شرط الذين تقبل شهادتهم
٩ فقرات، ج ١٤ ص ٢٧٥
- ج ١٤ ص ٢٧٥
١٩٩١٩ - أَنْبَأَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، إِجَازَةً، أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ، حَدَّثَهُمْ عَنِ الرَّبِيعِ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: ١٠٦] ،
١٩٩٢٠ - وَقَالَ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: ٢٨٢] إِلَى قَوْلِهِ {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: ٢٨٢]
-
١٩٩٢١ - قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَكَانَ الَّذِي يُعْرَفُ مَنْ خُوطِبَ بِهَذَا إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ: الْأَحْرَارُ الْمَرْضِيُّونَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ رِجَالَنَا، وَمَنْ نَرْضَى مِنْ أَهْلِ دِينِنَا، لَا الْمُشْرِكُونَ لِقَطْعِ اللَّهِ تَعَالَى الْوَلَايَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِالدِّينِ،
١٩٩٢٢ - وَرِجَالُنَا أَحْرَارُنَا لَا مَمَالِيكُنَا الَّذِينَ يَغْلِبُهُمْ مَنْ يَمْلِكُهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهِمْ ⦗٢٧٦⦘،
١٩٩٢٣ - وَإِنَّا لَا نَرْضَى أَهْلَ الْفِسْقِ مِنَّا، وَإِنْ أُلْزِمْنَا إِنَّمَا نَقْعُ عَلَى الْعُدُولِ بِنَا، وَلَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى الْبَالِغِينَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا خُوطِبَ بِالْقَرَائِنِ الْبَالِغُونَ دُونَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ "، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي هَذَا إِلَى أَنْ قَالَ: غَيْرَ أَنَّ مِنَ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقُوا،
١٩٩٢٤ - وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: ٢٨٢] يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي شَيْءٍ،
١٩٩٢٥ - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَجَازَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَابْنُ عَبَّاسٍ رَدَّهَا
ج ١٤ ص ٢٧٦١٩٩٢٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو زَكَرِيَّا قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي " شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ: لَا تَجُوزُ "
-
١٩٩٢٧ - قَالَ: وَزَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ يَقُولُ: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: ٢٨٢]
-
١٩٩٢٨ - قَالَ أَحْمَدُ: وَقَالَ أَبُو يَحْيَى: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، «لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ»
-
١٩٩٢٩ - قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «أَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْعَبْدِ إِذَا كَانَ عَدْلًا فِي الْحُقُوقِ بَيْنَ النَّاسِ» ⦗٢٧٧⦘
١٩٩٣٠ - قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَرُوِيَ قَبُولُ شَهَادَةِ الْعَبْدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: «مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا رَدَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ» ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَشُرَيْحٍ
ج ١٤ ص ٢٧٧١٩٩٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَفِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ. . .} [البقرة: ٢٨٢] إِلَى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: ٢٨٢] ، " وَقَوْلِ اللَّهِ: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢] ، دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا عَنَى الْمُسْلِمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ " ،
١٩٩٣٢ - وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَلَمَّا كَانَ الشُّهُودُ مِنَّا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى بِشَهَادَةِ شُهُودٍ مِنْ غَيْرِنَا،
١٩٩٣٣ - ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ شَهَادَةَ مُسْلِمٍ بِأَنْ نَعْرِفَهُ يَكْذِبُ عَلَى بَعْضِ الْآدَمِيِّينَ، وَيُجِيزُ شَهَادَةَ ذِمِّيٍّ وَهُوَ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؟ قَالَ: وَالْمَمَالِيكُ، الْعُدُولُ، وَالْمُسْلِمُونَ الْأَحْرَارُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا خَيْرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَيْفَ أُجِيزُ شَهَادَةَ الَّذِي هُوَ شَرٌّ، وَأَرُدُّ شَهَادَةَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ بِلَا كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا أَثَرٍ، وَلَا أَمْرٍ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ عَوَامُّ الْفُقَهَاءِ، وَمَنْ أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَأَعْدَلُهُمْ عِنْدَهُمْ أَعْظَمُهُمْ بِاللَّهِ شِرْكًا، أَسْجَدُهُمْ لِلصَّلِيبِ، وَأَلْزَمُهُمْ لِلْكَنِيسَةِ
١٩٩٣٤ - قَالَ: فَقَالَ لِي قَائِلٌ: إِنَّ شُرَيْحًا أَجَازَ شَهَادَتَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ شُرَيْحًا قَدْ قَالَ قَوْلًا لَا مُخَالِفَ لَهُ فِيهِ مِثْلَهُ، وَلَا كِتَابَ فِيهِ يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَكَيْفَ تَحْتَجُّ عَلَى الْكِتَابِ؟ ثُمَّ عَلَى دَارِ السُّنَّةِ وَالْهِجْرَةِ، وَعَلَى مُخَالِفِينَ لَهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ؟ ⦗٢٧٨⦘
١٩٩٣٥ - قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَقَدْ أَجَازَ شُرَيْحٌ شَهَادَةَ الْعَبْدِ، فَقَالَ لَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: أَتُجِيزُ عَلَيَّ شَهَادَةَ عَبْدٍ؟ فَقَالَ: قُمْ كُلُّكُمْ بَنُو عَبِيدٍ، وَإِمَاءٍ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ بِعَيْنِهَا بَيَانُ الْحُرِّيَةِ، وَهِيَ مُحْتَمَلَةٌ لَهَا، وَفِي الْآيَةِ بَيَانُ شَرْطِ الْإِسْلَامِ، فَلِمَ وَافَقَ شُرَيْحًا مَرَّةً، وَخَالَفَهُ أُخْرَى؟
-
١٩٩٣٦ - قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَتِنَا عَنِ ابْنِ سَعِيدٍ، وَإِنِ احْتَجَّ مَنْ تُجِيزُ شَهَادَتَهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: ١٠٦] ، فَقَالَ: مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِكُمْ فَكَيْفَ لَمْ يُجِزْهَا فِيمَا ذُكِرَتْ فِيهِ مِنَ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي السَّفَرِ، وَكَيْفَ لَمْ يُجِزْهَا مِنْ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ غَيْرُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؟ وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ
١٩٩٣٧ - قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحْتَجُّ فِيهَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لِمِنَ الْآثِمِينَ} [المائدة: ١٠٦] ، فَيَقُولُ: الصَّلَاةُ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمُونَ يَتَأَثَّمُونَ مِنْ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ، فَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَلَا صَلَاةَ لَهُمْ قَائِمَةً، وَلَا يَتَأَثَّمُونَ مِنْ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا عَلَيْهِمْ
١٩٩٣٨ - قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِ اللَّهِ: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢] وَاللَّهُ أَعْلَمُ
١٩٩٣٩ - قَالَ أَحْمَدُ: أَمَّا مَا سُمِعَ فِيهَا مِنَ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ، فَقَدْ رُوِّينَاهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، بِقَوْلِهِ: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} [المائدة: ١٠٦] ، وَرُوِّينَاهُ عَنْ عِكْرِمَةَ،
١٩٩٤٠ - وَأَمَّا مَا سُمِعَ فِيهَا مِنَ النَّسْخِ فَقَدْ رَوَاهُ عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ⦗٢٧٩⦘
١٩٩٤١ - قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقُلْتُ لِمَنْ خَالَفَنَا فِي هَذَا: إِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فِي وَصِيَّةِ مُسْلِمٍ أَفَتُجِيزُهَا فِي وَصِيَّةِ مُسْلِمٍ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَوَ تُحَلِّفُهُمْ إِذَا شَهِدُوا؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ وَلِمَ قَدْ تَأَوَّلَتْ أَنَّهَا فِي وَصِيَّةِ مُسْلِمٍ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، قُلْتُ: فَإِنْ نُسِخَتْ فِيمَا أُنْزِلَتْ فِيهِ لَمْ نَنْسَهَا فِيمَا لَمْ تَنْزِلْ فِيهِ
١٩٩٤٢ - قَالَ أَحْمَدُ: وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ إِلَى مَا
ج ١٤ ص ٢٧٩١٩٩٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُعَاذُ بْنُ مُوسَى الْجَعْفَرِيُّ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ بُكَيْرٌ: قَالَ مُقَاتِلٌ: أَخَذْتُ هَذَا التَّفْسِيرَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ} [المائدة: ١٠٦] مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ، أَنَّ " رَجُلَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ مِنْ أَهْلِ دَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا تَمِيمِيٌّ أَوْ قَالَ: تَمِيمٌ، وَالْآخَرُ يَمَانِيٌّ صَحِبَهُمَا مَوْلًى لِقُرَيْشٍ فِي تِجَارَةٍ، فَرَكِبُوا الْبَحْرَ، وَمَعَ الْقُرَشِيِّ مَالٌ مَعْلُومٌ قَدْ عَلِمَهُ أَوْلِيَاؤُهُ مِنْ بَيْنِ آنِيَةٍ وَبَزٍّ وَرِقَّةٍ، فَمَرِضَ الْقُرَشِيُّ، فَجَعَلَ وَصِيَّتَهُ إِلَى الدَّارِيَّيْنِ، فَمَاتَ، وَقَبَضَ الدَّارِيَّانِ الْمَالَ وَالْوَصِيَّةَ، فَدَفَعَاهُ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ، وَجَاءَا بِبَعْضِ مَالِهِ، فَأَنْكَرَ الْقَوْمُ قِلَّةَ الْمَالِ، فَقَالُوا لِلدَّارِيَّيْنِ: إِنَّ صَاحِبَنَا قَدْ خَرَجَ مَعَهُ بِمَالٍ أَكْثَرَ مِمَّا أَتَيْتُمُونَا بِهِ فَهَلْ بَاعَ شَيْئًا أَوِ اشْتَرَى شَيْئًا فَوَضَعَ فِيهِ؟ أَوْ هَلْ طَالَ مَرَضُهُ فَأَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَا: لَا، قَالُوا: فَإِنَّكُمَا خُنْتُمُونَا، فَقَبَضُوا الْمَالَ، وَرَفَعُوا أَمَرَهُمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} [المائدة: ١٠٦] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} [المائدة: ١٠٦] أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَحَلَفَا بِاللَّهِ رَبِّ السَّمَوَاتِ مَا تَرَكَ مَوْلَاكُمْ مِنَ الْمَالِ إِلَّا مَا أَتَيْنَاكُمْ بِهِ، وَإِنَّا لَا نَشْتَرِي بِأَيْمَانِنَا ثَمَنًا قَلِيلًا مِنَ الدُّنْيَا {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} [المائدة: ١٠٦] ، فَلَمَّا حَلَفَا خَلَّى سَبِيلَهُمَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ وَجَدُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِنَاءً مِنْ آنِيَةِ الْمَيِّتِ، فَأَخَذُوا الدَّارِيَّيْنِ، فَقَالَا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ، وَكَذَبَا، فَكُلِّفَا الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَقْدِرَا عَلَيْهَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ⦗٢٨٠⦘، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا} [المائدة: ١٠٧] - يَعْنِي الدَّارِيَّيْنِ - كَتَمَا حَقًّا {فَآخَرَانِ} [المائدة: ١٠٧] مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} [المائدة: ١٠٧] ، فَيَحْلِفَانِ بِاللَّهِ مَالُ صَاحِبِنَا كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَّ الَّذِي نَطْلُبُ قِبَلَ الدَّارِيَّيْنِ لَحَقٌّ {وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: ١٠٧] "
-
١٩٩٤٤ - فَهَذَا قَوْلُ الشَّاهِدَيْنِ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} [المائدة: ١٠٨] - يَعْنِي الدَّارِيَّيْنِ - وَالنَّاسَ أَنْ يَعُودُوا لِمِثْلِ ذَلِكَ
١٩٩٤٥ - قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَعْنِي مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِ الدَّارِيَّيْنِ مِنَ النَّاسِ، وَلَا أَعْلَمُ الْآيَةَ تَحْتَمِلُ مَعْنًى غَيْرَ جُمْلَةِ مَا قَالَ،
١٩٩٤٦ - ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ: إِنَّمَا مَعْنَى {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} [المائدة: ١٠٦] : أَيْمَانُ بَيْنِكُمْ، كَمَا سُمِّيَتْ أَيْمَانُ الْمُتَلَاعِنِينَ شَهَادَةً، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّا لَا نَعْلَمُ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَاهِدٍ يَمِينٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ أَوْ رُدَّتْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعُهُمْ خِلَافًا لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
١٩٩٤٧ - قَالَ أَحْمَدُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمِ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: ١٠٦] ، الشَّهَادَةَ نَفْسَهَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُدَّعِينَ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَشْهَدَانِ لَهُمْ بِمَا ادَّعَوْا عَلَى الدَّارِيَّيْنِ مِنَ الْخِيَانَةِ، ثُمَّ قَالَ: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: ١٠٦] يَعْنِي: إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِينَ مِنْكُمْ بَيِّنَةٌ فَالدَّارِيَّانِ اللَّذَانِ ادَّعَيَا عَلَيْهِمَا ⦗٢٨١⦘ يُحْبَسَانِ مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ: - يَعْنِي يَحْلِفَانِ - عَلَى إِنْكَارِ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا حَكَاهُ مُقَاتِلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ،
١٩٩٤٨ - وَهَذَا بَيِّنٌ وَأَصَحُّ وَقَدْ ثَبُتَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَعْنَى مَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، لَا أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ فِي حَدِيثِهِ دَعْوَى تَمِيمٍ، وَعَدِيٍّ أَنَّهُمَا اشْتَرَيَاهُ، وَحَفِظَهُ مُقَاتِلٌ
ج ١٤ ص ٢٨١١٩٩٤٩ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامَ فِضَّةٍ مُخَوَّصٌ بِالذَّهَبِ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ وَجَدَ الْجَامَ بِمَكَّةَ، قَالُوا: اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَأَنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} [المائدة: ١٠٦] " ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ،
١٩٩٥٠ - وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ
ج ١٤ ص ٢٨١١٩٩٥١ - وَأَمَّا الَّذِي رُوِيَ فِيهِ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَجَازَ شَهَادَةَ الْيَهُودِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ قَالَ: شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ " ، فَإِنَّهُ غَلَطٌ ⦗٢٨٢⦘
١٩٩٥٢ - وَإِنَّمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «كَانَ شُرَيْحٌ يُجِيزُ شَهَادَةَ كُلِّ مِلَّةٍ عَلَى مِلَّتِهَا، وَلَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ، وَلَا النَّصْرَانِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ إِلَّا الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُجِيزُ شَهَادَتَهُمْ عَلَى الْمِلَلِ كُلِّهَا» ،
١٩٩٥٣ - هَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُجَالِدٍ
ج ١٤ ص ٢٨٢١٩٩٥٤ - وَرَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ شُرَيْحٍ، «إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ فِي أَرْضِ غُرْبَةٍ، فَلَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا، فَأَشْهَدَ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ شَاهِدَيْنِ فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ، فَإِنْ جَاءَ مُسْلِمَانِ فَشَهِدَا بِخِلَافِ ذَلِكَ أُخِذَ بِهِمَا»
-
١٩٩٥٥ - وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ «كَانَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ يَهُودِيٍّ، وَلَا نَصْرَانِيٍّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِلَّا فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَا يُجِيزُهَا فِي الْوَصِيَّةِ إِلَّا فِي السَّفَرِ»
-
١٩٩٥٦ - وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي «شَهَادَةِ نَصْرَانِيَّيْنِ عَلَى وَصِيَّةِ مُسْلِمٍ لَمْ يَشْهَدْ مَوْتَهُ غَيْرُهُمْ، فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَأَجَازَ شَهَادَتَهُمَا» ،
١٩٩٥٧ - وَهَذَا كُلُّهُ يُخَالِفُ مَذْهَبَ الْعِرَاقِيِّينَ فِي شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ
ج ١٤ ص ٢٨٢١٩٩٥٨ - وَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ رَاشِدٍ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ مِلَّةٍ إِلَّا مِلَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمْ» ⦗٢٨٣⦘،
١٩٩٥٩ - فَلَمْ نَرَ أَنْ نَحْتَجَّ بِهِ لِضَعْفِ حَالِ عُمَرَ بْنِ رَاشِدٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ