ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري
٢٤٤ فقرة، ج ٥ ص ١٧٣
الصفحة ١ من ٧
- ج ٥ ص ١٧٣
له ثمانية أحاديث، منها ستةٌ مُسْنَدَة. شَرِكَهُ في أحدها محمد بنُ النُّعمان بن بَشِير، وواحدٌ مُرْسل، وآخر موقوفٌ لا يُدْرَك مثلُه بالرأي، وهو محفوظٌ مُسْنَدٌ من وجوِهٍ.
-
وأمُّ حُميد بن عبد الرحمن أمُّ كلثوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيْط، وهو شقيقُ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف، وليسَ أبو سَلَمة شقيقًا لهما.
-
وحُميد أحدُ الثِّقات الأثبات، حُجةٌ فيما نَقَلَ، رُوِيَ عن بعضِ وَلَده أنَّ كُنيته أبو إبراهيم. وقال البُخاري (٢) : كنيته أبو عبد الرحمن.
قال أبو عُمر: تُوفِّي حُميد بن عبد الرحمن بن عوف سنة خمس وتسعين وهو ابنُ ثلاثٍ وسبعين. روى عن عُمر، وعُثمان، وعن أبيه، وسعيد بن زيد، وأبو هُريرة، والنُّعمان بن بَشِير، ومُعاوية. ويُخْتَلَفُ في سماعِه من عُمر، وعُثمان، ومن أبيه.
وقال ابن سَعْد (٣) : قد سمعتُ من يذكر أنه تُوفِّي سنة خمس مئة. قال: وهذا غَلَط، وليس يمكنُ أن يكونَ كذلك لا في سِنِّه، ولا في روايته. قال: والصواب - والله أعلم - ما ذكره الواقدي، يعني: سنةَ خمس وتسعين.
- ج ٥ ص ١٧٤
حديث أوّل لابن شهاب، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن بن عَوْف مُسْنَدٌ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بنِ عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ، أن رجلًا أفطَر في رمضانَ، فأمَرَه رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - أنْ يُكَفِّرَ بعِتقِ رقَبةٍ، أو صيامِ شهرينِ مُتتابعين، أو إطعام ستِّين مسكينًا. فقال: لا أجِدُ. فأُتِي رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - بعَرَقِ تَمْرٍ، قال: "خُذْ هذا فتَصَدَّقْ به" . فقال: يا رسولَ الله، ما أجِدُ أحوجَ منِّي. فضَحِك رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - حتى بَدَتْ أنيابُه، ثم قال: "كُلْه" .
-
هكذا رُوِيَ هذا الحديثُ عن مالكٍ، لم يختلِفْ رواةُ "الموطّأ" عليه فيه (٢) ، بلفظِ التَّخييرِ في العِتقِ والصومِ والإطعامِ، ولم يَذكُرِ الفطرَ بأيِّ شيءٍ كان، هل كان بجماعٍ أو بأكلٍ؟ بل أبهَم ذلك، وتابَعَه على روايتِه هذه ابنُ جُريج (٣)
- ج ٥ ص ١٧٥
وأبو أُوَيْسٍ (١) ، عن ابنِ شهابٍ. وكذلك رواه أبو بكر بنُ أبي أُوَيْس، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن يحيى بن سعيد، عن ابنِ شهابٍ بإسنادِه مثلَه (٢) . ورواه أشهبُ، عن مالكٍ والليث جميعًا (٣) . والمعروفُ فيه عن الليثِ (٤) كرواية ابن عيينةَ (٥) ، ومعمرٍ (٦) ، وإبراهيمَ بن سعدٍ (٧) ، ومَن تابَعَهم.
-
وروَى هذا الحديثَ جماعةٌ من أصحابِ ابنِ شهاب (٨) ، عن ابنِ شهابٍ بإسنادِه هذا، فذكَروه عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - على ترتيبِ كفارَةِ الظِّهار: "هل تستطيعُ أن تُعتِقَ رقبةً؟ " ، قال: لا، قال: "فهل تستطيعُ أن تصومَ شهرينِ متتابعَيْنِ؟ " ، قال: لا. ثم ذكَروا الإطعامَ، إلى آخر الحديث.
-
وكذلك رواه الوليدُ بنُ مسلم، عن مالكٍ، ذكَره صفوانُ بنُ صالح، عن الوليدِ بن مسلم، قال: قلت للأوزاعيِّ: رجلٌ واقَعَ امرأتَه في شهر رمضانَ نهارًا، ثم جاء تائبًا؟ قال: يؤمَرُ بالكفّارةِ؛ بما أخبَرني الزُّهريُّ، عن حميدِ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر الذي واقَع امرأتَه في يوم من شهرِ رمضانَ
ج ٥ ص ١٧٦بعتقِ رقبةٍ، قال: لا أجِدُ، قال: "فصُمْ شهرَينِ متتابعَيْن" ، قال: لا أستطيعُ، قال: "أطعِمْ ستِّين مسكينًا" ، قال: لا أجِدُ (١) .
قال الوليدُ: وأخبَرني مالكُ بنُ أنسٍ والليثُ بنُ سعدٍ، عن الزُّهريِّ، عن حُميدِ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم - نحوَه.
-
هكذا قال الوليدُ، وهو وَهَمٌ منه (٢) على مالكٍ. والصوابُ عن مالكٍ ما في "الموطّأ" أنّ رجلًا أفطَر، فخيَّرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُعتِقَ، أو يصومَ، أو يُطعِمَ. فذَهَب مالكٌ رحمه الله إلى أنّ المفطِرَ عامدًا في رمضانَ؛ بأكلٍ، أو بشربٍ، أو جماع، أنَّ عليه الكفارةَ المذكورةَ في هذا الحديث على ظاهرِه؛ لأنَّه ليس في روايته فِطْرٌ مخصوصٌ بشيءٍ دونَ شيء، فكُلُّ ما وقَع عليه اسمُ فِطرٍ مُتعَمَّدًا، فالكفارةُ لازمةٌ لفاعِلِه على ظاهرِ هذا الحديث.
-
ورُوِي عن الشعبيِّ في المُفطِر عامِدًا في رمضانَ، أنَّ عليه عِتقَ رقبةٍ، أو إطعامَ ستِّين مسكينًا، أو صيامَ شهرينِ متتابعَيْن، معَ قضاءِ اليوم. وهذا مثلُ قولِ مالكٍ سواءً، إلّا أنَّ مالكًا يختارُ الإطعامَ؛ لأنَّه شِبْهُ البَدَلِ من الصِّيام، ألا تَرى إلى أن الحاملَ والمُرضِع، والشيخَ الكبيرَ، والمُفرِّطَ في قَضاءِ رمضان حتى يدخُلَ عليه رمضانٌ آخرُ، لا يُؤمَرُ واحدٌ منهم بعتقٍ ولا صيام مع القضاء، وإنَّما يُؤمَرُ بالإطعام، فالإطعامُ له مَدخل في الصيامِ ونظائِرُ من الأصول. فهذا ما اختارَه مالكٌ وأصحابُه. وقال ابنُ وَهْب، عن مالكٍ: الإطعامُ أحبُّ إليَّ في
ج ٥ ص ١٧٧ذلك من العِتْقِ وغيرِه. وقال ابنُ القاسم عنه: إنَّه لا يَعرِفُ إلّا الإطعامَ، ولا يأخذُ بالعتقِ ولا بالصِّيام. وقد رُوِيَ عن عائشةَ قصّةُ الواقع على أهلِه في رمضانَ بهذا الخبر، ولم يُذكَرْ فيه إلّا الإطعامُ:
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (١) : أخبرنا عيسى بنُ حمّادٍ، قال: أخبرنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ (٢) ، عن عبدِ الرحمن بن القاسم، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبير، عن عَبّادِ بنِ عبدِ الله بن الزبير، عن عائشةَ، قالت: إنّ رجلًا أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: احترَقْتُ، ثم قال: وطِئْتُ امرَأتي في رمضانَ نهارًا، قال: "تَصَدَّقْ تَصَدَّقْ" ، فقال: ما عندي شيءٌ، وأمرَه أن يمكُثَ، فجاءَه عَرَقُ تَمْرٍ فيه طعامٌ، فأمَره أن يتَصدَّقَ به (٣) .
-
ورواه عن يحيى بن سعيدٍ بهذا الإسنادِ جماعةٌ؛ منهم: حمّادُ بنُ سلمةَ (٤) وغيرُه، كلُّهم يقول فيه: إنَّه وطِئَ امرأتَه في رمضان.
-
ورواه عبدُ الوهّاب (٥) ، عن يحيى بنِ سعيدٍ بإسنادِه، وقال فيه: أفطَرتُ في رمضانَ. لم يذْكُرِ الوَطْءَ.
- ج ٥ ص ١٧٨
وذكَره ابنُ وَهْبٍ (١) ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارث، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ القاسم حدَّثه، أنَّ محمدَ بنَ جعفرِ بن الزبيرِ حدَّثه، أنَّ عبّادَ بنَ عبدِ الله بنِ الزُّبيرِ حدَّثه، أنَّه سمِع عائشةَ تقول: أتى رجلٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجدِ في رمضانَ، فقال: يا رسولَ الله، احتَرقتُ. فسألَه رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "ما شأنُه؟ " ، قال: أصبتُ أهلي، قال: "تصدَّقْ" ، قال: والله يا نبيَّ الله ما لي شيءٌ، ولا أقدِرُ عليه، قال: "اجلِسْ" ، فجلَس، فبينا هو على ذلك إذ أقبَل رجلٌ يسوقُ حمارًا عليه طعامٌ، فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "أين المحترِقُ آنفًا؟ " ، فقام الرجلُ، فقال رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "تصدَّقْ بهذا" ، فقال: يا رسولَ الله، أعلى غيرِنا؟ فوالله إنَّا لَجياعٌ، قال: "كُلُوه" .
-
ففي هذا الحديث: بيانُ ما ذهَب إليه مالكٌ رحمه اللهُ في اختيارِه الإطعامَ دونَ غيرِه. وقد كان الشافعيُّ وابنُ عُليّةَ يقولان: إنّ مالكًا ترَك في هذا الباب ما رواه إلى رأيِه. وليس كما ظنّا، والأغلبُ أنَّ مالكًا سمِع الحديثَ؛ لأنَّه مدنيٌّ، فذهَب إليه في اختيارِه الإطعامَ، معَ ما ذكَرناه من شهودِ الأصولِ له بدخولِ الإطعام في البدلِ من الصِّيام، واللهُ أعلمُ.
-
وقد كان ابنُ أبي ليلَى يقولُ في الذي يأتي أهلَه في رمضانَ نهارًا: هو مخيَّر في العتقِ والصيام. قال: وإن لم يقدِرْ على واحدٍ منهما أطعَم. وإلى هذا ذهَب أبو جعفرٍ محمدُ بن جريرٍ الطبريُّ، قال: لا سبيلَ إلى الإطعام إلّا عندَ العجزِ عن العتقِ والصِّيام، وهو مخيَّرٌ في العتقِ والصيام. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، والحسنُ بنُ صالح بن حيٍّ، وأبو ثورٍ، في المُجامع أهلَه في رمضانَ نهارًا: عليه القضاءُ والكفّارةُ (٢) . والكفّارةُ عندَهم مثلُ كفّارةِ الظِّهار؛ عتقُ رقَبةٍ، فإنْ لم يجدْ صامَ شهرَيْنِ متتابعَيْن، فإن لم يستطِعْ
ج ٥ ص ١٧٩أطعَم ستِّينَ مسكينًا، ولا سبيلَ عندَهم في هذه الكفّارة إلى الصِّيام إلّا عندَ العجزِ عن العتق، وكذلك لا سبيلَ عندَهم فيها إلى الإطعام إلّا عندَ عدمِ القدرةِ على الصيام، ككفَّارة الظِّهار في الرُّتبة سواءً (١) .
-
وروَى سفيانُ بنُ عُيينةَ (٢) ، ومعمرٌ (٣) ، وشعيبُ بنُ أبي حمزةَ (٤) ، والأوزاعيُّ (٥) ، وعبدُ الرحمن بنُ خالدِ بنِ مُسافرٍ (٦) ، والليثُ بنُ سعدٍ (٧) ، وإبراهيمُ بنُ سعدٍ (٨) ، والحجاجُ بنُ أرطاة (٩) ، كلُّهم عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلي الله عليه وسلم -، أنَّه قال للذي استفتاه حين وَقَع على امرأتِه في رمضانَ: "هل تجِدُ رقبةً؟ " ، قال: لا، قال: "فهل تستطيعُ صيامَ شهرين؟ " - وبعضُهم يقول: "متتابعين؟ " - قال: لا، قال: "فأطعِمْ ستِّينَ مسكينًا" .
-
وكذلك رواه منصورُ بنُ المعتمِرِ وعِراكُ بنُ مالكٍ (١٠) ، عن الزُّهريِّ بإسنادِه مثلَه، في رجلٍ واقَع امرأتَه في رمضانَ، على هذا الترتيب وذِكْرِ التَّتابُع في الشَّهرين.
- ج ٥ ص ١٨٠
وكلُّ مَن قال بهذا الخبرِ من علماءِ المسلمين يقول: الشهرانِ في صيام الكفّارةِ مُتتابعان، إلّا ابنَ أبي ليلى، فإنّه قال: ليس الشهرانِ في ذلك متتابعَيْن. والحجّةُ في قولِ مَن حَفِظ الشيءَ وشهِد به.
-
أخبَرنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الهيثم أبو الأحوص، قال: حدَّثنا يحيى بنُ بُكير، قال: حدَّثني بكرٌ - يعني ابنَ مُضَرَ - عن جعفرِ بن ربيعةَ، عن عراكِ بن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بن عبد الرحمن بن عوفٍ، عن أبي هريرةَ، أن رجلًا أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأَخبرَه أنَّه وطِئ امرأتَه في رمضانَ، فقال له رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم -: "هل تجِدُ رقبةً؟ " ، قال: لا، قال: "هل تستطيعُ صيامَ شهرين؟ " ، قال: لا، قال: "فأطعمْ ستينَ مسكينًا" . قال: لا (١) أجِدُ. فأعطاه رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - تمرًا فأمرَه أن يتصدَّقَ به. قال: فذكَر لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حاجتَه، فأمَره أن يأكُلَه هو (٢) .
-
رواه أبو الأسودِ وإسحاقُ بنُ بكرِ بنِ مُضَر، عن بكرِ بن مُضرَ بإسنادِه مثلَه سواءً، إلا أنَّهما قالا: "شهرين متتابعين" . ذكَره النسائيُّ (٣) ، عن الرَّبيع بنِ سليمانَ عنهما.
- ج ٥ ص ١٨١
وأخبرني عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا معاويةُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا زائدةُ، عن منصورٍ، عن الزُّهريِّ، قال: حدَّثني حُميدُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، عن رجلٍ أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنِّي وقَعتُ على امرأتي في رمضانَ، قال: "أتجِدُ عِتقَ رقبةٍ؟ " ، قال: لا، قال: "أتستطيعُ صيامَ شهرينِ مُتتابعين؟ " ، قال: لا، قال: "أفتجِدُ إطعامَ ستِّينَ مسكينًا؟ " ، قال: لا. قال: فأُتي بعَرَقِ تمرٍ، فقال: "تصدَّقْ به" . قال: على أفقرَ منا؟ ما بينَ لابتيْها أحدٌ أحوجُ إليه منّا، قال: "أطعِمْه عيالكَ" (١) .
-
وذكره عبدُ الرَّزّاق (٢) ، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ بإسنادِه مثلَه سواءً بمعناه، وزاد: قال الزُّهريُّ: وإنَّما كان هذا رُخصةً له خاصةً، ولو أنّ رجلًا فعَل ذلك اليوم، لم يكنْ له بُدٌّ من التكفير.
-
واختلَف العلماءُ في قضاءِ ذلك اليوم مع الكفّارة؛ فقال مالكٌ: الذي آخُذُ به في الذي يُصيبُ أهلَه في شهر رمضانَ؛ إطعامُ ستِّينَ مسكينًا وصيامُ ذلك اليوم. قال: وليس العتقُ والصَّومُ من كفّارةِ رمضانَ في شيءٍ. وقال الأوزاعيُّ: إنْ كفَّرَ بالعتقِ أو بالطَّعام صام يومًا مكانَ ذلك اليوم الذي أفطَره، وإن صام شهرين مُتتابعين دخلَ فيهما قضاءُ يومِه ذلك. وقال الثوريُّ: يقضي اليومَ ويكفِّرُ مثلَ (٣) كفّارةِ الظِّهار. وقال الشافعيُّ: يحتمِلُ إنْ كفَّرَ أن تكونَ الكفّارةُ بدلًا من الصِّيام، ويحتمِلُ إنْ يكونَ الصِّيامُ مع الكفّارةِ، ولكلٍّ وجْهٌ، وأحَبُّ إليَّ أن يُكفِّرَ ويصومَ مع الكفّارة. هذه روايةُ الرَّبيع عنه. وقال المزنيُّ عنه: مَن وطِئَ امرأتَه فأولجَ
ج ٥ ص ١٨٢عامدًا كان عليه القضاءُ والكفّارةُ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسن، وأبو ثورٍ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ: يقضي يومًا مكانَه ويكفِّرُ مثلَ كفّارةِ الظِّهار (١) . وقال الأثرمُ: قلتُ لأبي عبد الله: الذي يُجامِعُ في رمضانَ فكفَّرَ، أليس عليه أنْ يصومَ يومًا مكانه؟ قال: ولا بدَّ من أن يصومَ يومًا مكانه.
-
ومن حُجَّةِ مَن لم يرَ مع الكفّارةِ قضاءً، أنَّه ليس في خبرِ أبي هريرةَ، ولا خبرِ عائشةَ، ولا في شيءٍ من الأخبارِ التي لا علَّةَ فيها، ذكرُ القضاء، وإنَّما فيه الكفّارةُ فقط، ولو كان القضاءُ واجبًا لذكَره مع الكفّارةِ. ومن حُجَّةِ مَن رأى القضاءَ؛ حديثُ عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ أعرابيًّا جاءَ ينتِفُ شعَرَه، وقال: يا رسولَ الله، وقَعتُ على امرأتي في رمضانَ. فذكَر مثلَ حديثِ أبي هريرة، وزاد: وأمَره رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - أنْ يقضيَ يومًا مكانَه.
-
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجّاج بن أرطاةَ، عن عمرِو بن شُعيبٍ، فذكَره (٢) .
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا جعفرُ بن مُسافِر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ، قال: حدَّثنا
ج ٥ ص ١٨٣هشامُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ (١) ، عن أبي سلمةَ بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رجلًا أفطَر في رمضانَ. بهذا الحديث، قال: فأُتِي بعَرَقٍ فيه تمرٌ قدرُ خمسةَ عشرَ صاعًا، وقال فيه: "كُلْه أنت وأهلُ بيتكَ، وصُمْ يومًا، واستغفِرِ الله" (٢) .
-
وهشامُ بنُ سعدٍ لا يُحتجُّ به في حديثِ ابنِ شهابٍ. ومن جهةِ النَّظر والقياس، لا يسقُطُ القضاءُ؛ لأنَّ الكفّارةَ عقوبةُ الذَّنبِ الذي ركِبَه، والقضاءَ بدلٌ من اليوم الذي أفسَدَه، وكما لا يسقُطُ عن المفسِدِ حجَّه بالوطْءِ إذا أهدَى القضاءُ للبدلِ بالهدي، فكذلك قضاءُ ذلك اليوم، واللّه أعلم.
-
واختلَفَ العلماءُ أيضًا فيمن أفطَر في رمضانَ بأكلٍ أو بشربٍ متعمِّدًا؛ فقال مالكٌ وأصحابُه، والأوزاعيُّ وإسحاقُ بنُ راهُويَة، وأبو ثورٍ: عليه من الكفّارةِ ما على المُجامع. كلُّ واحدٍ منهم على أصلِه الذي قدَّمنا ذكرَه. وإلى هذا ذهَب أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ. ورُوِيَ مثلُ ذلك أيضًا عن عطاءٍ في روايةٍ، وعن الحسنِ والزُّهريِّ (٣) . وقال الشافعيُّ وأحمدُ بنُ حنبلٍ: عليه القضاءُ، ولا كفّارةَ
ج ٥ ص ١٨٤عليه (١) . وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبيرٍ، وابنِ سيرينَ، وجابرِ بنِ زيدٍ، والشعبيِّ، وقتادةَ. وروَى مغيرةُ، عن إبراهيمَ مثلَه (٢) ، وقال الشافعيُّ: عليه مع القضاءِ العقوبةُ؛ لانتهاكِه حُرمةَ الشَّهر (٣) . وسائرُ مَن ذكرْنا قولَه من التَّابعينَ قال: يقضي يومًا مكانَه، ويستغفِرُ اللهَ ويتوبُ إليه، قال بعضُهم: ويصنعُ معروفًا، ولم يُذكَرْ عنهم عقوبةٌ. وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: لا أقولُ بالكفّارةِ إلّا في الغِشيان، ذكَره عنه الأثرمُ. قال: وقيل له مرّةً أخرى: رجلٌ أكَل متعمِّدًا في رمضانَ؟ فقال: هذا الذي أتهيَّبُه أنْ أُفتيَ بكفّارة، أقولُ: يقضي يومًا مكانَه، وإنْ كفَّرَ لَمْ يضُرَّه. وقد رُوِيَ عن عطاءٍ أيضًا أنَّ مَن أفطَر يومًا من رمضانَ من غير علّةٍ كان عليه تحريرُ رقَبةٍ فإنْ لَمْ يجدْ فبَدنةً أو بقرةً، أو عشرينَ صاعًا من طعام يُطعِمُ المساكين. وعن ابنِ عبّاسٍ أنَّه قال: عليه عِتقُ رقَبةٍ، أو صومُ شهرٍ، أو إطعامُ ثلاثينَ مسكينًا.
-
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ (٤) ، قال: أنبأنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا المعتمِرُ، قال: قرأتُ على فُضيلٍ، عن أبي حَريزٍ، أنّ أيفعَ حدَّثه، أنَّه سألَ سعيدَ بنَ جُبيرٍ عمَّن أفطَر في رمضانَ، فقال: كان ابنُ عباسٍ يقول: مَن أفطَر في رمضانَ فعليه عتقُ رقبةٍ، أو صومُ شهرٍ، أو إطعامُ ثلاثينَ مسكينًا. قال: قلت: ومَن وقَعَ على امرأتِه وهي حائضٌ أو سمِع أذانَ الجمُعة فلم يُجمِّعْ وليس له عُذرٌ؟ قال: كذلك عتقُ رقبةٍ.
- ج ٥ ص ١٨٥
وعن سعيدِ بنِ المُسيِّب، أنَّه قال: عليه صيامُ شهرٍ. وعنه أيضًا - وهو قولُ ربيعةَ - أنَّ عليه أن يصومَ اثنَي عشَرَ يومًا. وكان ربيعةُ يحتجُّ لقولِه هذا بأنَّ شهرَ رمضانَ فُضِّلَ على اثنَي عشَرَ شهرًا، فمن أفطَر فيه يومًا كان عليه اثنا عشَرَ يومًا. وكان الشافعيُّ رحمه اللهُ يعجَبُ من هذا ويتنقَّصُ فيه ربيعةَ ويهجِّنُه، وكان لا يرضَى عنه. ولربيعةَ رحمه اللهُ شُذوذٌ كثيرٌ؛ منها في المُحرم يقتُلُ جرادةً، قال: عليه صاعٌ من قمح، قال: لأنَّه أدنى الصيد. ومنها - فيمن طلَّقَ امرأةً من نسائِه الأربع وجهِلها بعينِها - أنَّه لا يلزَمُه فيهنَّ شيءٌ، ولا يُمنَعُ من وطئِهِنَّ. إلى أشياءَ يطولُ ذكرُها، ليس بنا حاجةٌ إلى الإتيانِ بها.
-
وروَى معمرٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، أنَّه سأله عن رجلٍ أكَل في رمضانَ عامدًا. قال: عليه صيامُ شهرٍ (١) ، قال: قلتَ: يومَيْن. قال: صيامُ شهرٍ، قال: فعددْتُ أيَّامًا. فقال: صيامُ شهرٍ. هكذا قال معمر عن قتادةَ، وهي روايةٌ مفسِّرةٌ، وأظنُّه ذهب إلى التَّتابُع في الشَّهر لا يخلِطُه بفطرٍ، كأنَّه يقول: مَن أفسدَه بفطرِ يومٍ أو أكثرَ، قضاه كلَّه نَسَقًا. واللّه أعلم.
-
وروَى هشامٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، في الرجلِ يُفطرُ يومًا من رمضانَ متعمِّدًا، قال: يصومُ شهرًا (٢) . ولم يزِدْ.
-
وكذلك روايةُ سعيدِ بن أبي عَروبةَ وأبي عَوانةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، في الذي يُفطرُ يومًا من رمضانَ مُتعمِّدًا، قال: يصومُ شهرًا.
-
وذكر ابنُ أبي شيبةَ (٣) ، عن عبدةَ، عن عاصم، قال: أرسَلَ أبو قلابةَ إلى
ج ٥ ص ١٨٦سعيدِ بنِ المسيِّب في رجلٍ أفطَر يومًا من رمضانَ مُتعمِّدًا، فقال سعيدٌ: يصومُ مكانَ كلِّ يومٍ أفطرَ شهرًا.
-
وهذه الروايةُ عندي وَهَمٌ عن سعيدٍ، واللّه أعلم، والصَّحيح عنه ما تقدَّم.
-
وذكر معمرٌ أيضًا، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، قال: يقضي يومًا ويستغفِرُ الله (١) . وهو قولُ الشعبيِّ وسعيدِ بن جُبيرٍ. ورُوِيَ عن إبراهيمَ النخعيِّ (٢) .
-
روَى بكّارُ بنُ قُتيبةَ، قال: حَدَّثَنَا هلالُ بنُ يحيى بنِ مسلمٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عَوانةَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، في رجلٍ أفطَر يومًا من رمضانَ، قال: يستغفِرُ اللهَ، ولا يعُدْ، ويصومُ يومًا مكانه (٣) .
-
وروَى حمّادُ بنُ أبي سليمانَ، عن إبراهيمَ، أنَّه قال: من أفطَر يومًا من رمضانَ مُتعمِّدًا، فعليه صيامُ ثلاثةِ آلافِ يوم (٤) .
-
وهذا لا وجهَ له، إلّا أنْ يكونَ كلامًا خرَج على التَّغليظ والغضب، لما رُوِيَ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " (٥) ، وعن ابنِ مسعودٍ (٦) ، وعليٍّ (٧) : " مَن أفطَر في رمضانَ عامدًا لَمْ يُكفِّرْه صيامُ الدَّهر".
-
وقد تقدّم عن إبراهيمَ من رواية مُغيرةَ وغيرِه ما يوضِّحُ لك هذا، على أنَّ أقاويلَ التّابعين بالحجاز والعراق في هذا الباب كما تري، لا وجهَ لها عند أهلِ
ج ٥ ص ١٨٧الفقهِ والنَّظر وجماعةِ أهل الأثر، ولا دليلَ عليها، ولا يُلتفَتُ إليها؛ لمخالفتِها للسُّنة في ذلك، وإنَّما في المسألةِ قولان؛ أحدُهما: قولُ مالكٍ ومَن تابعَه، والحجَّةُ لهم من جهةِ الأثرِ حديثُ ابنِ شهابٍ هذا، ومن جهةِ النَّظر، أنَّ الآكلَ والشّاربَ في القياس كالمُجامع سواءً؛ لأنَّ الصومَ في الشَّريعة: الامتناعُ من الأكلِ والشربِ والجماع، فإذا أثبتت الشريعةُ (١) في وجهٍ واحدٍ منها شيئًا، فسبيلُ نظيرِه في الحكم سبيلُه. والنُّكتةُ الجامعةُ بينَهما: انتهاكُ حُرمةِ الشَّهر بما يُفسدُ الصومَ عمدًا، وقد تقدَّمَ أنَّ لفظَ حديث مالكٍ في هذا الباب يجمَعُ كلَّ فطرٍ.