ابن شهاب، عن السائب بن يزيد حديث واحد متصل

١٥ فقرة، ج ٤ ص ٢٠٠

  1. وهو السائبُ بنُ يزيدَ بنِ سعيدِ بنِ ثُمامةَ الكِنديُّ. يُقال: إنّه مخزوميٌّ. ولا يصحُّ (٢) . ويقال: إنّه كِنانيٌّ. ويقال: ليثيٌّ. ويقال: هُذَليٌّ. ويُقال: أزديٌّ. وقال الزُّهريُّ: هو من الأزْدِ، وعِدادُه في كِنانة (٣) . وقال مصعبٌ الزُّبيريُّ: السائبُ بنُ يزيدَ، ابنُ أختِ النَّمِر، وهو يُنسب في كِندةَ.

    قال أبو عمر: يقال: إنّه من كِندةَ، وهو حليفٌ لبني أميَّة، أو بني عبدِ شمس، يُكْنى أبا يزيد، رأى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو صغير، وحفظَ عنه أنّه رأى خاتَمَ النُّبوةِ بين كِتَفَيهِ كزِرِّ الحَجَلَةِ وأنه مَسَح رأسَه ودعا له بالبَركة، وأنّه تلقّاه في انصرافه من غزوة تبوك.

    وقال أبو معشرٍ عن يوسفَ بنِ يعقوبَ المدنيِّ: سمعتُ السائبَ بنَ يزيدَ ابن أُخت النَّمِرِ، قال: رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- استَخرجَ يومَ الفتح من تحتِ ستار الكعبةِ- عبدَ الله بنَ خَطَل، فضَرب عُنقَه صَبرًا (٤) . وأبوه يزيدُ له صحبةٌ، والسائبُ بنُ يزيدَ يُقال: هو ابنُ أختِ النَّمِرِ بنِ جَبَل، والنَّمِرُ بنُ جَبَلٍ خالُه. وتوفّي السائبُ بنُ يزيدَ سنةَ ثمانينَ. وقيل: سنةَ ستٍّ وثمانينَ.

    ج ٤ ص ٢٠٠
  2. وقد ذكر أحمدُ بنُ عبد الله بنِ صالح الكوفيُّ، قال: حدَّثنا النَّضُر بنُ محمد (٥) ،

    ج ٤ ص ٢٠١قال: حدَّثنا عكرمةُ، قال: حدَّثنا عطاءٌ مولى السائبِ بنِ يزيدَ أخي النَّمِرِ بنِ قاسِط، قال: كان وسَطُ رأس السائبِ أسودَ وبقيَّةُ رأسِه ولحيتِه أبيضَ، قال: فقلت له: يا سيِّدي، والله ما رأيتُ مثلَ رأسِكَ هذا قطُّ؛ هذا أبيضُ، وهذا أسودُ!! قال: أفلا أُخبرُك يا بُنيَّ؟ قلت: بلى قال: إنّي كنتُ مع الصِّبيانِ ألعبُ، فمرَّ بي النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، فاعتَرضتُ له، فسلَّمتُ عليه فقال: "وعليكَ، مَنْ أنتَ؟ " قال: قلتُ: أنا (١) السائبُ بنُ يزيدَ أخو النَّمِر بنِ قاسِطٍ. قال: فمَسَح رأسي، وقال: "باركَ اللهُ فيك" ، فلا والله لا يَبْيَضُّ أبدًا، ولا يزالُ هكذا أبدًا (٢) . هكذا قال أحمدُ بنُ صالح الكوفيُّ، وهو وهمٌ وغَلَطٌ منه أو ممَّن نَقَل عنه، لم يُتابَعْ على قولِه: أخو النَّمِرِ بنِ قاسِطٍ، وذكرُ قاسِطٍ هاهنا خطأ، وأظنُّه لما لم يُعرف النَّمِر خال السائبِ؛ فإنه لا يكادُ يوجد منسوبًا- توهَّمَه النَّمرَ بنَ قاسِط لشُهرتِه في أنساب ربيعةَ. فأخطأ، والغلطُ لا يسلَم منه أحدٌ، (٣) وقد ذكَرناه في كتابنا في "الصَّحابة" (٤) ، وذَكَرنا طرفًا من أخباره هناك، فأغنى عن أخباره هاهنا.

  3. مالكٌ (١) ، عن ابنِ شِهابٍ، عن السائِبِ بنِ يزيدَ، عن المُطَّلِبِ بنِ أبي ودَاعَةَ السَّهْمِيِّ، عن حفْصةَ زَوْج النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّها قالت: ما رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- صلَّى في سُبْحَتِه قاعِدًا قَطُّ، حتى كان قبلَ وفاتِه بعام، فكان يُصَلِّي في سُبْحَتِه قاعِدًا، ويَقْرَأُ بالسُّورَةِ فيُرتِّلُها، حتّى تكونَ أطولَ مِن أطولَ منها.

    ج ٤ ص ٢٠٢
  4. هكذا رواه جماعةُ رُواةِ "الموطأ" بهذا الإسنادِ، عن مالكٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن السائبِ (٢) .

  5. ورواه أبو حُمَةَ محمدُ بنُ يوسُفَ، عن أبي قُرَّةَ مُوسى بنِ طارقٍ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن عطاء بنِ يزيدَ الجُنْدُعيِّ، عن المُطَّلِبِ بنِ أبي وداعَةَ. فأخْطَأ فيه. ورواه عليُّ بنُ زيادٍ، عن موسى بنِ طارِقٍ، عن مالكِ بن أنَس، عن ابنِ شِهابٍ، عن السائِبِ بنِ يِزِيدَ كما رواه الناسُ، وهو الصَّوابُ.

  6. وفي هذا الحديثِ مِن الفِقْهِ: إجازَةُ صَلاةِ النّافِلَةِ جالسًا لمن يُطِيقُ القيام.

  7. والسُّبْحَةُ: النَّافِلَةُ. دليلُ ذلك قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "سيكونُ عليكم أمراءُ يُؤخِّرون الصلاةَ عن مِيقاتِها، فصَلُّوا الصلاةَ لوَقْتِها، واجعَلُوا صَلاتَكم معَهم سُبْحَةً" (٣) . يعني: نافِلَةً، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: ١٤٣] . جاء في التَّفْسِير (٤) : لولا أنَّه كان مِن المُصَلِّينَ.

  8. وقد يحتَمِلُ في اللُّغَةِ أن تكونَ السُّبْحَةُ اسْمًا لجنس الصلاةِ كلِّها؛ نافِلَةً وغيرها. وفي اللُّغَةِ أنَّ الصلاةَ أصْلُها: الدُّعاءُ، لكنَّ الأسماء الشَّرْعِيَّةَ أولى؛ لأنَّها قاضِيةٌ

    ج ٤ ص ٢٠٣على اللُّغَويَّةِ (١) ، وفي قول رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اجعلُوا صلاتكم معهم سُبْحَةً" . وقد رُوي: "اجعَلُوا صلاتَكم معَهم نافلَةً" (٢) . وكذلك قولُه للذَيْنِ لم يُصلِّيا معَه بمسجِدِ الخَيْفِ: "إذا صلَّيتُما في رحالِكما ثم أتَيْتُما المسجِدَ، فصلِّيا مع الناس، تكونُ لكما سُبْحَةً" (٣) . ورُويَ: "تكونُ لكما نافِلَةً" (٤) . وهذا كلُّه دليلٌ على أنَّ السُّبْحَةَ حَقِيقتُها في الاسم الشَّرْعِيِّ النافِلَةُ دونَ الفَريضَةِ؛ لأنّه مرَّةً يقولُ: "سُبْحَةً" ، ومرَّةً يقولُ: "نافِلَةً" .

  9. وفيه ترتيلُ القرآنِ في الصلاةِ، وهو الذي أمرَ اللهُ به رسوله، واختارَه له ولسائِر أُمَّتِه، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: ٤] والتَّرتيلُ: التَّمهُّلُ والتَّرسُّلُ؛ ليقَعَ مع ذلك التَّدبُّر، وكذلك كانت قراءتُه -صلى الله عليه وسلم- حرفًا حرفًا، فيما حكَتْ أُمُّ سلَمَةَ وغيرُها (١) . وقد ذكرنا فَضلَ التَّزْييل على الهذِّ (٢) في كتاب جمَعْناهُ في "البيان عن تلاوَةِ القرآن" . وفي قولِ حفصةَ: فيُرتِّلُها حتى تكون أطولَ (٣) مِن أطولَ منها دليلٌ على إباحةِ الهذِّ؛ لأنَّه محُالٌ أن تكون أطولَ مِن أطولَ منها إذا رُتِّلَتِ التي هي أطولُ منها مثلَ تَرْتيلِها، وإنَّما أرادَتْ أطْوَلَ مِن أطولَ (٤) منها إذا حُدِرَتْ (٥) تلك وهَذَّ بها قارِئُها.

    ج ٤ ص ٢٠٤
  10. وفيه أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكنْ يُصَلِّي في النّافِلَةِ جالسًا إلّا في آخِرِ عُمُرِه، وذلك حينَ أسَنَّ وضَعُفَ عن القيام وبَدَّنَ (١) ، وأنَّه كان صابِرًا طُولَ عُمُرِه على القِيام والاجْتِهادِ في العَمَلِ، حتى كانت تَرِمُ قَدَماه، صلَواتُ الله وسَلامُه عليه. وفي هذا دليلٌ على أنَّ الفَضْلَ في النَّافِلَةِ قائمًا مِثلَيْ (٢) ذلك فيها جالسًا -دليلُ ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: "صلاةُ القاعِدِ على النِّصْفِ مِن صلاةِ القائِم" (٣) - يَعْني في الأجْرِ. وقد تَقَدَّمَ القولُ في هذا الحديثِ، فأغْنَى عن إعادَتِه.

    ج ٤ ص ٢٠٥
  11. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٤) ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن زيادِ بنِ علاقَةَ، سمِعَ المُغِيرَةَ بنَ شعبةَ يقولُ: قام رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حتى ورِمَتْ قَدَماه، فقالوا: يا رسولَ الله، قد غَفَر اللهُ لك ما تقدَّمَ مِن ذنْبِك وما تأخَّرَ! قال: "أفلا أكونُ عبدًا شكُورًا؟ " (٥) .

  12. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ (٦) ، قال: حدَّثنا أبو

    ج ٤ ص ٢٠٦قلابةَ الرَّقاشِيُّ (١) ، قال: حدَّثنا أبو زيدٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن الأعْمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي حتى تَرِمَ قَدَماه، فقيل له: تَفْعَلُ هذا وقد غَفَرَ اللهُ لكَ ما تقَدَّمَ مِن ذَنْبِك وما تأخَّرَ! قال: "أفلا أكونُ عبدًا شكُورًا؟ " (٢) .

  13. ورواه الثوريُّ، عن الأعمشِ بإسْنادِه، مثلَه (٣) .

  14. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال (٤) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ يحيى بن حبَّانَ، عن ابنِ محُيْريزٍ، عن معاولةَ بن أبي سفيانَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تُبادِرُوني برُكُوع ولا بسُجُودٍ، فإنِّي مهما أسْبِقْكم به إذا ركَعْتُ، تُدْركُوني به إذا رَفَعْتُ، أنِّي قد بدُنْتُ" . كذا قال: "بَدُنْتُ" ، بالضَّمِّ،

    ج ٤ ص ٢٠٧"بَدُنْتُ" ، بالضَّمِّ، ومعنَاه عندَ أهلِ اللُّغَةِ: أنَّه حَمَلَ اللَّحْمَ وثَقُلَ. كذا فسَّرَه أبو عُبَيْدٍ (١) . قال: وأمَّا مَن قال: "إنِّي قد بدَّنْتُ" بفَتح الدالِ وتَشْدِيدِها، فيَعْني انَه أسَنَّ وضَعُفَ بأخْذِ السِّنِّ منه.

  15. حدَّثني عُبَيْدُ بنُ محمدٍ (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله، قال: حدثني عيسى بنُ مِسْكينٍ، قال: قال لي ابنُ أبي أُوَيْسٍ: قال إبراهيمُ بنُ سعدٍ: هذا الذي يُروى: "قد بَدُنْتُ" إنَّما هو: "بدَّنتُ" (٣) ، فقلتُ: ما الحُجَّةُ فيه؟ قال: قولُ الشاعر:

    قامَتْ تُرِيكَ بدَنًا مكْنُونَا ... كغِرْقئ البَيْضِ (٤) اسْتَماتَ لِينا

    وخِلْتُ أنَّ الشَّيْبَ والتَّبْدِينَا ... والنَّأْيَ ممَّا يُذْهِلُ القَرينا (٥)