- (باب من تكفل عن ميت دينالله فليس له أن يرجع)
١٢ فقرة، ج ١٢ ص ١١٩
- ج ١٢ ص ١١٩
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من تكفل عَن ميت دينا كَانَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع عَن الْكفَالَة لِأَنَّهَا لَزِمته وَاسْتقر الْحق فِي ذمَّته. قيل يحْتَمل أَن يُرِيد فَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع فِي التَّرِكَة بِالْقدرِ الَّذِي تكفل بِهِ. قلت: قد ذكرنَا أَن فِيهِ اخْتِلَاف الْعلمَاء، فَقَالَ ابْن أبي ليلى: الضَّمَان لَازم سَوَاء ترك الْمَيِّت شَيْئا أم لَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا ضَمَان عَلَيْهِ، فَإِن ترك الْمَيِّت شَيْئا ضمن بِقدر مَا ترك، وَإِن ترك وَفَاء ضمن جَمِيع مَا تكفل بِهِ. وَلَا رُجُوع لَهُ فِي التَّرِكَة لِأَنَّهُ مُتَطَوّع. وَقَالَ مَالك: لَهُ الرُّجُوع إِذا ادَّعَاهُ.
- ج ١٢ ص ١٢٠
وَبِه قالَ الحَسَنُ
أَي: بِعَدَمِ الرُّجُوع قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَهُوَ قَول الْجُمْهُور من الْعلمَاء.
-
٥٩٢٢ - حدَّثنا أَبُو عاصِمٍ عنْ يَزِيدَ بنِ أبِي عُبَيْدٍ عنْ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَع رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أُتِي بِجَنازَةٍ لِيُصَلِّي عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ صَلُّوا عَلى صاحِبِكُمْ. قَالَ أبُو قَتَادَةَ علَيَ دَيْنُهُ يَا رَسُول الله فَصَلَّى عليْهِ. (انْظُر الحَدِيث ٩٨٢٢) .
-
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (قَالَ أَبُو قَتَادَة عَليّ دينه) ، والْحَدِيث قد مضى بأتم مِنْهُ فِي: بَاب إِذا أحَال دين الْمَيِّت على رجل جَازَ، قبل هَذَا الْبَاب ببابين، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْمَكِّيّ بن إِبْرَاهِيم عَن يزِيد بن أبي عُبَيْدَة عَن سَلمَة إِلَى آخِره، وَهنا أخرجه: عَن أبي عَاصِم وَهُوَ الضَّحَّاك بن مخلد النَّبِيل، قَالَ الْكرْمَانِي: هَذَا الحَدِيث ثامن ثلاثيات البُخَارِيّ. قلت: هَذَا الحَدِيث قد مر مرّة كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن فَلَا يكون هَذَا ثامنا، بل سابعا، وَذكر هَذَا الحَدِيث هُنَاكَ فِي الْحِوَالَة وَذكره هَهُنَا فِي الْكفَالَة لِأَنَّهُمَا متحدان عِنْد الْبَعْض أَو متقاربان، ثمَّ إِنَّه اقْتصر فِي هَذَا الطَّرِيق على ذكر جنازتين من الْأَمْوَات، وَهنا ذكر ثَلَاثَة، وَقد سَاقه الْإِسْمَاعِيلِيّ هُنَا أَيْضا تَاما وَزَاد فِيهِ: أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: ثَلَاث كيات، وَكَأَنَّهُ ذكر ذَلِك لكَونه كَانَ من أهل الصّفة فَلم يُعجبهُ أَن يدّخر شَيْئا.
-
٦٩٢٢ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عبدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ قَالَ حدَّثنا عَمْرٌ ووقال سَمِعَ محَمَّدَ بنَ عَلِيٍّ عنْ جابرِ ابنِ عَبدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَوْ قدْ جاءَ مالُ البَحْرَيْنِ قَدْ أعْطَيْتُكَ هَكَذَا وهَكذَا فَلَمْ يَجِيءْ مالُ البَحْرَيْنِ حتَّى قبِضَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَمَّا جاءَ مالُ البَحْرَيْنِ أمَرَ أبُو بَكْرٍ فنَادَى منْ كانَ لَهُ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عِدَةٌ أوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فأتَيْتُهُ فَقُلْتُ إنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لي كَذَا وكذَا فَحَثَى لِي حَثْيَهُ فَعَدَدْتُها فإذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ وَقَالَ خُذْ مِثْلَيْهَا. .
-
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَبَا بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَمَا قَامَ مقَام النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تكفل بِمَا كَانَ عَلَيْهِ من وَاجِب أَو تطوع، فَلَمَّا الْتزم ذَلِك لزمَه أَن يُوفي جَمِيع مَا عَلَيْهِ من دين وعدة، وَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحب الْوَفَاء بالوعد، وَنفذ أَبُو بكر ذَلِك.
-
ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع: مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: جَابر بن عبد الله.
-
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: السماع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه مدنيان وسُفْيَان وَعَمْرو مكيان. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وَعَمْرو بن دِينَار روى كثيرا عَن جَابر، وَهَهُنَا كَانَ بَينهمَا وَاسِطَة هُوَ: مُحَمَّد بن عَليّ.
-
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْخمس عَن عَليّ بن عبد الله أَيْضا، وَفِي الْمَغَازِي عَن قُتَيْبَة وَفِي الشَّهَادَات عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى. وَأخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن مُحَمَّد بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم وَعَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر.
-
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَو قد جَاءَ) ، وَمعنى: قد، هَهُنَا لتحَقّق الْمَجِيء. قَوْله: (مَال الْبَحْرين) ، وَالْمرَاد بِالْمَالِ مَال الْجِزْيَة، والبحرين على لفظ تَثْنِيَة الْبَحْر، مَوضِع بَين الْبَصْرَة وعمان، وَكَانَ الْعَامِل عَلَيْهَا من جِهَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ. قَوْله: (قد
ج ١٢ ص ١٢١أَعطيتك هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) وَفِي الشَّهَادَات: فَبسط يَده ثَلَاث مَرَّات. قَوْله: (عدَّة) أَي: وأصل عدَّة وعد، فَلَمَّا حذفت الْوَاو عوضت عَنْهَا الْيَاء فِي آخِره فوزنه على هَذَا عِلّة. قَوْله: (فَحثى لي حثية) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، والحثية ملْء الْكَفّ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هِيَ الحفنة. وَقَالَ ابْن فَارس: هِيَ ملْء الْكَفَّيْنِ وَالْفَاء فِي: فَحثى، عطف على مَحْذُوف تَقْدِيره: خُذ هَكَذَا، وَأَشَارَ بيدَيْهِ، وَفِي الْوَاقِع هُوَ تَفْسِير لقَوْله: خُذ هَكَذَا. قَوْله: (وَقَالَ خُذ مثليها) ، أَي: قَالَ أَبُو بكر: خُذ أَيْضا مثلي خَمْسمِائَة، فالجملة ألف وَخَمْسمِائة، وَذَلِكَ لِأَن جَابِرا لما قَالَ: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لي: كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُ: لَو قد جَاءَ مَال الْبَحْرين أَعطيتك هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، ثَلَاث مَرَّات، حثى لَهُ أَبُو بكر حثية، فَجَاءَت خَمْسمِائَة، ثمَّ قَالَ: خُذ مثليها، ليصير ثَلَاث مَرَّات تنفيذا لما وعده النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بقوله: هَكَذَا، ثَلَاث مَرَّات، وَكَانَ ذَلِك وَعدا من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَانَ من خلقه الْوَفَاء بالعهد، ونفذه أَبُو بكر بعد وَفَاته، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه: قبُول خبر الْوَاحِد الْعدْل من الصَّحَابَة وَلَو جر ذَلِك نفعا لنَفسِهِ، لِأَن أَبَا بكر لم يلْتَمس من جَابر شَاهدا على صِحَة دَعْوَاهُ. انْتهى. قلت: إِنَّمَا لم يلْتَمس شَاهدا مِنْهُ لِأَنَّهُ عدل بِالْكتاب وَالسّنة. أما الْكتاب فَقَوله تَعَالَى: {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس} (آل عمرَان: ٠١) . {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا} (الْبَقَرَة: ٣٤١) . فَمثل جَابر إِن لم يكن من خير أمة فَمن يكون. وَأما السّنة: فَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من كذب عَليّ مُتَعَمدا. .) الحَدِيث، وَلَا يظنّ ذَلِك لمُسلم. فضلا عَن صَحَابِيّ، فَلَو وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة الْيَوْم فَلَا تقبل إلَاّ بِبَيِّنَة. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَيحْتَمل أَن يكون أَبُو بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، علم بذلك فَقضى لَهُ بِعِلْمِهِ فيستدل بِهِ على جَوَاز مثل ذَلِك للْحَاكِم. انْتهى.
قلت: هَذَا الْبَاب فِيهِ تَفْصِيل وَلَيْسَ على الْإِطْلَاق، لِأَن علم القَاضِي على أَنْوَاع.
-
مِنْهَا: مَا يعلم بِهِ قبل الْبلُوغ وَقبل الْولَايَة من الْأَقْوَال الَّتِي يسْمعهَا وَالْأَفْعَال الَّتِي يشاهدها. وَمِنْهَا: مَا يعلمهَا بعد الْبلُوغ قبل الْولَايَة. وَمِنْهَا: مَا يُعلمهُ بعد الْولَايَة وَلَكِن فِي غير عمله الَّذِي وليه. وَمِنْهَا: مَا يُعلمهُ بعد الْولَايَة فِي عمله الَّذِي وليه. فَفِي الْفَصْل الأول: لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ مُطلقًا. وَفِي الْفَصْل الثَّانِي: خلاف بَين أبي حنيفَة وصاحبيه، فَعِنْدَ أبي حنيفَة: لَا يقْضِي، وَعِنْدَهُمَا: يقْضِي إلَاّ فِي الْحُدُود وَالْقصاص، وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ، وَفِي الثَّانِي: لَا يقْضِي أَيْضا، وَفِي الرَّابِع: يقْضِي بِلَا خلاف. وَقَالَ ابْن التِّين: فِي الحَدِيث جَوَاز هبة الْمَجْهُول والآبق وَالْكَلب، وَفِي (حاوي) الْحَنَابِلَة: وَتَصِح هبة الْمشَاع، وَإِن تَعَذَّرَتْ قسمته، وَفِي (الرَّوْضَة) للشَّافِعِيَّة: تجوز هبة الْمشَاع سَوَاء المنقسم أَو غَيره، وساء وهبه للشَّرِيك أَو غَيره، وَيجوز هبة الأَرْض المزروعة مَعَ زَرعهَا وَدون زَرعهَا وَعَكسه. انْتهى، وَعِنْدنَا: لَا تجوز الْهِبَة فِيمَا لَا يقسم إلَاّ محوزة أَي: مفرغة عَن أَمْلَاك الْوَاهِب حَتَّى لَا تصح هبة الثَّمر على الشّجر وَالزَّرْع على الأَرْض بِدُونِ الشّجر وَالْأَرْض، وَكَذَا الْعَكْس، وَهبة الْمشَاع فِيمَا لَا يقسم جَائِزَة.
-
وَفِيه: الْعدة، فجمهور الْعلمَاء مِنْهُم أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد على أَن إنجاز الْعدة مُسْتَحبّ، وأوجه الْحسن وَبَعض الْمَالِكِيَّة، وَقد اسْتدلَّ بعض الشَّافِعِيَّة بِهَذَا الحَدِيث على وجوب الْوَفَاء بالوعد فِي حق النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأَنهم زَعَمُوا أَنه من خَصَائِصه، وَلَا دلَالَة فِيهِ أصلا لَا على الْوُجُوب وَلَا على الخصوصية.