- (باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج فهو جائز إذا لم تكن سفيهة فإذا كانت سفيهة لم يجز قال الله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} (النساء:

٢٤ فقرة، ج ١٣ ص ١٥٠

  1. أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم هبة الْمَرْأَة لغير زَوجهَا إِن وهبت شَيْئا لغير زَوجهَا. قَوْله: (وعتقها) ، عطف على قَوْله: هبة الْمَرْأَة، أَي: حكم عتق الْمَرْأَة جاريتها. قَوْله: (إِذا كَانَ لَهَا زوج) ، لَيست للشّرط بل ظرف لما تقدم، لِأَن الْكَلَام فِيمَا إِذا كَانَ لَهَا زوج وَقت الْهِبَة أَو الْعتْق، أما إِذا لم يكن لَهَا زوج فَلَا نزاع فِي جَوَازه. قَوْله: (فَهُوَ) ، أَي: الْمَذْكُور من الْهِبَة وَالْعِتْق جَائِز إِذا لم تكن الْمَرْأَة سَفِيهَة، وَهِي ضد الرشيدة والرشيدة: من صلح دينهَا ودنياها. قَوْله: (وَقَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم} (النِّسَاء: ٥) . ذكر هَذَا فِي معرض الِاسْتِدْلَال. وَقَالَ سعيد بن جُبَير وَمُجاهد وَالْحكم: السُّفَهَاء الَّذين ذكرهم الله، عز وَجل، هُنَا الْيَتَامَى وَالنِّسَاء، وَعَن الْحسن: الْمَرْأَة وَالصَّبِيّ، وَفِي لفظ: الصغار وَالنِّسَاء أسفه السُّفَهَاء، وَفِي لفظ: ابْنك السَّفِيه وامرأتك السفيهة، وَقد ذكر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: اتَّقوا الله فِي الضعيفين: الْيَتِيم وَالْمَرْأَة. وَقَالَ ابْن مَسْعُود: النِّسَاء وَالصبيان، وَقَالَ السّديّ: الْوَلَد وَالْمَرْأَة. وَقَالَ الضَّحَّاك: الْوَلَد وَالنِّسَاء أسفه السُّفَهَاء، فَيَكُونُوا عَلَيْكُم أَرْبَابًا. وَعَن ابْن عَبَّاس: امْرَأَتك وبنتك قَالَ: وأسفه السُّفَهَاء الْولدَان وَالنِّسَاء. قَالَ الطَّبَرِيّ: وَقَالَ غير هَؤُلَاءِ: إِنَّهُم الصّبيان خَاصَّة، قَالَه ابْن جُبَير

    ج ١٣ ص ١٥١وَالْحسن، وَقَالَ آخَرُونَ: بل عَنى بذلك السُّفَهَاء من ولد الرجل، مِنْهُم أَبُو مَالك وَابْن عَبَّاس وَأَبُو مُوسَى وَابْن زيد بن أسلم. وَقَالَ آخَرُونَ: بل عَنى بذلك النِّسَاء خَاصَّة، فَذكر الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه، قَالَ: زعم حضرمي أَن رجلا عمد فَدفع مَاله إِلَى امْرَأَته فَوَضَعته فِي غير الْحق، فَقَالَ الله عز وَجل: {وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم} (النِّسَاء: ٥) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي حَدثنَا هِشَام بن عمار حَدثنَا صَدَقَة بن خَالِد حَدثنَا عُثْمَان بن أبي العاتكة عَن عَليّ بن يزِيد عَن الْقَاسِم عَن أبي أُمَامَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن النِّسَاء السُّفَهَاء إلَاّ الَّتِي أطاعت قيمها) . وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه مطولا. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: ذكره عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. حَدثنَا حَرْب بن شُرَيْح عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أبي هُرَيْرَة: {وَلَا تُؤْتوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُم} (النِّسَاء: ٥) . قَالَ: الخدم، وهم شياطين الْإِنْس وهم الخدم. وَفِي (التَّوْضِيح) : من قَالَ عَنى بالسفهاء النِّسَاء خَاصَّة فَإِنَّهُ حمل اللَّفْظ على غير وَجهه، وَذَلِكَ لِأَن الْعَرَب لَا تكَاد تجمع: فعيلاً، على: فعلاء، إلَاّ فِي جمع الذُّكُور أَو الذُّكُور وَالْإِنَاث، فَأَما إِذا أَرَادوا جمع الْإِنَاث خَاصَّة لَا ذُكُور مَعَهُنَّ جَمَعُوهُ على: فعائل وفعيلات. مثل: غَرِيبَة تجمع على: غرائب وغريبات، فَأَما الغرباء فَهُوَ جمع غَرِيب. قَالَ: وَكَأن البُخَارِيّ أَرَادَ بالتبويب وَمَا فِيهِ من الْأَحَادِيث الرَّد على من خَالف ذَلِك (روى حبيب الْمعلم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ، لما فتح مَكَّة: لَا يجوز عَطِيَّة امْرَأَة فِي مَالهَا إلَاّ بِإِذن زَوجهَا) . أخرجه النَّسَائِيّ.

    ج ١٣ ص ١٥٠
  2. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي الْمَرْأَة المالكة لنَفسهَا الرشيدة ذَات الزَّوْج على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه لَا فرق بَينهَا وَبَين الْبَالِغ الرشيد فِي التَّصَرُّف، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالشَّافِعِيّ وَأبي ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي. وَالْقَوْل الآخر: لَا يجوز لَهَا أَن تُعْطِي من مَالهَا شَيْئا بِغَيْر إِذن زَوجهَا، رُوِيَ ذَلِك عَن أنس وطاووس وَالْحسن الْبَصْرِيّ. وَقَالَ اللَّيْث: لَا يجوز عتق الْمُزَوجَة وصدقتها إلَاّ فِي الشَّيْء الْيَسِير الَّذِي لَا بُد مِنْهُ من صلَة الرَّحِم، أَو مَا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى، وَقَالَ مَالك: لَا يجوز عطاؤها بِغَيْر إِذن زَوجهَا إلَاّ من ثلث مَالهَا خَاصَّة، قِيَاسا على الْوَصِيَّة.

  3. ٠٩٥٢ - حدَّثنا أَبُو عاصِمٍ عنِ ابنِ جرَيْجٍ عنِ ابنِ أبِي مُلَيكَةَ عنْ عَبَّادِ بنِ عَبْدِ الله عنْ أسْماءَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ الله مالِي مالٌ إلَاّ مَا أدْخَلَ الزُّبَيْرُ عَلي أفأتَصَدَّقُ قَالَ تَصَدَّقِي وَلَا تُوعي فيُوعَى الله علَيْكِ.

  4. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (تصدقي) فَإِنَّهُ يدل على أَن للمَرأة الَّتِي لَهَا زوج أَن تَتَصَدَّق بِغَيْر إِذن زَوجهَا. فَإِن قلت: التَّرْجَمَة هبة الْمَرْأَة، وَلَفظ الحَدِيث بِالصَّدَقَةِ؟ قلت: المُرَاد من الْهِبَة مَعْنَاهَا اللّغَوِيّ، وَهُوَ يتَنَاوَل الصَّدَقَة.

  5. ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بن مخلد. الثَّانِي: عبد الْملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج. الثَّالِث: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكَة، بِضَم الْمِيم. الرَّابِع: عباد، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن الزبير بن الْعَوام. لخامس: أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.

  6. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه مصري وَابْن جريج وَابْن أبي مليكَة مكيان وَعباد بن عبد الله مدنِي. وَفِيه: رِوَايَة الرَّاوِي عَن جدته. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصحابية.

  7. وَبَعض الحَدِيث مضى فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب الصَّدَقَة فِيمَا اسْتَطَاعَ، وَفِيه: عَن عباد بن عبد الله بن الزبير أخبرهُ عَن أَسمَاء، وَقد روى أَيُّوب هَذَا الحَدِيث عَن ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة بِغَيْر وَاسِطَة، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ، وَالنَّسَائِيّ، وَصرح أَيُّوب عَن ابْن أبي مليكَة بتحديث عَائِشَة لَهُ بذلك، فَيحمل على أَنه سَمعه من عباد عَنْهَا، ثمَّ حدثته بِهِ.

  8. قَوْله: (إلَاّ مَا أَدخل الزبير عَليّ) ، بتَشْديد الْيَاء، مَعْنَاهُ: مَا صيَّر ملكا لَهَا، فَأمرهَا، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن تَتَصَدَّق، وَلم يأمرها باستئذان الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (أفأتصدق؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره بِدُونِ حرف الِاسْتِفْهَام. قَوْله: (وَلَا توعي) من الإيعاء، أَي: لَا تجعليه فِي الْوِعَاء، وَهُوَ الظّرْف مَحْفُوظًا لَا تخرجينه مِنْهُ، فَيعْمل الله بك مثل ذَلِك، وَهُوَ معنى قَوْله: (فيوعى الله عَلَيْك.، قَوْله: (فيوعى) ، بِالنّصب لكَونه جَوَاب النَّهْي، وَإسْنَاد الإيعاء إِلَى الله تَعَالَى من بَاب المشاكلة. وَقَالَ الخطاي: أَي: لَا تخبىء

    ج ١٣ ص ١٥٢الشَّيْء فِي الْوِعَاء، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَجمع فأوعى} (المعارج: ٨١) . أَي: مَادَّة الرزق مُتَّصِلَة باتصاف النَّفَقَة مُنْقَطِعَة بانقطاعها، فَلَا تمنعي فَضلهَا فتحرمي مادتها، وَقد مر الْكَلَام مَبْسُوطا فِي كتاب الزَّكَاة.

  9. ١٩٥٢ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدَّثنا عبْدُ الله بنُ نُمَيْر قَالَ حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوَةَ عنْ فاطِمَةَ عنْ أسْماءَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ أنْفِقِي ولَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ الله علَيْكِ ولَا تُوعِي فَيوعِيَ الله علَيْكِ.

  10. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث الْمَاضِي لَهَا، وَعبيد الله بن سعيد بن يحيى أَبُو قدامَة الْيَشْكُرِي السَّرخسِيّ، وَفَاطِمَة بنت الْمُنْذر بن الزبير بن الْعَوام، وَهِي بنت عَم هِشَام بن عُرْوَة وَزَوجته، وَأَسْمَاء هِيَ بنت أبي بكر، جدتهما جَمِيعًا لأبويهما. قَوْله: (أنفقي) ، أَمر من الْإِنْفَاق. قَوْله: (وَلَا تحصى) من الإحصاء، نهى عَنهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْصى لأجل التبقية، والذخر فيحصي الله عَلَيْهَا بِقطع الْبركَة وَمنع الزِّيَادَة، وَقد يكون مرجع الإحصاء إِلَى المحاسبة عَلَيْهِ والمناقشة فِي الْآخِرَة، وَنسبه الإحصاء إِلَى الله من بَاب المشاكلة. وَقَوله: (فيحصى) ، بِالنّصب لِأَنَّهُ جَوَاب النَّهْي، وَهنا أَمر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْإِنْفَاقِ، وَلم يقل: بِالْمَعْرُوفِ، لعلمها بمراده لاحْتِمَال أَن يُرَاد بِالَّذِي تَحت يَدهَا من مَال الزبير، فَإِن كَانَ كَذَلِك تنْفق بِمَا كَانَ يخفي الزبير إِنْفَاقه من إغاثة ملهوف وَإِعْطَاء سَائل.

  11. ٢٩٥٢ - حدَّثنا يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ عنِ اللَّيْثِ عنْ يَزِيدَ عنْ بُكَيْرٍ عنْ كُريْبٍ مَوْلى ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا أعْتَقَتْ ولِيدَة وَلم تَسْتَأذِنِ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فلَمَّا كانَ يَوْمَهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْها فيهِ قالَتْ أشَعَرْتَ يَا رسولَ الله أنِّي أعْتَقْتُ ولِيدَتي قَالَ أوْ فَعَلْتِ قالَتْ نَعَمْ قَالَ أمَّا أنَّكِ لوْ أعْطَيْتِهَا أخْوَالَكِ كانَ أَعْظَمَ لأجْرِكِ.

  12. (الحَدِيث ٢٩٥٢ طرفه فِي: ٤٩٥٢) .

  13. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن مَيْمُونَة كَانَت رَشِيدَة، وأعتقت وليدتها من غير اسْتِئْذَان من النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَو لم يكن تصرف الرشيدة فِي مَالهَا نَافِذا لأبطله النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

  14. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: يحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير أَبُو زَكَرِيَّا المَخْزُومِي. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن أبي حبيب. الرَّابِع: بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله الْأَشَج. الْخَامِس: كريب مولى ابْن عَبَّاس أَبُو رشد، بِكَسْر الرَّاء. السَّادِس: مَيْمُونَة بنت الْحَارِث الْهِلَالِيَّة، زوج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

  15. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن النّصْف الأول من الْإِسْنَاد بصريون وَالنّصف الثَّانِي مدنيون. وَفِيه: أَن شَيْخه مَنْسُوب إِلَى جده. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على نسق وَاحِد وهم: يزِيد وَبُكَيْر وكريب. وَفِيه: أَن بكيراً وكريباً متحدان فِي الْحُرُوف الْأَرْبَعَة.

  16. ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن هَارُون بن سعيد الْأَيْلِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعتْق عَن أَحْمد ابْن يحيى بن الْوَزير.

  17. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (وليدة) ، أَي: أمة، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من طَرِيق عَطاء بن يسَار عَن مَيْمُونَة: أَنَّهَا كَانَت لَهَا جَارِيَة سَوْدَاء. قَوْله: (أشعرت؟) ، أَي: أعلمت؟ قَوْله: (قَالَ: أَو فعلت؟) ، أَي: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَو فعلت الْعتْق؟ قَوْله: (أما) ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف الْمِيم، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنى: حَقًا، أَو أحقاً، على خلاف فِيهِ، وتفتح كلمة: أَن بعْدهَا وَهِي قَوْله: أَنَّك، وَأما: أما، الَّتِي تكون حرف الاستفتاح الَّتِي بِمَعْنى ألَا، فكلمة: أَن، بعْدهَا مَكْسُورَة كَمَا تكسر بعد ألَا، الاستفتاحية. قَوْله: (أخوالك) ، أخوالها كَانُوا من بني هِلَال أَيْضا وَاسم أمهَا: هِنْد بنت عَوْف بن زُهَيْر بن الْحَارِث، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (إخواتك) ، بِالتَّاءِ. قَالَ عِيَاض: وَلَعَلَّه أصح من رِوَايَة أخوالك، بِدَلِيل رِوَايَة مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) (فَلَو أعطيتهَا أختيك) .

    ج ١٣ ص ١٥٣وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْجَمِيع وصحيح لَا تعَارض، وَيكون النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ ذَلِك كُله. قَوْله: (كَانَ أعظم لأجرك) .

    قَالَ ابْن بطال: فِيهِ: أَن هبة ذِي الرَّحِم أفضل من الْعتْق، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأحمد من حَدِيث سُلَيْمَان بن عَامر الضَّبِّيّ مَرْفُوعا: (الصَّدَقَة على الْمِسْكِين صَدَقَة، وعَلى ذِي الرَّحِم صَدَقَة وصلَة) . وَرَوَاهُ أَيْضا ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان وصححاه. قلت: يَنْبَغِي أَن يكون أَفضَلِيَّة هبة ذِي الرَّحِم من الْعتْق إِذا كَانَ فَقِيرا لَا مُطلقًا، كَيفَ وَقد جَاءَ فِي الْعتْق أَنه: يعْتق بِكُل عُضْو مِنْهُ عضوا مِنْهُ من النَّار؟ وَبِه تجاز الْعقبَة يَوْم الْقِيَامَة؟ وَنقل عَن مَالك: أَن الصَّدَقَة على الْأَقَارِب أفضل من الْعتْق، وَالْحق أَن هَذَا يخْتَلف باخْتلَاف الْأَحْوَال.

  18. وَقَالَ بَكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ عَمْرٍ وعنْ بُكَيْرٍ عنْ كُرَيْبٍ: أنَّ مَيْمُونَةَ أعْتَقَتْ

    هَذَا صُورَة تَعْلِيق، وَفِي نُسْخَة صَاحب (التَّلْوِيح) : بِخَطِّهِ بعد قَوْله: كَانَ أعظم لأجرك: تَابعه بكر بن مُضر عَن عَمْرو ... إِلَى آخِره. ثمَّ قَالَ: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ الْمُتَابَعَة اللَّيْث بن سعد، وَأَن بكرا تَابعه، وَأَن عمرا تَابع يزِيد بن أبي حبيب، وَهُوَ مَرْوِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْحسن: حَدثنَا أَحْمد بن عِيسَى حَدثنَا ابْن وهب أَخْبرنِي عَمْرو بن الْحَارِث عَن بكير بن عبد الله عَن كريب، فَذكره، وَكَذَا ذكره صَاحب (التَّوْضِيح) لِأَنَّهُ أَخذه عَن صَاحب (التَّلْوِيح) وَذكره الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) بِصُورَة التَّعْلِيق كَمَا هُوَ فِي نسختنا حَيْثُ قَالَ: أخرجه البُخَارِيّ فِي الْهِبَة عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن بكير بن الْأَشَج عَن كريب بِهِ، قَالَ: وَقَالَ بكر بن مُضر عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن بكير عَن كريب: أَن مَيْمُونَة ... فَذكره. انْتهى. وَقيل: أَرَادَ البُخَارِيّ بِهَذَا التَّعْلِيق شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: مُوَافقَة عَمْرو بن الْحَارِث ليزِيد بن أبي حبيب على قَوْله: عَن كريب، وَقد خالفهما مُحَمَّد بن إِسْحَاق فَرَوَاهُ، عَن بكر، فَقَالَ: عَن سُلَيْمَان بن يسَار بدل: بكير، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من طَرِيقه، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رِوَايَة يزِيد وَعَمْرو أصح. وَالْآخر: أَنه: عَن بكر بن مُضر عَن عَمْرو بِصُورَة الْإِرْسَال، فَذكر قصَّة مَا أدْركهَا، لَكِن قد رَوَاهُ ابْن وهب عَن عَمْرو ابْن الْحَارِث، فَقَالَ فِيهِ: عَن كريب عَن مَيْمُونَة، أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ من طَرِيقه.

  19. ٣٩٥٢ - حدَّثنا حِبَّانُ بنُ مُوسَى قَالَ أخْبَرَنا عبْدُ الله قَالَ أخبرنَا يُونُسُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عَن عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا أرَادَ سَفَراً أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ فأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِها مَعَهُ وكانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَها ولَيْلَتها غَيْرَ أنَّ سَوْدَةَ بنْتَ زَمْعَةَ وهَبَتْ يَوْمَها ولَيْلَتَهَا لِعائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَبْتَغِي بِذالِكَ رِضاءَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

  20. مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وهبت يَوْمهَا وليلتها لعَائِشَة) ، فَإِن التَّرْجَمَة هبة الْمَرْأَة لغير زَوجهَا، فَلَا تُوجد الْمُطَابقَة إلَاّ إِذا قُلْنَا: إِن هَذَا هبة الْمَرْأَة لغير زَوجهَا، وَهُوَ عَائِشَة، فَلَو قُلْنَا: إِن الْهِبَة كَانَت لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَا يُطَابق التَّرْجَمَة، وللعلماء قَولَانِ فِي هَذَا: هَل الْهِبَة للزَّوْج أَو للضرة؟ والمطابقة تَأتي على قَول من يَقُول: للضرة، على مَا قُلْنَاهُ.

  21. وحبان، بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن مُوسَى الْمروزِي، مر فِي الصَّلَاة، وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَعُرْوَة هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام.

  22. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الشَّهَادَات عَن مُحَمَّد بن مقَاتل. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي النِّكَاح عَن أَحْمد بن عَمْرو بن السَّرْح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء عَن ابْن السَّرْح وَعَن مُحَمَّد بن آدم عَن ابْن الْمُبَارك إِلَى قَوْله: (خرج بهَا مَعَه) .

  23. قَوْله: (أَقرع) ، من: أقرعت بَينهم من الْقرعَة، وَمِنْه يُقَال: تقارعوا واقترعوا، والقرعة هِيَ: السِّهَام الَّتِي تُوضَع على الحظوظ، فَمن خرجت قرعته وَهِي: سَهْمه الَّذِي وضع على النَّصِيب، فَهُوَ لَهُ. قَوْله: (فأيتهن) أَي: أَيَّة امْرَأَة خرج مِنْهُنَّ خرج سهمها الَّذِي باسمها (خرج بهَا مَعَه) أَي: خرج رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِتِلْكَ المرإة الَّتِي خرج سهمها مَعَه أَي: فِي صُحْبَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (تبتغي) ، أَي:

    ج ١٣ ص ١٥٤تطلب بذلك، أَي: بالذكور، وَهُوَ مَا وهبت يَوْمهَا وليلتها لعَائِشَة، وأصل الْقرعَة لتطييب النَّفس.

  24. ثمَّ اخْتلفُوا أَن الْقرعَة فِي كل الْأَسْفَار أَو فِي سفر مَخْصُوص؟ فَقَالَ مَالك فِي (الْمُدَوَّنَة) : يخرج من شَاءَ مِنْهُنَّ فِي أَي الْأَسْفَار شَاءَ. وَقَالَ ابْن الْجلاب: إِن أَرَادَ سفر تِجَارَة فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: كَالْحَجِّ والغزو، وَالْأُخْرَى: لَا أقراع. وَقَالَ: وَإِن أَرَادَ سفر حج أَو غَزْو فأقرع بَينهُنَّ، ثمَّ إِذا انْقَضى سَفَره قضى لَهُنَّ وَبَدَأَ بهَا، أَو بِمن شَاءَ غَيرهَا. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : لم ينْقل الْقَضَاء، والبداءة بغَيْرهَا أحب.