَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِوَصْفِ الْعُمُومِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: " أَجَزْتُ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَجَزْتُ لِكُلِّ أَحَدٍ، أَوْ أَجَزْتُ لِمَنْ أَدْرَكَ زَمَانِي " ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا نَوْعٌ تَكَلَّمَ فِيهِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِمَّنْ جَوَّزَ أَصْلَ الْإِجَازَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ.

  4. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِوَصْفٍ حَاصِرٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَهُوَ إِلَى الْجَوَازِ أَقْرَبُ.

  5. وَمِمَّنْ جَوَّزَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ.

    ج ١ ص ١٥٥
  6. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ الْحَافِظِ أَنَّهُ قَالَ: " أَجَزْتُ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " . وَجَوَّزَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الْمُحَقِّقِينَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْخَطِيبُ الْإِجَازَةَ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْإِجَازَةِ. وَأَجَازَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ سَعِيدٍ أَحَدُ الْجِلَّةِ مِنْ شُيُوخِ الْأَنْدَلُسِ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ قُرْطُبَةَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ. وَوَافَقَهُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَأَنْبَأَنِي مَنْ سَأَلَ الْحَازِمِيَّ أَبَا بَكْرٍ، عَنِ الْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ هَذِهِ، فَكَانَ مِنْ جَوَابِهِ: أَنَّ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ - نَحْوَ أَبِي الْعَلَاءِ الْحَافِظِ وَغَيْرِهِ - كَانُوا يَمِيلُونَ إِلَى الْجَوَازِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

    قُلْتُ: وَلَمْ نَرَ، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ هَذِهِ الْإِجَازَةَ فَرَوَى بِهَا، وَلَا عَنِ الشِّرْذِمَةِ الْمُسْتَأْخِرَةِ الَّذِينَ سَوَّغُوهَا، وَالْإِجَازَةُ فِي أَصْلِهَا ضَعْفٌ، وَتَزْدَادُ بِهَذَا التَّوَسُّعِ، وَالِاسْتِرْسَالِ ضَعْفًا كَثِيرًا لَا يَنْبَغِي احْتِمَالُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.