النوع الخامس والعشرون: في كتابة الحديث، وكيفية ضبط الكتاب، وتقييده

٩٠ فقرة، ج ١ ص ١٨١

الصفحة ١ من ٣

  1. اخْتَلَفَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ كِتَابَةَ الْحَدِيثِ، وَالْعِلْمِ، وَأَمَرُوا بِحِفْظِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ.

    ج ١ ص ١٨١
  2. وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ كَرَاهَةَ ذَلِكَ: عُمَرُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو مُوسَى، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فِي جَمَاعَةٍ آخَرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.

  3. وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا إِلَّا الْقُرْآنَ، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ " . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.

  4. وَمِمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ إِبَاحَةَ ذَلِكَ، أَوْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ، وَابْنُهُ الْحَسَنُ،

    ج ١ ص ١٨٢وَأَنَسٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فِي جَمْعٍ آخَرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.

  5. وَمِنْ صَحِيحِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّالِّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ: حَدِيثُ أَبِي شَاهٍ الْيَمَنِيِّ فِي الْتِمَاسِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ شَيْئًا سَمِعَهُ مِنْ خُطْبَتِهِ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ " .

  6. وَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِي الْكِتَابَةِ عَنْهُ لِمَنْ خَشِيَ عَلَيْهِ النِّسْيَانَ، وَنَهَى عَنِ الْكِتَابَةِ عَنْهُ مَنْ وَثِقَ بِحِفْظِهِ، مَخَافَةَ الِاتِّكَالِ عَلَى الْكِتَابِ، أَوْ نَهَى عَنْ كِتَابَةِ ذَلِكَ حِينَ خَافَ عَلَيْهِمُ اخْتِلَاطَ ذَلِكَ بِصُحُفِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَأَذِنَ فِي كِتَابَتِهِ حِينَ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ.

  7. وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْفُرَاوِيُّ - قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِنَيْسَابُورَ جَبَرَهَا اللَّهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَعَالِي الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ السَّمَّاكِ، ثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا الْوَلِيدُ هُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ: " كَانَ هَذَا الْعِلْمُ كَرِيمًا

    ج ١ ص ١٨٣يَتَلَقَّاهُ الرِّجَالُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الْكُتُبِ دَخَلَ فِيهِ غَيْرُ أَهْلِهِ.

  8. ثُمَّ إِنَّهُ زَالَ ذَلِكَ الْخِلَافُ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ، وَلَوْلَا تَدْوِينُهُ فِي الْكُتُبِ لَدُرِسَ فِي الْأَعْصُرِ الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  9. ثُمَّ إِنَّ عَلَى كَتَبَةِ الْحَدِيثِ، وَطَلَبَتِهِ صَرْفَ الْهِمَّةِ إِلَى ضَبْطِ مَا يَكْتُبُونَهُ، أَوْ يُحَصِّلُونَهُ بِخَطِّ الْغَيْرِ مِنْ مَرْوِيَّاتِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي رَوَوْهُ شَكْلًا، وَنَقْطًا يُؤْمَنُ مَعَهُمَا الِالْتِبَاسُ، وَكَثِيرًا مَا يَتَهَاوَنُ بِذَلِكَ الْوَاثِقُ بِذِهْنِهِ، وَتَيَقُّظِهِ، وَذَلِكَ وَخِيمُ الْعَاقِبَةِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مُعَرَّضٌ لِلنِّسْيَانِ، وَأَوَّلُ نَاسٍ أَوَّلُ النَّاسِ، وَإِعْجَامُ الْمَكْتُوبِ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِعْجَامِهِ، وَشَكْلُهُ يَمْنَعُ مِنْ إِشْكَالِهِ.

  10. ثُمَّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَنَّى بِتَقْيِيدِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يَكَادُ يَلْتَبِسُ، وَقَدْ أَحْسَنَ مِنْ قَالَ: إِنَّمَا يُشْكَلُ مَا يُشْكِل ُ.

  11. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ صَاحِبِ كِتَابِ (سِمَاتُ الْخَطِّ وَرُقُومُهُ) عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَغْدَادِيِّ فِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ الْإِعْجَامَ وَالْإِعْرَابَ إِلَّا فِي الْمُلْتَبِسِ، وَحَكَى غَيْرُهُ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُشْكَلَ مَا يُشْكِلُ، وَمَا لَا يُشْكِلُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُبْتَدِئَ، وَغَيْرَ الْمُتَبَحِّرِ فِي الْعِلْمِ لَا يُمَيِّزُ مَا يُشْكِلُ مِمَّا لَا يُشْكِلُ، وَلَا صَوَابَ الْإِعْرَابِ مِنْ خَطَئِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

    ج ١ ص ١٨٤
  12. وَهَذَا بَيَانُ أُمُورٍ مُفِيدَةٍ فِي ذَلِكَ:

    أَحَدُهَا: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اعْتِنَاؤُهُ - مِنْ بَيْنِ مَا يَلْتَبِسُ - بِضَبْطِ الْمُلْتَبِسِ مِنْ أَسْمَاءِ النَّاسِ أَكْثَرَ، فَإِنَّهَا لَا تُسْتَدْرَكُ بِالْمَعْنَى، وَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِمَا قَبْلُ، وَمَا بَعْدُ.

  13. الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُشْكِلَةِ أَنْ يُكَرِّرَ ضَبْطَهَا، بِأَنْ يَضْبِطَهَا فِي مَتْنِ الْكِتَابِ، ثُمَّ يَكْتُبَهَا قُبَالَةَ ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ مُفْرَدَةً مَضْبُوطَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي إِبَانَتِهَا، وَأَبْعَدُ مِنَ الْتِبَاسِهَا، وَمَا ضَبَطَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَسْطُرِ رُبَّمَا دَاخَلَهُ نَقْطُ غَيْرِهِ وَشَكْلُهُ، مِمَّا فَوْقَهُ، وَتَحْتَهُ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ دِقَّةِ الْخَطِّ، وَضِيقِ الْأَسْطُرِ، وَبِهَذَا جَرَى رَسْمُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الضَّبْطِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  14. الثَّالِثُ: يُكْرَهُ الْخَطُّ الدَّقِيقُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَقْتَضِيهِ.

    رُوِّينَا ... عَنْ حَنْبَلِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: رَآنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَنَا أَكْتُبُ خَطًّا دَقِيقًا، فَقَالَ: " لَا تَفْعَلْ، أَحْوَجُ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ يَخُونُكَ " ... . وَبَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى خَطًّا دَقِيقًا قَالَ: " هَذَا خَطُّ مَنْ لَا يُوقِنُ بِالْخُلْفِ مِنَ اللَّه ِ " .

    ج ١ ص ١٨٥
  15. وَالْعُذْرُ فِي ذَلِكَ هُوَ مِثْلُ أَنْ لَا يَجِدَ فِي الْوَرَقِ سَعَةً، أَوْ يَكُونَ رَحَّالًا يَحْتَاجُ إِلَى تَدْقِيقِ الْخَطِّ، لِيَخِفَّ عَلَيْهِ مَحْمَلُ كِتَابِهِ، وَنَحْوُ هَذَا،

    [وَاللَّهُ أَعْلَمُ] .

  16. الرَّابِعُ: يَخْتَارُ لَهُ فِي خَطِّهِ التَّحْقِيقَ، دُونَ الْمَشْقِ وَالتَّعْلِيقِ.

    بَلَغَنَا عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ قَالَ: ... قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " شَرُّ الْكِتَابَةِ الْمَشْقُ، وَشَرُّ الْقِرَاءَةِ الْهَذْرَمَةُ، وَأَجْوَدُ الْخَطِّ أَبْيَنُهُ " ... ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  17. الْخَامِسُ: كَمَا تُضْبَطُ الْحُرُوفُ الْمُعْجَمَةُ بِالنُّقَطِ كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تُضْبَطَ الْمُهْمَلَاتُ غَيْرُ الْمُعْجَمَةِ بِعَلَامَةِ الْإِهْمَالِ، لِتَدُلَّ عَلَى عَدَمِ إِعْجَامِهَا.

  18. وَسَبِيلُ النَّاسِ فِي ضَبْطِهَا مُخْتَلِفٌ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْلِبُ النَّقْطَ، فَيَجْعَلُ النَّقْطَ الَّذِي فَوْقَ الْمُعْجَمَاتِ تَحْتَ مَا يُشَاكِلُهَا مِنَ الْمُهْمَلَاتِ، فَيَنْقُطُ تَحْتَ الرَّاءِ، وَالصَّادِ، وَالطَّاءِ، وَالْعَيْنِ، وَنَحْوِهَا مِنَ

    ج ١ ص ١٨٦الْمُهْمَلَاتِ.

  19. وَذَكَرَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ أَنَّ النُّقَطَ الَّتِي تَحْتَ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ تَكُونُ مَبْسُوطَةً صَفًّا، وَالَّتِي فَوْقَ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ تَكُونُ كَالْأَثَافِيِّ.

  20. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ عَلَامَةَ الْإِهْمَالِ فَوْقَ الْحُرُوفِ الْمُهْمَلَةِ كَقُلَامَةِ الظُّفْرِ، مُضْجَعَةً عَلَى قَفَاهَا.

  21. وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ تَحْتَ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ حَاءً مُفْرَدَةً صَغِيرَةً، وَكَذَا تَحْتَ الدَّالِ، وَالطَّاءِ، وَالصَّادِ، وَالسِّينِ، وَالْعَيْنِ، وَسَائِرُ الْحُرُوفِ الْمُهْمَلَةِ الْمُلْتَبِسَةِ مِثْلُ ذَلِكَ.

  22. فَهَذِهِ وُجُوهٌ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِهْمَالِ شَائِعَةٌ مَعْرُوفَةٌ.

  23. وَهُنَاكَ مِنَ الْعَلَامَاتِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ، وَلَا يَفْطِنُ لَهُ كَثِيرُونَ، كَعَلَامَةِ مَنْ يَجْعَلُ فَوْقَ الْحَرْفِ الْمُهْمَلِ خَطًّا صَغِيرًا، وَكَعَلَامَةِ مَنْ يَجْعَلُ تَحْتَ الْحَرْفِ الْمُهْمَلِ مِثْلَ الْهَمْزَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  24. السَّادِسُ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْطَلِحَ مَعَ نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ بِمَا لَا يَفْهَمُهُ غَيْرُهُ، فَيُوقِعُ غَيْرَهُ فِي حَيْرَةٍ، كَفِعْلِ مَنْ يَجْمَعُ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ رِوَايَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَيَرْمُزُ إِلَى رِوَايَةِ كُلِّ رَاوٍ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ مِنِ اسْمِهِ، أَوْ حَرْفَيْنِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنْ بَيَّنَ - فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ، أَوْ آخِرِهِ - مُرَادَهُ بِتِلْكَ الْعَلَامَاتِ وَالرُّمُوزِ، فَلَا بَأْسَ. وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَوْلَى أَنْ يَتَجَنَّبَ الرَّمْزَ، وَيَكْتُبَ عِنْدَ كُلِّ رِوَايَةٍ اسْمَ رَاوِيهَا بِكَمَالِهِ مُخْتَصَرًا، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْعَلَامَةِ بِبَعْضِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  25. السَّابِعُ: يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَ كُلِّ حَدِيثَيْنِ دَارَةً تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا، وَتُمَيِّزُ. وَمِمَّنْ بَلَغَنَا عَنْهُ ذَلِكَ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَبُو الزِّنَادِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

    ج ١ ص ١٨٧
  26. وَاسْتَحَبَّ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ أَنْ تَكُونَ الدَّارَاتُ غُفْلًا، فَإِذَا عَارَضَ فَكُلُّ حَدِيثٍ يَفْرُغُ مِنْ عَرْضِهِ يَنْقُطُ فِي الدَّارَةِ الَّتِي تَلِيهِ نُقْطَةً، أَوْ يَخُطُّ فِي وَسَطِهَا خَطًّا. قَالَ: " وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُعْتَدُّ مِنْ سَمَاعِهِ إِلَّا بِمَا كَانَ كَذَلِكَ، أَوْ فِي مَعْنَاهُ " ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  27. الثَّامِنُ: يُكْرَهُ لَهُ فِي مِثْلِ (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ) أَنْ يَكْتُبَ (عَبْدَ) فِي آخِرِ سَطْرٍ، وَالْبَاقِيَ فِي أَوَّلِ السَّطْرِ الْآخَرِ.

  28. وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ فِي (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فُلَانٍ) ، وَفِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّعْبِيدِ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكْتُبَ (عَبْدَ) فِي آخِرِ سَطْرٍ، وَاسْمَ اللَّهِ مَعَ سَائِرِ النَّسَبِ فِي أَوَّلِ السَّطْرِ الْآخَرِ. وَهَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ يَكْتُبَ (قَالَ رَسُولُ) فِي آخِرِ سَطْرٍ، وَيَكْتُبَ فِي أَوَّلِ السَّطْرِ الَّذِي يَلِيهِ (اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  29. التَّاسِعُ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى كِتْبَةِ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذِكْرِهِ، وَلَا يَسْأَمَ مِنْ تَكْرِيرِ ذَلِكَ عِنْدَ تَكَرُّرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْفَوَائِدِ الَّتِي يَتَعَجَّلُهَا طَلَبَةُ الْحَدِيثِ، وَكَتَبَتُهُ، وَمَنْ أَغْفَلَ ذَلِكَ حُرِمَ حَظًّا عَظِيمًا، وَقَدْ رُوِّينَا لِأَهْلِ ذَلِكَ مَنَامَاتٍ صَالِحَةً.

    ج ١ ص ١٨٨
  30. وَمَا يَكْتُبُهُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ دُعَاءٌ يُثْبِتُهُ لَا كَلَامٌ يَرْوِيهِ، فَلِذَلِكَ لَا يَتَقَيَّدُ فِيهِ بِالرِّوَايَةِ، وَلَا يَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى مَا فِي الْأَصْلِ.

  31. وَهَكَذَا الْأَمْرُ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ، نَحْوُ (عَزَّ وَجَلَّ) ، وَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) وَمَا ضَاهَى ذَلِكَ. وَإِذَا وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَدْ جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ كَانَتِ الْعِنَايَةُ بِإِثْبَاتِهِ، وَضَبْطِهِ أَكْثَرَ، وَمَا وُجِدَ فِي خَطِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ إِغْفَالِ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَعَلَّ سَبَبَهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّقَيُّدَ فِي ذَلِكَ بِالرِّوَايَةِ، وَعَزَّ عَلَيْهِ اتِّصَالُهَا فِي ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الرُّوَاةِ.

    قَالَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ: " وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُطْقًا لَا خَطًّا " ، قَالَ: " وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي ذَلِكَ " .

  32. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيِّ، قَالَا: " مَا تَرَكْنَا الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ سَمِعْنَاهُ،

    ج ١ ص ١٨٩وَرُبَّمَا عَجَّلْنَا فَنُبَيِّضُ الْكِتَابَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْهِ "، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  33. ثُمَّ لِيَتَجَنَّبْ فِي إِثْبَاتِهَا نَقْصَيْنِ:

    أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكْتُبَهَا مَنْقُوصَةَ صُورَةٍ، رَامِزًا إِلَيْهَا بِحَرْفَيْنِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

  34. وَالثَّانِي: أَنْ يَكْتُبَهَا مَنْقُوصَةَ مَعْنًى، بِأَنْ لَا يَكْتُبَ (وَسَلَّمَ) ، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي خَطِّ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ. سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ مَنْصُورَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْعِمِ، وَأُمَّ الْمُؤَيَّدِ بِنْتَ أَبِي الْقَاسِمِ بِقِرَائَتِي عَلَيْهِمَا قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا الْبَرَكَاتِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْفُرَاوِيَّ لَفْظًا، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُقْرِئَ ظَرِيفَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: ... سَمِعْتُ حَمْزَةَ الْكِنَانِيَّ يَقُولُ: كُنْتُ أَكْتُبُ الْحَدِيثَ، وَكُنْتُ أَكْتُبُ عِنْدَ ذِكْرِ النَّبِيِّ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ " وَلَا أَكْتُبُ " وَسَلَّمَ "، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لِي: مَا لَكَ لَا تُتِمُّ الصَّلَاةَ عَلَيَّ؟ قَالَ: فَمَا كَتَبْتُ بَعْدَ ذَلِكَ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ " إِلَّا كَتَبْتُ " وَسَلَّمَ " ... .

  35. وَقَعَ فِي الْأَصْلِ فِي شَيْخِ الْمَقْرِي ظَرِيفِ " عَبْدُ اللَّهِ " وَإِنَّمَا هُوَ

    ج ١ ص ١٩٠" عُبَيْدُ اللَّهِ " بِالتَّصْغِيرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُوهُ، هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ، فَقَوْلُهُ " الْحَافِظ ِ " إِذًا مَجْرُورٌ (١) .

    قُلْتُ: وَيُكْرَهُ أَيْضًا الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ " عَلَيْهِ السَّلَامُ " ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

  36. الْعَاشِرُ: عَلَى الطَّالِبِ مُقَابَلَةُ كِتَابِهِ بِأَصْلِ سَمَاعِهِ، وَكِتَابِ شَيْخِهِ الَّذِي يَرْوِيهِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ إِجَازَةً.

  37. رُوِّينَا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ هِشَامٍ: " كَتَبْتَ؟ " قَالَ: " نَعَمْ " ، قَالَ: " عَرَضْتَ كِتَابَكَ؟ " قَالَ: " لَا " ، قَالَ: " لَمْ تَكْتُبْ " .

  38. وَرُوِّينَا عَنِ الشَّافِعِيِّ الْإِمَامِ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَا: " مَنْ كَتَبَ وَلَمْ يُعَارِضْ كَمَنْ دَخَلَ الْخَلَاءَ وَلَمْ يَسْتَنْجَ " .

    ج ١ ص ١٩١
  39. وَعَنِ الْأَخْفَشِ قَالَ: " إِذَا نُسِخَ الْكِتَابُ وَلَمْ يُعَارَضْ، ثُمَّ نُسِخَ وَلَمْ يُعَارَضْ خَرَجَ أَعْجَمِيًّا " .

  40. ثُمَّ إِنَّ أَفْضَلَ الْمُعَارَضَةِ: أَنْ يُعَارِضَ الطَّالِبُ بِنَفْسِهِ كِتَابَهُ بِكِتَابِ الشَّيْخِ مَعَ الشَّيْخِ، فِي حَالِ تَحْدِيثِهِ إِيَّاهُ مِنْ كِتَابِهِ، لِمَا يَجْمَعُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الِاحْتِيَاطِ، وَالْإِتْقَانِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَمَا لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ نَقَصَ مِنْ مَرْتَبَتِهِ بِقَدْرِ مَا فَاتَهُ مِنْهَا. وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى مِنْ إِطْلَاقِ أَبِي الْفَضْلِ الْجَارُودِيِّ الْحَافِظِ الْهَرَوِيِّ قَوْلَهُ: " أَصْدِقِ الْمُعَارَضَةَ مَعَ نَفْسِكَ " .