إبراهيم بن عقبة
٦٣ فقرة، ج ١ ص ٢٥٨
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٥٨
وهو إبراهيم بنُ عُقْبةَ بن أبي عَيَّاش المَدَنيُّ، مولًى لآل الزُّبير بن العَوَّام، وهم ثلاثةُ إخوة: إبراهيم بنُ عُقْبة، ومحمد بنُ عُقْبة، وموسى بنُ عُقْبة بن أبي عَيَّاش، مَدَنيونَ، موالي الزُّبير بن العَوَّام، وكان يحيى بن مَعِين يقول (٢) : هم موالي أم خالد (٣) بنت خالد بن سعيد بن العاص، ولم يُتابع يحيى على ذلك، والصواب أنهم موالي آل الزبير؛ كذلك قال مالكٌ وغيرُهُ، وكذلك قال البُخاري (٤) .
-
سَمِعَ إبراهيم بن عُقبة من أمِّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاصِ، وهي من المُبايعات، وسَمِعَ منها أخوهُ موسى بن عُقبة حديثَها في عَذَاب القَبْرِ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو مَشْهور (٥) .
-
وأما روايةُ إبراهيم عنها، فمن رواية الأصمعي عن ابن أبي الزِّناد (٦) عن إبراهيم بن عُقبة، قال: سمعتُ أمَّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاصِ تقول:
ج ١ ص ٢٥٩أبي أوَّل من كتبَ بسم اللَّه الرحمن الرحيم (١) ، فحصل إبراهيم بروايتِهِ عن أمِّ خالد من التَّابعين.
-
وسَمِعَ إبراهيمُ بن عُقبة من سعيد بن المُسَيِّب، وعُروة بن الزُّبير، وعُمر بن عبد العزيز، وعامر بن سَعْد بن أبي وقّاص، وأبي عبد اللَّه القَرَّاظ (٢) ، وكُريب مولَى ابنِ عبّاس.
-
روى عنه مالك بن أنس، ومَعْمَر، والثَّوريُّ، وحَمَّاد بن زَيْد، ومحمد بن إسحاق، وابنُ عُيَيْنَة، ومحمد بن جعفر بن أبي كَثِير، والدَّرَاوَردِيُّ.
-
وهو ثقةٌ حجةٌ فيما نَقَل، هو أسَن من موسَى بن عُقبة، ومحمد بن عُقبة أسَن منه. وأكثرهم حديثًا موسى، وكُلُّهم ثقةٌ.
-
وذكر أبو داود السِّجِسْتانيُّ عن يحيى بن مَعِين في بَنِي عُقْبة قال: موسى أكثرُهم حديثًا ومحمد أكبرُهم، قال: ومحمد وإبراهيم أثبتُ من موسى (٣) .
-
لمالك عنه في "الموطأ" من حديث النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثٌ واحدٌ مُرسلٌ عند أكثرِ رُواة "الموطأ" ، وهو: مالك، عن إبراهيم بن عُقْبَة، عن كُريب مولَى ابنِ عباس، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرَّ بامرأةٍ وهي في مِحَفَّةٍ لها، فقيلَ لها: هذا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخَذَت بضَبْعَي صَبِيٍّ كانَ معها، فقالت: ألِهذَا حَجٌّ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "نَعَم ولَكِ أجْرٌ" (٤) .
- ج ١ ص ٢٦٠
كُرَيْب مولَى ابنِ عباس هو كُريب (١) بن أبي مُسْلِمٌ مولى عبد اللَّه بن عباس، سَمِعَ أُسامةَ بنَ زيد، وعبد اللَّه بن عباس. روى عنه جماعةٌ من جِلَّةِ أهلِ المدينة منهم بنو عُقْبة ثلاثتُهُم، وبُكَيْر بن الأَشَج، وهو ثقةٌ حُجةٌ فيما نَقَلَ من أثرٍ في الدِّين.
-
قال الواقديُّ، عن ابن أبي الزِّنادِ، عن موسى بن عُقبةَ: مات كُريبٌ بالمدينةِ سنةَ ثمانٍ وتسعينَ في آخِرِ خِلافةِ سُليمانَ بنِ عبدِ الملكِ (٢) .
قال أبو عُمر: المِحَفَّةُ شَبيهةٌ بالهَوْدَجِ. وقيل: المِحَفَّةُ لا غِطاءَ عليها. وأمَّا الضَّبع فباطِنُ السَّاعِدِ.
-
وهذا الحديثُ مرسلٌ عندَ أكثرِ الرُّواة "للموطأ" (٣) ، وقد أسنَده عن مالك: ابنُ وَهْبِ، والشافعيُّ، ومحمدُ بنُ خالدِ بنِ عَثْمةَ، وأبو المُصعبِ، وعبدُ اللَّه بنُ يوسُف (٤) ، قالُوا فيه: عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بن عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابن عباس، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسول -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . الحديثَ.
قال أبو عمر (٥) : ورأيتُ في بعضِ نُسخ "موطأ مالكٍ" روايةَ ابنِ وَهْبٍ عنه هذا الحديثَ مُرْسلًا، من روايةِ يونُسَ بن عبدِ الأعلَى، عن ابنِ وَهْب، ولا أثقُ بما رأيتُه من ذلك؛ لأنَّ أبا جعفرٍ الطَّحَاويَّ ذكَر هذا الحديثَ في كِتابِه،
ج ١ ص ٢٦١كتابِ "تهذيبِ الآثار" عن يونُسَ، عن ابن وَهْب، عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ مُسندًا (١) ، وكذلك روَاه سُحْنُونٌ، والحارثُ بنُ مِسْكينٍ، وأبو الطاهرِ أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ السَّرْحِ، وسُليمانُ بنُ داودَ؛ كلُّهم عن ابن وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ مُسندًا. (وكذلك ذكَرهُ الدَّارَقطنيُّ من روايةِ أبي الطَّاهِرِ، وسُليمانَ بنِ داودَ، والحارثِ بنِ مِسْكينٍ، عن ابنِ وَهْبٍ مُسْنَدًا) (٢) . وهو الصَّحيحُ مِن روايةِ ابنِ وَهْبٍ، والشافعيِّ، ومحمدِ بنِ خالدِ بن عَثْمةَ، وأبي مُصعبٍ.
-
أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ الخَضِرِ الأسيوطيُّ رحِمه اللَّهُ (٣) . وحدَّثنا عليُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشيقٍ؛ قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ (٤) ، قال: أخبرَنا هلالُ بنُ بِشْرٍ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ خالدِ بنِ عَثْمةَ، قال: أخبرَنا مالكٌ، عن إبراهيمَ بنِ عُقْبة، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مَرَّ بامرأةٍ وهي في مِحَفَّتِها، فقيلَ لها: هذا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخَذَت بِعَضُدِ صَبِيٍّ معها، فقالت: ألِهذا حجٌّ يا رسولَ اللَّه؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم، ولكِ أجْرٌ" (٥) .
-
أخبرَنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسُفَ، قال: أخبرَنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عليٍّ ومحمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي دُلَيْم ومحمدُ بنُ يحيى بنِ عبدِ العزيزِ، قالوا: حدَّثنا
ج ١ ص ٢٦٢أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عُمرَ، قال: أخبَرنا الحارثُ بنُ مِسْكينٍ (١) ، وسُحْنُونُ بنُ سعيدٍ، وأحمدُ بنُ عمرِو بنِ السَّرْحِ، قالوا: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرَّ بامرأةٍ وهي في خِدرِها أو مِحَفَّتِها ومعها صبيٌّ لها، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولكِ أجرٌ" (٢) .
-
وأخبَرنا أبو القاسم عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ اللَّه بنِ خالدٍ، قال: حدَّثنا تَمِيمُ ابنُ محمدِ بنِ تَمِيم أبو العباسِ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مِسْكينٍ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاحٍ؛ قالا جميعًا: أخبرَنا سُحْنُونُ بنُ سعيدٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ وَهْبٍ، أنَّ مالكًا حدَّثه عن إبراهيمَ بنِ عُقْبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مَرَّ بامرأةٍ وهي في خِدْرِها معها صبِيٌّ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ فقال: "نعم، ولَكِ أجرٌ" (٣) .
قال أبو عمر (٤) : وكُلُّ ما في كتابِنا من "موطأ ابنِ وَهْبٍ" ، فهو بهذين الإسنادين عن سُحْنُونٍ، وما كان من غيرِها ذكَرناه بإسنادِه إن شاءَ اللَّهُ.
-
وأخبرَنا خلفُ بنُ قاسم وعليُّ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ النَّسائيُّ، قال (٥) : أخبَرنا سُليمانُ بنُ داودَ، عن ابنِ وَهْبٍ، قال: أخبَرَني مالكٌ، عن إبراهيمَ بنِ عُقْبة، عن كُريبٍ، عن ابنِ
ج ١ ص ٢٦٣عباسٍ (١) ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرَّ بامرأةٍ وهي في خِدْرِها، معها صبيٌّ، فقالت: ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجرٌ" .
-
وروايةُ الشافعيِّ ذكَرها بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ، عن حَرْمَلةَ بنِ يحيى، عن الشافعيِّ، أنه أخبَره عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرَّ بامرأةٍ في مِحَفَّتِها، فقيل لها: هذا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخَذت بعَضُدِ صبيٍّ كان معها، فقالت: ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجْرٌ" (٢) .
-
وأخبَرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمر الدَّارَقطنيُّ الحافظُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ زيادٍ النَّيسابوريُّ، قال: حدَّثنا الربيعُ بنُ سُليمانَ (٣) . وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدٍ قراءةً مِنِّي عليه، أنَّ الميمونَ بنَ حمزةَ الحُسَينيَّ (٤) حدَّثهم بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سلامةَ بنِ سلَمةَ (٥) الأزْديُّ الطَّحَاوِيُّ، قال: أخبَرنا أبو إبراهيمَ إسماعيلُ بنُ يحيى المُزَنيُّ؛ قالا: أخبَرنا أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ، قال: أخبَرنا مالكُ بنُ أَنَسٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُرَيبٍ مَولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-
ج ١ ص ٢٦٤مرَّ بامرأةٍ في محَفَّتِها، فقيل لها: هذا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخذت بعَضُدِ صَبِيٍّ كان معها، فقالت: ألِهذا حجٌّ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "نعم ولَكِ أجرٌ" (١) .
-
وأمَّا روايةُ أبي مُصعبٍ، فأخبَرنا بها أبو زيدٍ عبدُ الرَّحمنِ بنُ محمدِ بنِ يحيى قِراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ الخَضِرِ الأسيوطيُّ، قال: حدَّثنا أبو الطاهرِ المدنيُّ القاسمُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ مهديٍّ. وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم وعليُّ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رُزَيْق (٢) بن جامِعٍ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا أبو مُصعبٍ، عن مالكٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابن عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أَنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرَّ بامرأةٍ. فذكَر مثلَ حديثِ يحيَى (٣) . وما كان في كتابِنا من روايةِ أبي مصعَبٍ، فهو من هذين الطَّرِيقَين.
-
واختُلِف على ابنِ القاسم في هذا الحديثِ؛ فروَاه عنه سُحْنُونٌ مُرسلًا، كروايةِ يحيى وسائرِ الرواةِ، وروَاه عنه يوسفُ بنُ عَمْرٍو والحارثُ بنُ مِسْكينٍ مُتَّصِلًا مُسنَدًا، كرِوايةِ ابنِ وَهْبٍ وأبي مُصعبٍ ومَن تابَعهما (٤) .
- ج ١ ص ٢٦٥
وقد رَوَى هذا الحديثَ عن إبراهيمَ بنِ عُقْبَةَ جماعةٌ من الأئمَّةِ الحُفَّاظِ، فأكثرُهم روَاه مُسنَدًا، وممَّن روَاه مُسندًا: مَعْمَرٌ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ (١) ، وسُفيانُ بنُ عُيينةَ، وموسى بنُ عُقْبةَ (٢) .
-
واختُلِفَ فيه على الثَّوريِّ، كما اختُلِفَ على مالكٍ، وكان عندَ الثوريِّ عن إبراهيمَ ومحمدٍ ابْنَي عُقبةَ جميعًا، عن كُريبٍ.
-
فروَاهُ أبو نُعيم الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ، عن الثَّوريِّ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابن عباس، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُسنَدًا.
-
ورَواهُ وَكِيعٌ عن الثَّوريِّ، عن محمدٍ وإبراهيمَ ابنَيْ عُقبةَ، عن كُرَيبٍ مُرْسَلًا (٣) .
-
ورَواهُ يحيى القطَّانُ، عن الثَّوريِّ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مُرْسَلًا (٤) . وعن الثَّوريِّ، عن محمدِ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ مُسْنَدًا (٥) ؛ فقطَع يحيَى القَطَّانُ عن الثَّوريِّ حديثَ إبراهيمَ، ووصَل حديثَ محمدٍ.
- ج ١ ص ٢٦٦
ورَواه محمدُ بنُ كثير، عن الثَّوريِّ، عن محمدِ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابن عباس مُتَّصِلًا (١) .
-
ومَنْ وصَلَ هذا الحديثَ وأسنَده، فقولُه أولَى، والحديثُ صحيحٌ مسنَدٌ ثابتُ الاتِّصالِ، لا يضُرُّه تقصيرُ مَن قَصَّرَ به؛ لأنَّ الذين أسنَدُوه حُفَّاظٌ ثقاتٌ.
-
فأمَّا حديثُ ابنِ عُيينةَ عن إبراهيمَ بنِ عُقبَةَ، فحدَّثنا (٢) به أبو عُثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ يوسفَ التِّرْمذيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ الزُّبيرِ الحُميديُّ، قال (٣) : حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: حدَّثني إبراهيمُ بنُ عُقبةَ أخُو موسَى بنِ عُقبةَ، قال: سمِعتُ كُريبًا يُحَدِّثُ أنَّهُ سَمِعَ ابنَ عباسٍ يقولُ: قفَلَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلمَّا كان بالرَّوحَاءِ لَقِيَ رَكْبًا فسلَّم عليهم، فَرَدُّوا عليه، فقال: "مَن القومُ؟ " ، قالوا: المسلمون، فمَن القومُ؟ فقالوا: رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. ففَزِعت إليه امرأةٌ، فرفَعت إليه صبيًّا لها مِن مِحَفَّةٍ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ قال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم، ولَكِ أجرٌ" .
قال سفيانُ: وكان ابنُ المُنكدِرِ حدَّثناه أوَّلًا مُرسلًا، فقالوا لي: إنَّما سمِعه من إبراهيمَ. فأتيتُ إبراهيمَ فسألتُه، فحدَّثني به، وقال: حدَّثتُ به ابنَ المنكدِر، فحَجَّ بأهلِه كلِّهم.
قال سُفيانُ (٤) : وأخبَرني المُنْكَدِرُ بنُ محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، عن أبيه، أنه قيلَ له: أَتَحُجُّ بالصِّبيانِ؟ فقال: نعم، أعرِضُهم على اللَّه.
ج ١ ص ٢٦٧قال الحُميديُّ (١) : وحدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سُوقةَ، قال: قيلَ لابنِ المُنْكدِرِ: الحُجُّ وعليك دَينٌ؟ قال: الحَجُّ أقضَى للدَّينِ.
-
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ التَّمارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال (٣) : حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالرَّوحاءِ. وذكَر الحديثَ. قال: ففَزِعت امرأةٌ، فأخَذَت بعَضدِ صَبِيٍّ فأخرَجَته من مِحَفَّتِها، فقالت: يا رسولَ اللَّه، هل لهذا حَجٌّ؟ قال: " نعم، ولَكِ أجرٌ" (٤) .
-
وأمَّا حديثُ مَعْمَرٍ، فحدَّثْناه خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عَبَّادٍ، قال: قرأتُ على عبدِ الرَّزاقِ (٥) ، عن معمرٍ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لَقِيَ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ناسٌ مِن الأعرابِ، فقالوا: مَن أنتم؟ فقال أصحابُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: نحن عبادُ اللَّه المُسلمون. قال: فسألوا عنهم، فقيل لهم: إنَّ النبيَّ عليه السلام معهم، فعَلِقُوه يُسائلونَهُ، فأخرَجت امرأةٌ صبيًّا، فقالت: أيْ رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجرٌ" .
- ج ١ ص ٢٦٨
ورواه محمدُ بنُ يوسفَ الحُذاقِيُّ (١) ، عن عبدِ الرَّزاقِ، عن معمرٍ، عن إبراهيمَ، عن كُريبٍ مرسلًا. وإبراهيمُ بنُ عبَّادٍ أثبَتُ (٢) .
-
وأمَّا حديثُ موسى بنِ عُقبةَ، فأخبَرني عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ بَهْرَامَ، قال: حدَّثنا حاتِمُ بنُ إسماعيلَ، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن إبراهيمَ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مَرَّ بامرأةٍ معها صبيٌّ لها صغيرٌ، فرفَعته لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بيدِها، فقالت: هل لهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجرٌ" .
-
قال أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئ الطائيُّ الأثرمُ الورَّاقُ: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ رحمه اللَّهُ-: الذي يَصِحُّ في هذا الحديثِ: كُرَيْبٌ مُرسَلٌ، أو عن ابنِ عباسٍ؟ فقال: هو عن ابنِ عباسٍ صحيحٌ. قيلَ لأبي عبدِ اللَّه: إنَّ الثوريَّ ومالِكًا يرسِلانِه؟ فقال: مَعْمَرٌ وابنُ عُيينةَ وغيرُهما قد أسنَدُوه (٣) .
-
وأَمَّا روايةُ مَن وصَل حديثَ إبراهيمَ بنِ عُقبةَ هذا عن الثَّوريِّ من أصحابه، فأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه، وخلفُ بنُ سعيدٍ، وعبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يُوسفَ، قالوا: أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا
ج ١ ص ٢٦٩عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم الفَضلُ بنُ دُكينِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثوريُّ، عن إبراهيمَ بنِ عُقْبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رَفَعَتِ امرأةٌ إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صبيًّا، فقالت: ألِهذا حَجٌّ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "نعم، ولَكِ أجرٌ" (١) .
-
وأمَّا رِوايةُ مَن وصَل عن الثَّوريِّ حدِيثَه في ذلكَ عن محمدِ بنِ عُقْبةَ، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: رفَعَتِ امرأةٌ صبيًّا لها في مِحَفّةٍ إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالت: يا رسولَ اللَّه، ألِهذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولَكِ أجْرٌ" (٢) .
-
أخبَرنا (٣) عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام الخُشَنيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى
ج ١ ص ٢٧٠القَطَّانُ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن محمدِ بنِ عُقبةَ، عن كُريبٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ امرأةً رفَعت صبيًّا. . . فذكَر الحديثَ (١) .
-
وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) . وعن عبدِ الكريمِ، عن طَاوُسٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٣) .
-
في هذا الحديثِ من الفِقْهِ أُمورٌ:
منها: الحَجُّ بالصِّبيانِ الصِّغارِ، وقد اختلَف العلماءُ في ذلك، فأجازَه مالكٌ، والشَّافعيُّ، وسائرُ فقهاءِ الحجازِ من أصحابِهما وغيرِهم، وأجازَه الثوريُّ، وأبو حنيفةَ، وسائرُ فقهاءِ الكُوفيِّين، وأجازَه الأوزاعِيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، فيمن سلَك سبيلَهما من أهلِ الشَّام ومصرَ. وكلُّ مَن ذكَرناه يَستَحِبُّ الحجَّ بالصِّبيانِ، ويأمُرُ به ويَستَحسِنُه، وعلى ذلك جمهورُ العلماءِ من كلِّ قَرْنٍ.
وقالت طائفةٌ: لا يُحَجُّ بالصبيانِ. وهو قولٌ لا يُشْتَغَلُ به ولا يُعرَّجُ عليه؛ لأنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَجَّ بأُغَيلِمَةِ بَني عبدِ المطَّلِبِ، وحَجَّ السَّلفُ بصبيانِهم. وقال
ج ١ ص ٢٧١-صلى اللَّه عليه وسلم- في الصَّبيِّ: له حَجٌّ، وللذي يُحِجُّه أجرٌ. يعني بمعونَتِه له، وقيامِه في ذلك به، فسقَط كلُّ ما خالَف هذا من القولِ، وباللَّه التوفيق.
-
ورَوَيْنا عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ أنَّه طافَ بعبدِ اللَّه بنِ الزُّبَيرِ في خِرْقَةٍ (١) .
-
وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ، عن الثَّوريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ، عن أبيه، قال: كانُوا يُحِبُّونَ إذا حَجَّ الصَّبيُّ أن يُجرِّدوه، وأن يُجَنِّبوه الطِّيْبَ إذا أحرَم، وأن يُلَبَّى عنه إذا كانَ لا يُحسِنُ التَّلبِيَةَ (٢) .
قال: وأخبَرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، قال: يُحَجُّ بالصغيرِ، ويُرمَى عنه، ويُجنَّبُ ما يُجنَّبُ الكبيرُ من الطِّيبِ، ولا يُخمَّرُ رأسُه، ويُهدَى عنه إن تَمتَّعَ (٣) .
وقال مالكٌ رحمه اللَّه (٤) : يُحَجُّ بالصَّبيِّ الصغير، ويُجرَّدُ للإحرام، ويُمنَعُ
ج ١ ص ٢٧٢من الطِّيبِ ومن كلِّ ما يُمنَعُ منه الكبير، فإن قَويَ على الطَّوافِ والسَّعْي ورَمْي الجِمار، وإلا طِيفَ به محمولًا، ورُمِيَ عنه، وإن أصاب صَيدًا فُدِىَ عنه، وإن (١) احتاجَ إلى ما يحتاجُ إليه الكبير، فُعِل به ذلك، وفُدِيَ عنه.
قال أبو عُمر: قال مالك (٢) : وما أصاب الصَّبيُّ من صيد، أو لباس، أو طِيب، فُدِيَ عنه. وبذلك قال الشافعيّ (٣) .
وقال أبو حنيفة: لا جزاءَ عليه ولا فِدية (٤) .
وقال ابنُ القاسم (٥) ، عن مالك: الصغيرُ الذي لا يتكلَّمُ إذا جُرِّد يُنْوَى بتجريدِه الإحرامُ. قال ابنُ القاسم (٦) : يُغنِيه تجريدُه عن التَّلبيةِ عنه، لا يُلبِّي عنه أحدٌ. قال: فإن كان يتكلَّمُ لَبَّى عن نفسِه.
قال (٧) : وقال مالكٌ: لا يَطُوفُ به أحدٌ لم يَطُفْ طوافَه الواجب؛ لأنَّه يُدخِلُ طَوافين في طَواف.
وقال ابنُ وَهْب، عن مالك: أرَى أن يطُوفَ لنفسِه، ثم يطوفَ بالصَّبيِّ، ولا يَركَعَ عنه، ولا شيءَ على الصَّبيِّ في رَكْعتَيه (٨) (٩) .
ج ١ ص ٢٧٣قال أبو عُمر: فإن قيل: فما معنَى الحَجِّ بالصغيرِ وهو عندَكم غيرُ مُجْزِئ عنه من حجةِ الإسلام إذا بلَغ، وليس ممَّن تَجرِي الأقلامُ له وعليه؟ قيل له: أمّا جَرْيُ القلم له بالعمل الصّالح، فغيرُ مُستنكَرٍ أن يُكتَبَ للصَّبيِّ درجةٌ وحسنةٌ في الآخرةِ بصلاتِه، وزكاتِه، وحجِّه، وسائرِ أعمالِ البرِّ التي يعمَلُها على سُنَّتِها، تفضُّلًا من اللَّه عزَّ وجلَّ عليه، كما تفَضَّلَ على الميِّتِ بأَنْ يُؤجَرَ بصدقَةِ الحيِّ عنه، ويلحَقَه ثَوابُ ما لم يقصِدْه ولم يعمَلْه، مثلُ الدُّعاءِ له، والصَّلاةِ عليه، ونحو ذلك، ألا ترَى أنَّهم أجمَعوا على أنْ أمَرُوا الصَّبيَّ إذا عقَل الصلاةَ بأن يُصَلِّي، وقد صلَّى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنس، واليتيمُ معه، والعَجوزُ من ورائِهما (١) .
-
وأكثرُ السَّلفِ على إيجابِ الزَّكاةِ في أموالِ اليَتامى، ويستحيلُ ألّا يُؤجَرُوا على ذلك، وكذلك وصاياهم إذا عقَلوا، وللذي يقومُ بذلك عنهم أجرٌ، كما للَّذي يُحِجُّهم أجرٌ، فَضْلًا من اللَّه ونعمةً، فلأيِّ شيءٍ يُحرَمُ الصغيرُ التعرُّضَ لفضلِ اللَّه؟ وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطّابِ رضيَ اللَّهُ عنه معنى ما ذكَرتُ، ولا مُخالِفَ له أعلَمُه ممَّن يجبُ اتِّباعُ قولِه.