- (باب الرياء في الصدقة)
٧ فقرات، ج ٨ ص ٢٦٦
- ج ٨ ص ٢٦٦
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الرِّيَاء فِي الصَّدَقَة، الرِّيَاء: مصدر من راءيت الرجل مراآة ورياء أَي: خلاف مَا أَنا عَلَيْهِ، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {الَّذين هم يراؤن} (الماعون: ٦) . يَعْنِي: الْمُنَافِقين إِذا صلى الْمُؤْمِنُونَ صلوا مَعَهم يراؤنهم أَنهم على مَا هم عَلَيْهِ، وَفِي (الْمغرب) ؛ وَمن راأى راأى الله بِهِ، أَي: من عمل عملا لكَي يرَاهُ النَّاس شهر الله رياءه يَوْم الْقِيَامَة. ورأيا بِالْيَاءِ خطا، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: فلَان مراء وَقوم مراؤن وَالِاسْم الرِّيَاء. يُقَال: فعل ذَلِك رِيَاء وَسُمْعَة. وَقَالَ أَبُو حَامِد: الرِّيَاء مُشْتَقّ من الرُّؤْيَة وَأَصله طلب الْمنزلَة فِي قُلُوب النَّاس بإراءتهم الْخِصَال المحمودة، فحد الرِّيَاء هُوَ إراءة الْعباد بِطَاعَة الله تَعَالَى، فالمرائي هُوَ العابد، والمرائي لَهُ هُوَ النَّاس والمراأى بِهِ هُوَ الْخِصَال الحميدة، والرياء هُوَ قصد إِظْهَار ذَلِك.
-
لِقَوْلِهِ تَعالى: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنِّ والأذَى} إلَى قَوْلِهِ {الكافِرِينَ} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) .
-
علل الرِّيَاء فِي الصَّدَقَة بقوله تَعَالَى: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . إِلَى آخِره، فَإِن الله تَعَالَى شبه الَّذِي يبطل صدقته بالمن والأذى بِالَّذِي ينْفق مَاله رئاء النَّاس، وَلَا شكّ أَن الَّذِي يرائي فِي صدقته أسوء حَالا من الْمُتَصَدّق بالمن، لِأَنَّهُ قد علم أَن الْمُشبه بِهِ يكون أقوى حَالا من الْمُشبه، وَلِهَذَا قَالَ فِي حق الْمرَائِي: وَلَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، ثمَّ ضرب مثل ذَلِك الْمرَائِي بإنفاقه. بقوله: {فَمثله كَمثل صَفْوَان} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . إِلَى آخِره ثمَّ إِن صدر الْآيَة خطاب للْمُؤْمِنين خاطبهم بقوله: {وَلَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . أَي: ثَوَاب صَدقَاتكُمْ وأجور نفقاتكم. وَفِي (صَحِيح مُسلم) من حَدِيث أبي ذَر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم
ج ٨ ص ٢٦٧وَلَهُم عَذَاب أَلِيم: المنان بِمَا أعْطى، والمسبل إزَاره، والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب) . وَلما خاطبهم بِهَذَا الْخطاب ونهاهم عَن إبِْطَال صَدَقَاتهمْ بالمن والأذى شبه إبطالهم بإِطال الْمُنَافِق الَّذِي ينْفق مَاله رئاء النَّاس لَا يُرِيد بإنفاقه، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَلَا ثَوَاب الْآخِرَة، ثمَّ مثل ذَلِك بِصَفْوَان، وَهُوَ الْحجر الأملس عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ وابل، أَي: مطر شَدِيد عَظِيم الْقدر فَتَركه صَلدًا وَهُوَ الأملس الَّذِي لَا ينبث عَلَيْهِ شَيْء، ثمَّ قَالَ: لَا يقدرُونَ على شَيْء مِمَّا كسبوا أَي: لَا يَجدونَ يَوْم الْقِيَامَة ثَوَاب شَيْء مِمَّا عمِلُوا كَمَا لَا يحصل النَّبَات من الأَرْض الصلدة، أَو من التُّرَاب الَّذِي على الصفوان، ثمَّ قَالَ: وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين. أَي: لَا يخلق لَهُم الْهِدَايَة وَلَا يهْدِيهم غَدا لطريق الْجنَّة شبه الْكَافِر بالصفوان وَعَمله بِالتُّرَابِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: صَلْدا لَيْسَ عَليه شَيءٌ
لما كَانَ لفظ: صَلدًا، مَذْكُورا فِي الْآيَة الْكَرِيمَة علق تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس، وَصله مُحَمَّد بن جرير عَن مُحَمَّد بن سعد حَدثنِي أبي، قَالَ: حَدثنِي عمر قَالَ: حَدثنِي أبي عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {فَتَركه صَلدًا لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . وَفِي رِوَايَة: تَركهَا نقية لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْء، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي تَفْسِيره: حَدثنَا أَبُو زرْعَة حَدثنَا منْجَاب بن الْحَارِث أخبرنَا بشر عَن أبي روق عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {فَتَركه صَلدًا} (الْبَقَرَة: ٤٦٢) . يَقُول: فَتَركه يَابسا حاشيا لَا ينْبت شَيْئا.
-
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَابِلٌ مطَرٌ شَدِيدٌ وَالطَّلُّ النَّدَى
لما كَانَ لفظ الوابل علق تَفْسِيره عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس، وَوَصله عبد بن حميد فِي (تَفْسِيره) : حَدثنَا روح عَن عُثْمَان بن غياث، سَمِعت عِكْرِمَة يَقُول: أَصَابَهَا وابل مطر شَدِيد، والطل: الندى، بِفَتْح النُّون، وَلَيْسَ فِي الْآيَة إلَاّ ذكر الصفوان والوابل. قَالَ الطَّبَرِيّ: الصفوان وَاحِد وَجمع، فَمن جعله جمعا قَالَ: واحدته صفوانة بِمَنْزِلَة: تَمْرَة وتمر ونخل ونخلة، وَمن جعله وَاحِدًا جمعه على صَفْوَان وصفى وصفى. وَفِي (الْمُحكم) : الصفاة الْحجر الصلد الضخم الَّذِي لَا ينْبت شَيْئا وَجمع الصفاة صغوات وصفى، وَجمع الْجمع: أصفاء وصفي، قَالَ:
(كَأَن منبته من الصفى)
-
مواقع الطير على الصفى
كَذَا أنْشدهُ دُرَيْد لِأَن بعده:
من طول إشرافي على الطرى
وحكمنا: أَن أصفاه وصفيا جمع: صفى لَا جمع صفاة. لِأَن فعلة لَا يكسر على فعول، إِنَّمَا ذَلِك لفعلة كبدرة وبدور، وَكَذَلِكَ أصفاء جمع صفا، لَا جمع صفاة، لِأَن فعلة لَا تجمع على أَفعَال. وَهُوَ الصفواء كالصخراء واحدتها صفاة، وَكَذَلِكَ الصفوان واحدته صفوانة. وَفِي (الجمهرة) : الصَّفَا من الْحِجَارَة مَقْصُور ويثنى صَفْوَان، والصفواء صَخْرَة وَهِي الصفوانة أَيْضا. وَفِي (الْجَامِع) : عَن قطرب، صَفْوَان، بِكَسْر الصَّاد، وَقَرَأَ سعيد بن الْمسيب: صَفْوَان، بتحريك الْفَاء قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ.
-
٧ - بابٌ لَا يَقْبَلُ الله صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا يَقْبَلُ إلَاّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَى وَالله غَنِيٌّ حَلِيمٌ (الْبَقَرَة: ٣٦٢) .
-
أَي: هَذَا بَاب تَرْجَمته: لَا يقبل الله صَدَقَة من غلُول، هَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: بَاب لَا تقبل صَدَقَة من غلُول. فَقَوله: لَا تقبل، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَهَذَا قِطْعَة من حَدِيث أخرجه مُسلم من حَدِيث مُصعب ابْن سعد، قَالَ: دخل عبد الله بن عمر على ابْن عَامر يعودهُ وَهُوَ مَرِيض، فَقَالَ: أَلا تَدْعُو الله لي يَا ابْن عمر؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَا تقبل صَلَاة بِغَيْر طهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول، وَكنت على الْبَصْرَة. قلت: كَأَنَّهُ قَاس الدُّعَاء على الصَّلَاة، فَكَمَا أَن الصَّلَاة لَا تكون إلَاّ عَن مصون من الأقذار، فَكَذَلِك الدُّعَاء للمصون من تبعات النَّاس، وكنتَ على الْبَصْرَة وتعلقت بك حُقُوق النَّاس، وَكَأَنَّهُ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قصد بِهَذَا الزّجر عَلَيْهِ والحث على التَّوْبَة. وَأخرجه الْحسن بن سُفْيَان فِي (مُسْنده) عَن أبي كَامِل، أحد مَشَايِخ مُسلم، فِيهِ بِلَفْظ: (لَا يقبل الله صَلَاة إلَاّ بِطهُور وَلَا صَدَقَة من غلُول) . وروى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) :
ج ٨ ص ٢٦٨حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي الْمليح عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا يقبل الله تَعَالَى صَدَقَة من غلُول وَلَا صَلَاة بِغَيْر طهُور) . الْغلُول: بِضَم الْغَيْن الْخِيَانَة فِي الْمغنم وَالسَّرِقَة من الْغَنِيمَة قبل الْقِسْمَة، يُقَال: غل فِي الْمغنم يغل من بَاب ضرب يضْرب غلولاً، فَهُوَ غال، كل من خَان فِي شَيْء خُفْيَة فقد غل، وَسميت غلولاً لِأَن الْأَيْدِي فِيهَا مغلولة أَي مَمْنُوعَة مجعول فِيهَا غل وَهُوَ الحديدة الَّتِي تجمع يَد الْأَسير إِلَى عُنُقه، وَيُقَال لَهَا: جَامِعَة، أَيْضا. وَذكر ابْن سَيّده أَنه يُقَال: غل يغل غلولاً وأغل: خَان، وَخص بَعضهم بِهِ الخون فِي الْفَيْء وأغله خونه، وَالْإِغْلَال السّرقَة. قَالَ ابْن السّكيت: لم يسمع فِي الْمغنم إلَاّ غل غلولاً. وَفِي (الصِّحَاح) : يُقَال من الْخِيَانَة: أغل يغل، وَمن الحقد غل يغل وَمن الْغلُول غل يغل بِالضَّمِّ. قَوْله: (وَلَا صَلَاة) نكرَة فِي سِيَاق النَّفْي فتعم وتشمل سَائِر الصَّلَوَات من الْفَرْض وَالنَّفْل وَالطهُور، بِضَم الطَّاء، وَالْمرَاد بِهِ الْفِعْل، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين. وَقد قيل: يجوز فتحهَا وَهُوَ بِعُمُومِهِ يتَنَاوَل المَاء وَالتُّرَاب. قَوْله: (وَلَا يقبل إلَاّ مِن كسب طيب) هَذَا فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْآتِي بعد هَذَا. قَوْله: (لقَوْله) أَي: لقَوْل الله تَعَالَى. قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه تَعْلِيله بقوله تَعَالَى: {ومغفرة خير من صَدَقَة} (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . قلت: تِلْكَ الصَّدَقَة يتبعهَا الْأَذَى يَوْم الْقِيَامَة بِسَبَب الْخِيَانَة، وَنقل عَن بَعضهم وَجه مُطَابقَة التَّرْجَمَة لِلْآيَةِ: أَن الْأَذَى بعد الصَّدَقَة يُبْطِلهَا، فَكيف بالأذى الْمُقَارن لَهَا؟ وَذَلِكَ أَن الغال متصدق بِمَال مَغْصُوب، وَالْغَاصِب مؤذ لصَاحب المَال عَاص بتصرفه فِيهِ، فَكَانَ أولى بالإبطال. وَقَالَ ابْن الْمُنِير. فَإِن قلت: مَا وَجه الْجمع بَين التَّرْجَمَة وَالْآيَة؟ وهلا ذكر قَوْله تَعَالَى: {انفقوا من طَيّبَات مَا كسبتم} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . قَالَ: قلت: جرى على عَادَته فِي إِيثَار الاستنباط الْخَفي والاتكال فِي الِاسْتِدْلَال الْجَلِيّ على سبق الأفهام لَهُ، وَوجه الاستنباط لَهُ يحْتَمل أَن الْآيَة لَهَا إِثْبَات الصدقةُ غير أَن الصَّدَقَة لما تبعها سَيِّئَة الْأَذَى بطلت، فالغلول غصب إِذا فيقارن الصَّدَقَة فَتبْطل بطرِيق الأولى. قَوْله: {قَول مَعْرُوف} (الْبَقَرَة: ٧٦٢) . أَي: كَلَام حسن ورد جميل على السَّائِل، وَقيل: دُعَاء صَالح يَدْعُو لَهُ. وارتفاع: قَول، على الِابْتِدَاء وَإِن كَانَ نكرَة لِأَنَّهُ يخصص بِالصّفةِ. وَقَوله: {خير} (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . خَبره وَقَوله: {ومغفرة} (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . أَي: ستر وَتجَاوز من السَّائِل إِذا استطال عَلَيْهِ: {خير من صَدَقَة يتبعهَا أَذَى} (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . بمنة. وَقيل: مغْفرَة، أَي: عَفْو عَن ظلم قولي أَو فعلي خير من صَدَقَة يتبعهَا أَذَى. وَقَالَ الضَّحَّاك: يَقُول: أَن تمسك مَالك خير من أَن تنفقه ثمَّ تتبعه منا وأذى. وَيُقَال: لما علم الله أَن الْفَقِير إِذا رد بِغَيْر نوال يشق عَلَيْهِ، وَرُبمَا يَدْعُو عَلَيْهِ ببسط اللِّسَان وَإِظْهَار الشكوى حث على الصفح وَالْعَفو. ثمَّ قَالَ: {وَالله غَنِي} (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . عَن صَدَقَة الْعباد، وَلَو شَاءَ لأغنى جَمِيع الْخلق، وَلكنه أعْطى الْأَغْنِيَاء لينْظر كَيفَ شكرهم، وابتلى الْفُقَرَاء لينْظر كَيفَ صبرهم: {حَلِيم} (الْبَقَرَة: ٣٦٢) . لَا يعجل بالعقوبة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: غَنِي لَا حَاجَة بِهِ إِلَى منفق يمن ويؤذي، حَلِيم عَن معالجته بالعقوبة، وَهَذَا سخط مِنْهُ ووعيد لَهُ. وَالله أعلم.