- (باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة وقوله {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} )
٨ فقرات، ج ٩ ص ٩٤
- ج ٩ ص ٩٤
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان صَلَاة الإِمَام ودعائه لصَاحب الصَّدَقَة، وَالْمرَاد من الصَّلَاة الدُّعَاء لِأَن مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ ذَلِك، وَإِنَّمَا عطف لفظ الدُّعَاء على الصَّلَاة لِئَلَّا يفهم أَن الدُّعَاء بِلَفْظ الصَّلَاة مُتَعَيّن، بل إِذا دعِي بِلَفْظ يُؤَدِّي معنى الثَّنَاء وَالْخَيْر فَإِنَّهُ يَكْفِي، مثل أَن يَقُول: آجرك فِيمَا أَعْطَيْت وَبَارك لَك فِيمَا أبقيت أَو يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وَتقبل مِنْهُ، وَنَحْو ذَلِك، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث وَائِل بن حجر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي رجل بعث بِنَاقَة حَسَنَة فِي الزَّكَاة: اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ وَفِي إبِله. قيل: إِنَّمَا ذكر لفظ الإِمَام فِي التَّرْجَمَة ردا لشُبْهَة أهل الرِّدَّة فِي قَوْلهم لأبي بكر الصّديق: إِنَّمَا قَالَ الله عز وَجل لرَسُوله: {وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . وَادعوا خُصُوصِيَّة ذَلِك بالرسول، فَأَرَادَ أَن كل إِمَام دَاخل فِيهِ، وَلِهَذَا ذكر هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله من الْمَجْرُور أَعنِي: لفظ الصَّلَاة وَالدُّعَاء، أَمر الله تَعَالَى رَسُوله أَن يَأْخُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا، وَأمره أَن يُصَلِّي عَلَيْهِم بقوله: {وصل عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . أَي: ادْع لَهُم واستغفر لَهُم، كَمَا يَأْتِي فِي حَدِيث الْبَاب: (عَن عبد الله ابْن أبي أوفى قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا أَتَى بِصَدقَة قوم صلى عَلَيْهِم، فَأَتَاهُ أبي بِصَدقَة فَقَالَ: اللَّهُمَّ صلِّ على آل أبي أوفى) . وَفِي حَدِيث آخر: (إِن امْرَأَة قَالَت: يَا رَسُول الله، صل عَليّ وعَلى زَوجي! فَقَالَ: صلى الله عَلَيْك وعَلى زَوجك) . قَوْله: {إِن صَلَاتك سكن لَهُم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . قَالَ ابْن عَبَّاس: أَي سكن لَهُم، وَقَالَ قَتَادَة: وقار وقرىء: {إِن صلواتك} على الْجمع. قَوْله: {وَالله سميع عليم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . أَي: سميع لدعائك عليم من يسْتَحق ذَلِك مِنْك، وَمن هُوَ أهل لَهُ. وَقَالَ ابْن بطال: مَعْنَاهُ صل عَلَيْهِم إِذا مَاتُوا صَلَاة الْجِنَازَة لِأَنَّهَا فِي الشَّرِيعَة مَحْمُولَة على الصَّلَاة أَي: الْعِبَادَة المفتتحة بِالتَّكْبِيرِ المختتمة بِالتَّسْلِيمِ، أَو أَنه من خَصَائِص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ لم ينْقل أحد أَنه أَمر السعاة بذلك، وَلَو كَانَ وَاجِبا لأمرهم بِهِ ولعلمهم كيفيته، وبالقياس على اسْتِيفَاء سَائِر الْحُقُوق إِذْ لَا يجب الدُّعَاء فِيهِ. انْتهى. قلت: لم ينْحَصر معنى قَوْله تَعَالَى: {وصل عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . على مَا ذكره ابْن بطال من الصَّلَاة على الْجِنَازَة، بل جُمْهُور الْمُفَسّرين فسروا قَوْله: {وصل عَلَيْهِم} (التَّوْبَة: ٣٠١) . مثل مَا ذكرنَا، وَعَن هَذَا قَالَ الْخطابِيّ: أصل الصَّلَاة فِي اللُّغَة الدُّعَاء إلَاّ أَن الدُّعَاء يخْتَلف بِحَسب الْمَدْعُو لَهُ، فَصلَاته عَلَيْهِ السَّلَام لأمته دُعَاء لَهُم بالمغفرة، وَصَلَاة الْأمة لَهُ دُعَاء لَهُ بِزِيَادَة الْقرْبَة والزلفة، وبظاهر الْآيَة أَخذ أهل الظَّاهِر، وَقَالُوا: الدُّعَاء وَاجِب، وَخَالفهُم جَمِيع الْعلمَاء، وَقَالُوا: إِنَّه مُسْتَحبّ لِأَنَّهَا تقع الْموقع وَإِن لم يدع، وَلَو كَانَ وَاجِبا، لأمر السعاة بِهِ، كَمَا ذكرنَا.
-
٧٩٤١ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ عَمْرٍ وعنْ عَبْدِ الله بنِ أبي أوْفَى قَالَ
ج ٩ ص ٩٥كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أتاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فأتاهُ أبي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أبِي أوْفَى..
-
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُصَلِّي على من يَأْتِي بِصَدَقَتِهِ أَي: زَكَاته، والترجمة فِي صَلَاة الإِمَام لصَاحب الصَّدَقَة.
-
ذكر رِجَاله وهم: أَرْبَعَة: الأول: حَفْص بن عمر بن الْحَارِث أَبُو حَفْص الحوضي. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الثَّالِث: عَمْرو بن مرّة، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الرَّاء: ابْن عبد الله بن طَارق الْمرَادِي، وَقد مر فِي تَسْوِيَة الصُّفُوف. الرَّابِع: عبد الله بن أبي أوفى، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْفَاء وبالقصر: واسْمه عَلْقَمَة بن خَالِد بن الْحَارِث الْأَسْلَمِيّ الْمدنِي من أَصْحَاب بيعَة الرضْوَان، رُوِيَ لَهُ خَمْسَة وَتسْعُونَ حَدِيثا للْبُخَارِيّ خَمْسَة عشر، وَهُوَ آخر من بَقِي من أَصْحَابه بِالْكُوفَةِ، مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ وَهُوَ أحد الصَّحَابَة السَّبْعَة الَّذين أدركهم أَبُو حنيفَة سنة ثَمَانِينَ، وَكَانَ عمره سبع سِنِين، سنّ التَّمْيِيز والإدراك من الْأَشْيَاء. وَقيل: مولده سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَقيل سنة سبعين، وَالْأول أصح وَأشهر.
-
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: عَن عَمْرو عَن عبد الله وَفِي الْمَغَازِي عَن عَمْرو: وَسمعت ابْن أبي أوفى، وَكَانَ من أَصْحَاب الشَّجَرَة. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده وَهُوَ كُوفِي وَشعْبَة واسطي وَعَمْرو بن مرّة كُوفِي تَابِعِيّ صَغِير لم يسمع من الصَّحَابَة إلَاّ من ابْن أبي أوفى، وَقَالَ: شُعْبَة كَانَ لَا يُدَلس.
-
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمَغَازِي عَن آدم، وَفِي الدَّعْوَات عَن مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم وَسليمَان بن حَرْب فرقهما. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَعَمْرو النَّاقِد وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، أربعتهم عَن وَكِيع، وَعَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن عبد الله بن إِدْرِيس. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن حَفْص بن عمر وَأبي الْوَلِيد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن يزِيد عَن بهز بن أَسد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن وَكِيع كلهم عَن شُعْبَة بِهِ.
-
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِذا أُتِي بِصَدقَة) ، أَي: بِزَكَاة. قَوْله: (صلِّ على آل فلَان) ، كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: (صل على فلَان) . قَوْله: (صلِّ على آل أبي أوفى) ، يُرِيد بِهِ: أَبَا أوفى، وَأما لفظ آل، فمقحم، وَأما إِن المُرَاد بِهِ ذَات أبي أوفى لِأَن الْآل يذكر وَيُرَاد بِهِ ذَات الشَّيْء، كَمَا قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قصَّة أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: (لقد أُوتِيَ مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد) . يُرِيد بِهِ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام، وَقيل: لَا يُقَال ذَلِك، إلَاّ فِي حق الرجل الْجَلِيل الْقَدِير، كآل أبي بكر وَآل عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَقيل: آل الرجل: أَهله، وَالْفرق بَين الْآل والأهل: أَن الْآل قد خص بالأشراف، فَلَا يُقَال آل الحائك وَلَا آل الْحجام. فَإِن قلت: كَيفَ قيل: آل فِرْعَوْن؟ قلت: لتصوره بِصُورَة الْأَشْرَاف، وَفِي الصِّحَاح: أصل آل: أول، وَقيل: أهل، وَلِهَذَا يُقَال فِي تصغيره: أهيل.
-
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: احْتج بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور من جوز الصَّلَاة على غير الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، بالاستقلال وَهُوَ قَول أَحْمد أَيْضا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرُونَ: إِنَّه لَا يُصَلِّي على غير الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام اسْتِقْلَالا، فَلَا يُقَال: اللَّهُمَّ صل على آل أبي بكر وَلَا على آل عمر أَو غَيرهمَا، وَلَكِن يصلى عَلَيْهِم تبعا. وَالْجَوَاب عَن هَذَا أَن هَذَا حَقه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لَهُ أَن يُعْطِيهِ لمن شَاءَ، وَلَيْسَ لغيره ذَلِك. وَفِيه: جَوَاز أَن يُقَال: آل فلَان، يُرِيد بِهِ فلَانا، وَفِيه: اسْتِحْبَاب الدُّعَاء للمتصدق، كَمَا ذَكرْنَاهُ مشروحا.