باب خبر الواحد
١٣ فقرة، ج ١ ص ١٩٢
- ج ١ ص ١٩٢
وأصْلُ مذهبِ مالك، رحِمَه اللَّهُ، والذي عليه جماعةُ أصحابِنا المالكيِّين؛ أنَّ مُرْسَلَ الثِّقةِ تجبُ به الحُجَّة، ويلْزَمُ به العمل، كما يجبُ بالمُسْنَدِ سواء (١) .
-
وأجمعَ أهلُ العِلم مِن أهْلِ الفقهِ والأثَرِ في جميع الأمْصارِ فيما علِمْت، على قَبُولِ خبرِ الواحِدِ العَدْل، وإيجابِ العَملِ به، إذا ثبتَ ولم يَنْسَخْه غيرُه مِن أثَرٍ أو إجْماع، على هذا جميعُ الفقهاءِ في كلِّ عصرٍ مِن لَدُن الصحابةِ إلى يومِنا هذا، إلَّا الخَوارجَ وطوائفَ مِن أهْلِ البِدَع، شِرْذِمَةٌ (٢) لا تُعَدُّ خِلافًا (٣) .
- ج ١ ص ١٩٣
وقد أجْمَعَ المسلمون على جوازِ قبولِ (١) السائلِ المُسْتَفْتِي لِمَا يُخْبِرُه به العالِمُ الواحدُ (٢) إذا استَفْتاه فيما لا يعْلَمُه، وقَبُوِل خَبَرِ الواحِدِ العَدْلِ فيما يُخْبِرُ به مِثْلُه، وقد ذكَر الحُجَّةَ عليهم في رَدِّهم أخْبارَ الآحادِ جماعَةٌ مِن أئِمَّةِ الجَماعَةِ وعُلَماءِ المسلمين. وقد أفْرَدْتُ لذلك كتابًا مُوعَبًا كافِيًا (٣) ، والحمدُ للَّه.
-
ولأئمَّةِ فقهاءِ الأمْصارِ في إنفاذِ الحُكم بخبرِ الواحدِ العَدْلِ مذاهِبُ مُتقارِبَة، بعدَ إجْماعِهم على ما ذكَرْتُ لك من قَبُولِه وإيجابِ العَملِ به دونَ القَطْع على مُغَيَّبِه، فجُمْلَةُ مذهبِ مالكٍ في ذلك إيجابُ العملِ بمُسْنَدِه ومُرْسَلِه، ما لم يَعْترضْه العَملُ الظاهرُ ببلَده، ولا يُبالي في ذلك مَن خالَفه في سائرِ الأمْصارِ؛ ألَا ترَى إلى إيجابِه العملَ بحدِيثِ التَّفْلِيس (٤) ، وحديث المُصَرَّاة (٥) ، وحديثِ أبي القُعَيْسِ في لَبَنِ الفَحْل (٦) ، وقد خالفَه في ذلك بالمدينةِ وغيرِها جماعةٌ مِن
ج ١ ص ١٩٤العلماءِ؟ وكذلك المُرْسَلُ عندَه سواء؛ ألَا تَراه يُرْسِلُ حديثَ الشُّفْعَةِ (١) ويعْمَلُ به، ويُرْسِلُ حدِيثَ اليَمِينِ مع الشاهِد (٢) ، ويُوجِبُ القولَ به، ويُرْسِلُ حدِيثَ ناقَةِ البرَاءِ بنِ عازِبٍ في جِناياتِ المَواشِي (٣) ، ويرَى العملَ به، ولا يرَى العملَ بحديثِ خِيارِ المُتَبايِعَيْن (٤) ، ولا بنَجاسَةِ وُلُوخِ الكلبِ (٥) ؟ ولم يَدْرِ ما حَقِيقَةُ ذلك كلِّه، لِمَا اعْتَرضَهما عندَه مِن العمل. ولتَلْخِيصِ القولِ في ذلك مَوْضِعٌ غيرُ هذا.
وقالت طائفةٌ مِن أصْحابِنا: مَراسِيلُ الثِّقاتِ أوْلَى مِن المُسْنَداتِ؛ واعْتَلُّوا بأنَّ مَن أسْنَد لك فقد أحالَك على البحثِ عن أحْوالِ مَن سَمَّاه لك، ومَن أرْسَل مِن الأئِمَّةِ حديثًا مع علْمِه ودينِه ويقَتِه، فقد قطَع لك على صحَّتِه، وكَفاك النَّظَر.
ج ١ ص ١٩٥وقالت منهم طائفةٌ أخرى: لسْنا نقول: إنَّ المُرْسَلَ أوْلَى مِن المُسْنَد، ولكِنَّهما سَواءٌ في وُجوبِ الحُجَّةِ والاسْتِعمال. واعتلُّوا بأنَّ السَّلفَ رِضوانُ اللَّه عليهم أرْسَلُوا، ووَصَلُوا، وأسْنَدُوا، فلم يَعِبْ واحدٌ منهم على صاحبِه شيئًا مِن ذلك، بل كلُّ مَن أسْنَدَ لم يَخْلُ مِن الإرْسال، ولو لم يكُنْ ذلكَ كلُّه عندَهم دِينًا وحقًا ما (١) اعْتَمدُوا عليه؛ لانا وجَدْنا التابِعِين إذا سُئِلُوا عن شيءٍ مِن العِلْم، وكان عندَهم في ذلك شيءٌ عن نَبِيِّهم -صلى اللَّه عليه وسلم- أو عن أصحابِه رضي اللَّهُ عنهم، قالوا: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كذا، وقال عمرُ كذا. ولو كان ذلك لا يوجِبُ عملًا ولا يُعَدُّ عِلْمًا عندَهم، لما قنَع به العالِمُ مِن نفْسِه، ولا رضِيَ به منه السائل.
-
وممَّن كان يذهبُ إلى هذا القولِ مِن أصحابِنا: أبو الفرج عمرُو بنُ محمدٍ المالكيُّ، وأبو بكْرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ صالح الأبْهَرِيُّ، وهو قولُ أبي جَعْفَرٍ محمدِ بنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِي. وزعَم الطَّبَرِيُّ أنَّ التابِعينَ بأَسرِهم أجْمَعُوا على قَبُولِ المُرْسَلِ ولم يَأْتِ عنهم إنْكارُه، ولا عن أحَدٍ مِن (٢) الأئمَّةِ بعدَهم إلى رأسِ المئتَيْن. كأنَّه يعْنِي أنَّ الشافعيَّ أوَّلُ مَن أبَى مِن قَبُولِ المُرْسَلِ (٣) .
وقالتْ طائفةٌ أخْرى من أصحابِنا: لسنا نقُول: إنَّ المُسْنَدَ الذي اتَّفقتْ جماعةُ أهلِ الفقهِ والأثرِ في سائرِ الأمصارِ، وهم الجماعةُ، على قَبُولِه والاحتجاج به
ج ١ ص ١٩٦واستعمالِه، كالمرسَلِ الذي اختُلفَ في الحكم به وقَبُولِه في كلِّ أحوالِه، بل نقولُ: إنَّ للمُسْنَدِ مَزِيَّةَ فَضْل؛ لمَوْضِع الاتِّفاقِ، وسكُونِ النفْسِ إلى كثرةِ القائلين به، وإن كان المرسَلُ يجبُ أيضًا العملُ به. وشُبِّه ذلك مِن مذهبِه بالشُّهودِ يكونُ بعضُهم أفضَلَ حالًا مِن بعضٍ وأقْعَد، وأتمَّ معرِفةً، وأكثرَ عددًا، وإن كان البعضُ عَدْلِينَ (١) جائِزي الشَّهادة، وكِلَا الوجهَين يُوجِبُ العملَ ولا يَقْطَعُ العُذْرَ.
-
وممَّن كان يقولُ هذا، أبو عبدِ اللَّه محمدُ بنُ أحمدَ بنِ إسحاقَ بنِ خُوَيْز مَنْدادَ (٢) البَصْرِيُّ المالكي (٣) ، وأمّا أبو حنيفةَ وأصحابُه فإنَّهم يقبلُونَ المرسلَ، ولا يَرُدُّونه إلا بما يرُدُّون به المُسْنَدَ من التَّأويلِ والاعتِلال، على أصولهم في ذلك (٤) . وقال سائرُ أهلِ الفقه، وجماعةُ أصحابِ الحديثِ في كلِّ الأمصارِ فيما علِمتُ: الانقطاعُ في الأثَرِ عِلَّة تمنعُ مِن وجوبِ العملِ به (٥) ، وسواءٌ عارضَه خبرٌ مُتَّصِل أمْ لا. وقالوا: إذا اتصَل خبرٌ، وعارضَه خبرٌ مُنقطِع، لم يُعَرَّجْ على المُنقَطِع مع المُتَّصلِ، وكان المصيرُ إلى المُتَّصلِ دُونَه.
- ج ١ ص ١٩٧
وحُجَّتُهم في رَدِّ المَراسِيلِ، ما أجمعَ عليه العلماءُ مِن الحاجةِ إلى عدالَةِ المُخْبِر، وأنَّه لا بدَّ مِن علْم ذلك، فإذا حكَى التابعيُّ عمَّن لم يَلْقَه، لم يكُنْ بُدٌّ مِن معْرِفةِ الواسطَة، إذ قد صَحَّ أنَّ التابعِين، أو كثيرًا منهم، رَوَوا عنِ الضعيفِ وغيرِ الضعيفِ. فهذه النُّكْتَةُ عندَهم في رَدِّ المرسَل؛ لأنَّ مُرْسِلَه يمكنُ أن يكونَ سمِعَه ممَّن يجوزُ قَبُولُ نقْلِه وممَّن لا يجوزُ، ولا بُدَّ مِن معْرِفةِ عَدالَةِ النّاقلِ، فبطَلَ لذلك الخبرُ المرسَل؛ للجَهلِ بالواسِطَة.
قالوا: ولو جازَ قَبُولُ المَراسِيل، لجازَ قَبُولُ خَبَرِ مالكٍ والشَّافِعِيِّ والأوزاعيِّ ومثلِهم، إذا ذكَرُوا خَبرًا عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولو جازَ ذلك فيهم، لجاز فيمَن بعدَهم إلى عصرِنا، وبطَل المعنى الذي عليه مدارُ الخبر.
-
ومِن حُجَّتِهم أيضًا في ذلك أنَّ الشهادةَ على الشهادةِ قد أجمَع المسلمونَ أنَّه لا يجوزُ فيها إلَّا الاتصالُ والمُشاهدةُ، فكذلك الخبرُ، يحتاجُ مِن الاتصالِ والمشاهدةِ إلى مثلِ ما تحتاجُ إليه الشهادة، إذْ هو بابٌ في إيجابِ الحُكم واحِدٌ.
-
هذا كلُّه قولُ الشافعيِّ وأصحابِه، وأهلِ الحديث، ولهم في ذلك مِن الكلام ما يطولُ ذكرُه (١) .
-
وأما أصحابُنا، فكلُّهم مذهبُه في الأصلِ استعمالُ المرسَلِ مع المسنَدِ، كما يُوجِبُ الجميعُ استعمالَ المسنَدِ، ولا يرُدُّون المُرْسَل بالمُسْنَد (٢) ، كما لا يرُدُّون الخبرينِ المُتَّصلَين، ما وجَدوا إلى استعمالِهما سبيلًا، وما رَدُّوا به المرسَلَ من
ج ١ ص ١٩٨حُجَّةٍ؛ بتَأوِيلٍ، أو عمَلٍ مستفيضٍ، أو غيرِ ذلك مِن أصُولِهم، فهم يرُدُّون به المسنَدَ سواءً، لا فَرْقَ بينَهما عندَهم (١) .
قال أبو عُمر: هذا أصلُ المذهَبِ، ثم إنِّي تأمَّلْتُ كُتبَ المُناظِرِين (٢) ، والمُخْتَلِفِين مِن المُتَفَقِّهِين، وأصحابِ الأثَرِ مِن أصحابِنا وغيرِهم، فلم أرَ أحدًا منهم يقْنَعُ مِن خَصْمِه إذا احتجَّ عليه بمُرْسَلٍ، ولا يقبَلُ منه في ذلك خبرًا مقطُوعًا، وكلُّهم عندَ تَحْصِيلِ المُناظَرَةِ يُطالِبُ خَصْمَه بالاتصالِ في الأخبار، واللَّهُ المستعانُ.
-
وإنَّما ذلك لأنَّ التَّنازُعَ إنَّما يكونُ بينَ مَن يقْبَلُ المرسَلَ وبينَ مَن لا يقْبَلُه، فإن احْتَجَّ به مَن يقبَلُه على مَن لا يقبَلُه، قال له: هاتِ حُجَّةً غيرَه، فإنَّ الكلامَ بيني وبينك في أصلِ هذا، ونحنُ لا نقْبَلُه. وإنِ احْتَجَّ مَن لا يقبَلُه على مَن يقبَلُه، كان مِن حُجَّتِه: كيف تحْتَجُّ عليَّ بما ليس حُجَّةً عندك؟ ونحو هذا.
-
ولم نُشاهِدْ نحنُ مُناظَرَةً بين مالِكِيٍّ يقْبَلُه (٣) ، وبين حَنيفيٍّ يذهبُ في ذلك مذهبَه، ويَلزمُ على أصلِ مذهَبِهما في ذلك قَبولُ كلِّ واحدٍ منهما مِن صاحبِه المرسَلَ إذا أرسَلَه ثِقَةٌ عَدْلٌ رِضًا، ما لم يعتَرِضْه مِن الأصُولِ ما يدفعه، وباللَّه التوفيق.
-
واختلَف أصحابُنا وغيرُهم في خبرِ الواحدِ العَدْل، هل يُوجِبُ العلمَ والعملَ جميعًا، أم يُوجِبُ العملَ دونَ العِلْم؟ والذي عليه أكثرُ أهلِ العِلْم (٤)