- (باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر)

٥٥ فقرة، ج ٣ ص ٤٦

الصفحة ٢ من ٢

  1. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره وَأخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن سعد بن حَفْص عَن شَيبَان، وَأخرجه أَيْضا عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث عَن حُسَيْن الْمعلم كِلَاهُمَا، عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن يسَار عَنهُ بِهِ، زَاد فِي حَدِيث حُسَيْن عَن يحيى، قَالَ: وَأَخْبرنِي أَبُو سَلمَة ان عُرْوَة بن الزبير أخبرهُ أَن أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أخبرهُ أَنه سمع ذَلِك من رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعبد بن حميد وَعبد الْوَارِث بن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، ثَلَاثَتهمْ عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن أَبِيه عَن حُسَيْن الْمعلم بِهِ، وَذكر الزِّيَارَة الَّتِي فِي آخِره عَن عبد الْوَارِث ابْن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن أَبِيه عَن جده.

    ج ٣ ص ٥٥
  2. بَيَان الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب قَوْله: (قلت) ، بِصِيغَة الْمُتَكَلّم، وَإِنَّمَا لم يقل: قَالَ كَمَا قَالَ إِنَّه سَأَلَ، لِأَن فِيهِ نوع من محَاسِن الْكَلَام لِأَن فِيهِ اعتبارين وهما عبارتان عَن أَمر وَاحِد فَفِي الأول نظر إِلَى جَانب الْغَيْبَة، وَفِي الثَّانِي إِلَى جَانب الْمُتَكَلّم. قَوْله: (أَرَأَيْت) مَعْنَاهُ: أَخْبرنِي، ومفعوله مَحْذُوف تَقْدِيره: أَرَأَيْت أَنه يتوضؤ. قَوْله: (فَلم يمن) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف: من الإمناء، عَلَيْهِ الرِّوَايَة، وَفِيه لُغَة ثَانِيَة: فتح الْيَاء، وثالثة: ضم الْيَاء مَعَ فتح الْمِيم وَتَشْديد النُّون. يُقَال: منى وأمنى وَمنى، ثَلَاث لُغَات وَالْوُسْطَى أشهر وأفصح، وَبهَا جَاءَ الْقُرْآن. قَالَ الله تَعَالَى: {افرأيتم مَا تمنون} (الْوَاقِعَة: ٥٨) قَوْله: (يتَوَضَّأ) أمره بِالْوضُوءِ احْتِيَاطًا، لِأَن الْغَالِب خُرُوج الْمَذْي من المجامع وَإِن لم يشْعر بِهِ. قَوْله: (كَمَا يتَوَضَّأ للصَّلَاة) احْتَرز بِهِ عَن الْوضُوء اللّغَوِيّ. قَوْله: (وَيغسل ذكره) ، أمره بذلك لتنجسه بالمذي، وَلَا يُقَال الْغسْل مقدم على التوضيء، فَلم أَخّرهُ؟ لأَنا نقُول: الْوَاو وَلَا تدل على التَّرْتِيب بل للْجمع الْمُطلق، فَلَو تَوَضَّأ قبله يجوز وَلَا ينْتَقض وضوؤه. قَوْله: (سَمِعت) أَي: سَمِعت الْمَذْكُور كُله من رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة

    ج ٣ ص ٥٦وَالسَّلَام. قَوْله: (فَسَأَلت عَن ذَلِك) مقول زيد لَا مقول عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (فامروه) الضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ رَاجع إِلَى هَؤُلَاءِ الصَّحَابَة الْأَرْبَعَة: عَليّ وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وَأبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ رَاجع إِلَى المجامع. فَإِن قلت: لم يمض ذكر المجامع. قلت: قَوْله: (إِذا جَامع) اي: الرجل يدل على المجامع ضمنا من قبل قَوْله تَعَالَى: {أعدلوا هُوَ اقْربْ للتقوى} (الْمَائِدَة: ٨) اي: الْعدْل أقرب، دلّ عَلَيْهِ: اعدلوا. قَوْله: (بذلك) أَي: بِأَنَّهُ يتَوَضَّأ وَيغسل ذكره.

  3. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: فِيهِ وجوب الْوضُوء على من يُجَامع امْرَأَته وَلَا ينزل. الثَّانِي: فِيهِ وجوب غسل ذكره، وَاخْتلفُوا هَل يجب غسل كل الذّكر أَو غسل مَا أَصَابَهُ الْمَذْي، فَقَالَ مَالك بالاول، وَقَالَ الشَّافِعِي بِالثَّانِي. قلت: اخْتلف أَصْحَاب مَالك، مِنْهُم من أوجب غسل الذّكر كُله لظَاهِر الْخَبَر، وَمِنْهُم من أوجب غسل مخرج الْمَذْي وَحده وَعَن الزُّهْرِيّ، لَا يغسل مَالك، مِنْهُم من أوجب غسل الذّكر كُله لظَاهِر الْخَبَر، وَمِنْهُم من أوجب غسل الْمَذْي وَحده وَعَن الزُّهْرِيّ، لَا يغسل الانثيين من الْمَذْي إلَاّ أَن يكون أصابهما شَيْء. وَقَالَ الْأَثْرَم: وعَلى هَذَا مَذْهَب ابي عبد الله، سمعته لَا يرى فِي الْمَذْي إلَاّ الْوضُوء، وَلَا يرى فِيهِ الْغسْل وَهَذَا قَول أَكثر أهل الْعلم. وَفِي (الْمَعْنى) لِابْنِ قدامَة: الْمَذْي ينْقض الْوضُوء وَهُوَ مَا يخرج لزجاً متسبسباً عِنْد الشَّهْوَة فَيكون على رَأس الذّكر. وَاخْتلفت الرِّوَايَة فِي حكمه، فَروِيَ أَنه لَا يُوجب الِاسْتِنْجَاء وَالْوُضُوء، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة يجب غسل الذّكر والانثيين مَعَ الْوضُوء. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: لم يكن قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (يغسل مذاكيره) لإِيجَاب الْغسْل، وَلكنه ليتقلص اي ليرتفع وينزوي الْمَذْي فَلَا يخرج، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا جَاءَ، فِي (صَحِيح مُسلم) : (تَوَضَّأ وانضح فرجك) ، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك فِي رِوَايَة، وَأحمد فِي رِوَايَة.

  4. فَائِدَة إعلم أَن حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (كنت رجلا مذَّاء) ، وَهُوَ الْمَذْكُور قبل هَذَا الحَدِيث وَفِي مَوضِع آخر من (صَحِيح البُخَارِيّ) : (فَكنت أستحى أَن اسْأَل رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لمَكَان ابْنَته. فَقَالَ: ليغسل ذكره وَيتَوَضَّأ) . وَقَالَ ابْن عَبَّاس: قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أرسلنَا الْمِقْدَاد إِلَى رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَسَأَلَهُ عَن الْمَذْي الَّذِي يخرج من الْإِنْسَان، كَيفَ يفعل؟ فَقَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: تَوَضَّأ وانضح فرجك) . وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) من حَدِيث أبي عبد الرَّحْمَن عَن عَليّ: (كنت رجلا مذَّاء فَسَأَلت النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ: إِذا رَأَيْت المَاء فاغسل ذكرك) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث حُصَيْن بن عبد الرَّحْمَن عَن حُصَيْن بن قبيصَة عَنهُ: (كنت رجلا مذَّاءً فَسَأَلت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ) الحَدِيث. قَالَ ابو الْقَاسِم: لم يروه عَن حُصَيْن إلَاّ زَائِدَة، تفرد بِهِ إِسْمَاعِيل بن عَمْرو، وَرَوَاهُ غير إِسْمَاعِيل عَن أبي حُصَيْن عَن حُصَيْن بن قبيصَة. وَعند ابْن مَاجَه عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن عَليّ: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْمَذْي) . وَفِي (مُسْند) أَحْمد عَن عبد الله: حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد شَيبَان حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم الْقَسْمَلِي حَدثنَا يزِيد بن أبي زِيَاد عَن عبد الرَّحْمَن عَن عَليّ: (كنت رجلا مذَّاءً، فَسَأَلت النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن ذَلِك) الحَدِيث، وَفِيه أَيْضا من حَدِيث هانىء بن هانىء عَن عَليّ: (فَأمرت الْمِقْدَاد فَسَأَلَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَضَحِك فَقَالَ: فِيهِ الْوضُوء) . وَفِي (سنَن الْكَجِّي) كل: فَحل يمذي، وَلَيْسَ فِيهِ إلَاّ الطّهُور. وَفِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) من حَدِيث الدكين عَن حُصَيْن عَنهُ بِلَفْظ: فَذكرت ذَلِك للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. أَو ذكر لَهُ. وَفِي (صَحِيح الْحَافِظ ابي عوَانَة) من حَدِيث عُبَيْدَة عَنهُ: (يغسل انثييه وَذكره وَيتَوَضَّأ وضوء للصَّلَاة) . وَفِي هَذَا رد لما ذكره أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد مَا قَالَ: غسل الْأُنْثَيَيْنِ إلَاّ هِشَام بن عُرْوَة فِي حَدِيثه.

  5. وَأما الاحاديث كلهَا فَلَيْسَ فِيهَا ذَا، وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) من حَدِيث رَافع بن خديج: (أَن عليا أَمر عماراً أَن يسْأَل النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَقَالَ: يغسل مذاكيره) . وَفِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) : أخبرنَا يُونُس عَن عبد الْأَعْلَى أخبرنَا ابْن وهب أَن مَالِكًا حَدثهُ عَن سَالم بن أبي النَّضر عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن الْمِقْدَاد (أَنه سَأَلَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن الرجل يدنو من امْرَأَته فَلَا ينزل؟ قَالَ: إِذا وجد أحدكُم ذَلِك فلينضح فرجه) . زَاد ابْن حبَان عَن عَطاء: أَخْبرنِي عايش ابْن أنس قَالَ: تَذَاكر عَليّ وعمار والمقداد الْمَذْي، فَقَالَ عَليّ: إِنِّي، رجل مذاء، فسألا عَن ذَلِك النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قَالَ عايش: فَسَأَلَهُ أحد الرجلَيْن. عمار أَو الْمِقْدَاد. قَالَ عَطاء: وَسَماهُ عايش فَنسيته، قَالَ أَبُو عمر: رِوَايَة يحيى عَن مَالك: (فلينضح فرجه) . وَفِي رِوَايَة ابْن بكير والقعنبي وَابْن وهب: (فليغسل فرجه وليتوضأ وضوءه للصَّلَاة) . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَبِه رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن مَالك، كَمَا رَوَاهُ يحيى: (ولينضح فرجه) . وَلَو صحت رِوَايَة يحيى وَمن تَابعه كَانَت مجملة تفسرها رِوَايَة غَيره،

    ج ٣ ص ٥٧لِأَن النَّضْح يكون فِي لِسَان الْعَرَب مرّة الْغسْل وَمرَّة الرش، وَفِيه نظر لما تقدم من عِنْد ابْن مَاجَه، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) عَن القعْنبِي، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ فِي كتاب (أَحَادِيث الْمُوَطَّأ) : أَن أَبَا مُصعب وَأحمد بن إِسْمَاعِيل الْمدنِي وَأبي وهب وَعبد الله بن يُونُس وَيحيى بن بكير وَالشَّافِعِيّ وَابْن الْقَاسِم وَعتبَة بن عبد الله وَأَبا عَليّ الْحَنَفِيّ وَإِسْحَاق بن عِيسَى وَالقَاسِم ابْن يزِيد رَوَوْهُ عَن مَالك بِلَفْظ: (فلينضح) ، إلَاّ ابْن وهب فان فِي بعض أَلْفَاظه: (فليغسل) . فَلَو كَانَ أَبُو عمر عكس قَوْله لَكَانَ صَوَابا من فعله. وَقَالَ ابْن حبَان: قد يتَوَهَّم بعض المستمعين لهَذِهِ الْأَخْبَار أَن بَينهَا تضاداً وتهاتراً، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون عَليّ أَمر عماراً أَن يسْأَله، فَسَأَلَهُ. ثمَّ أَمر الْمِقْدَاد أَن يسْأَله فَسَأَلَهُ، ثمَّ سَأَلَ هُوَ بِنَفسِهِ وَالدَّلِيل على صِحَة مَا ذكرت أَن متن كل خبر بِخِلَاف متن الآخر فَفِي خبر عبد الرَّحْمَن: (إِذا رَأَيْت المَاء فاغسل ذكرك، وَإِذا رَأَيْت الْمَنِيّ فاغتسل) . وَفِي خبر إِيَاس بن خَليفَة عَن عمار: (يغسل مذاكيره وَيتَوَضَّأ) ، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْمَنِيّ، وَخبر الْمِقْدَاد مُسْتَأْنف ينبئك أَنه لَيْسَ بالسؤالين اللَّذين ذكرناهما، لِأَن فِيهِ سؤالاً عَن الرجل إِذا دنا من أَهله فَخرج مِنْهُ الْمَذْي مَاذَا عَلَيْهِ؟ فَإِن عِنْدِي ابْنَته، فَذَلِك مَا وَصفنَا. على أَن هَذِه أسئلة متباينة فِي مَوَاضِع مُخْتَلفَة لعلل مَوْجُودَة.

    وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : وَقد ورد فِي حَدِيث حسن الْإِسْنَاد أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، هُوَ السَّائِل لَهُ، ثمَّ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَن قَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (رَآنِي النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقد شحبت، فَقَالَ: يَا عَليّ قد شحبت. قلت: شحبت من اغتسال المَاء وَأَنا رجل مذاء، فاذا رَأَيْت مِنْهُ شَيْئا اغْتَسَلت. قَالَ: لَا تَغْتَسِل يَا عَليّ) . ثمَّ قَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : فَيحْتَمل أَن يكون عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، لما بعث من بعث رَآهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي غُضُون الْبعْثَة شاحباً، وَنزل على جَوَابه عَن ذَلِك بِمَنْزِلَة السُّؤَال ابْتِدَاء تجوزاً. وَفِي (سنَن الْبَيْهَقِيّ الْكَبِير) من حَدِيث ابْن جريج عَن عَطاء أَن عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، كَانَ يدْخل فِي إحليله الفيلة من كَثْرَة الْمَذْي، وَفِي حَدِيث حسان بن عبد الرَّحْمَن الضبعِي عِنْد ابي مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي معرفَة الصَّحَابَة بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ، قَالَ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (لَو اغتسلتم من الْمَذْي كَانَ أَشد عَلَيْكُم من الْحيض) . وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: (لَا يَصح أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله! إِنِّي كلما تَوَضَّأت سَالَ، فَقَالَ: إِذا تَوَضَّأت فَسَالَ من قرنك إِلَى قدمك فَلَا وضوء عَلَيْك) .

  6. ١٨٠ - حدّثنا إسْحاقُ هُو ابْنُ مَنْصُورٍ قالَ أخبرنَا النَّضْرُ قالَ أخبرنَا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ عَنْ ذَكْوَانَ أبي صَالِحٍ عَنْ أبي سعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْسَلَ إلَى رَجُل مِنَ الَانْصَارِ فَجَاءَ ورَأْسُهُ يَقْطُرُ فَقال النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَعَلَّنَا أعْجَلْنَاك فقالَ نَعَمْ فَقَالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا اُعْجِلْتَ أوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ.

  7. هَذَا الحَدِيث لَا يُنَاسب تَرْجَمَة الْبَاب إلَاّ أَن بعض الشُّرَّاح قَالَ: أقل حَال هَذَا الحَدِيث حُصُول الْمَذْي لمن جَامع وَلم يمن، فَصدق عَلَيْهِ وجوب الْوضُوء من الْخَارِج من أحد السَّبِيلَيْنِ، وَلَكِن يُعَكر عَلَيْهِ إِجْمَاع أهل الْعلم وأئمة الْفَتْوَى على وجوب الْغسْل من مُجَاوزَة الختانن الْخِتَان لأمر الشَّارِع بذلك، وَهُوَ زِيَادَة على مَا فِي هَذَا الحَدِيث، فَيجب الْأَخْذ بهَا.

  8. بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن مَنْصُور، هَذِه رِوَايَة الْأصيلِيّ وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة وَغَيرهَا: إِسْحَاق، كَذَا بِلَا ذكر: مَنْصُور، وَفِي رِوَايَة ابي ذَر: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور بن بهْرَام، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: وَهُوَ الْمَعْرُوف بالكوسج الْمروزِي، مر فِي بَاب فضل من علم، وَهُوَ الْأَصَح، نَص عَلَيْهِ أَبُو نعيم رَحمَه الله فِي (الْمُسْتَخْرج) الثَّانِي: النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: ابْن شُمَيْل، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة: ابْن وَالْحسن الْمَازِني الْبَصْرِيّ، تقدم فِي آخر بَاب حمل العنزة فِي الِاسْتِنْجَاء. الثَّالِث: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الرَّابِع: الحكم، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الْكَاف: ابْن عتيبة، تَصْغِير عتبَة الْبَاب، تقدم فِي بَاب السمر بِالْعلمِ. الْخَامِس: أَبُو صَالح ذكْوَان الزيات الْمدنِي، تقدم فِي بَاب أُمُور الْإِيمَان وَغَيره. السَّادِس: أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ سعد بن مَالك الْأنْصَارِيّ.

  9. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة والإخبار. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بن مروزي وبصري وواسطي وكوفي ومدني.

  10. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره لَيْسَ لَهُ تعدد. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن ابي بكر بن أبي شيبَة، وَمُحَمّد بن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن ابي بكر بن أبي شيبَة وَابْن بشار بِهِ.

  11. بَيَان الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب قَوْله: (أرسل إِلَى رجل من الْأَنْصَار) وَلمُسلم وَغَيره: مر على رجل، فَيحمل على أَنه مر بِهِ فَأرْسل إِلَيْهِ وسمى مُسلم هَذَا الرجل فِي رِوَايَته من طَرِيق أُخْرَى عَن ابي سعيد عتْبَان، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة، وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق بعْدهَا بَاء مُوَحدَة، وَلَفظه: من رِوَايَة شريك بن أبي نمر عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد عَن أَبِيه، قَالَ: (خرجت مَعَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى قبا، حَتَّى إِذا كُنَّا فِي بني سَالم وقف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على بَاب عتْبَان فَخرج يجر إزَاره فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أعجلنا الرجل) . فَذكر الحَدِيث بِمَعْنَاهُ، وعتبان الْمَذْكُور هُوَ ابْن مَالك الْأنْصَارِيّ الخزرجي السالمي البدري، وَإِن لم يذكرهُ ابْن إِسْحَاق فيهم، وَكَذَا نسبه تَقِيّ بن مخلد فِي رِوَايَته لهَذَا الحَدِيث من هَذَا الْوَجْه، وَوَقع فِي رِوَايَة فِي (صَحِيح ابي عوَانَة) أَنه ابْن عتبَة. وَالْأول أصح، وَرَوَاهُ ابْن إِسْحَاق فِي (الْمَغَازِي) عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد عَن أَبِيه عَن جده، لكنه قَالَ: فَهَتَفَ بِرَجُل من أَصْحَابه يُقَال لَهُ: صَالح، فَإِن حمل على تعدد الْوَقْعَة وإلَاّ فطريق مُسلم أصح، وَقد وَقعت الْقِصَّة أَيْضا لرافع بن خديج وَغَيره. أخرجه أَحْمد وَغَيره، وَلَكِن الْأَقْرَب فِي تَفْسِير الْمُبْهم الَّذِي فِي البُخَارِيّ أَنه عتْبَان. وَالله اعْلَم. قَوْله: (فجَاء) أَي: الرجل الْمَدْعُو. قَوْله: (وَرَأسه يقطر) جملَة إسمية وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي: جَاءَ، وَمعنى: يقطر، ينزل من المَاء قَطْرَة قَطْرَة من أثر الِاغْتِسَال، وَإسْنَاد الْقطر إِلَى الرَّأْس مجَاز من قبل: سَالَ الْوَادي. قَوْله: (لَعَلَّنَا) كلمة: لَعَلَّ، هُنَا لإِفَادَة التَّحْقِيق، فَمَعْنَاه: قد أعجلناك. وَقَوله: (فَقَالَ: نعم) مُقَرر لَهُ، وَلَا يُمكن أَن يكون: لَعَلَّ، هُنَا على بَابه للترجي، والترجي لَا يحْتَاج إِلَى جَوَاب، وَهنا قد أجَاب الرجل بقوله: نعم. (و: أعجلناك) من الإعجال. يُقَال: أعجله إعجالاً وعجله تعجيلاً: إِذا استحثه، وَمَعْنَاهُ: اعجلناك عَن فرَاغ شغلك وحاجتك عَن الْجِمَاع. قَوْله: (إِذا أعجلت) على بِنَاء الْمَجْهُول، وَفِي أصل أبي ذَر: (إِذا عجلت) ، بِفَتْح الْعين وَكسر الْجِيم المخففة، وَفِي رِوَايَة: (إِذا أعجلت) ، بِالتَّشْدِيدِ على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (أَو قحطت) ، بِضَم الْقَاف وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة. قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: قحطت، بِفَتْح الْقَاف. وَقَالَ لنا شَيخنَا عبد الله بن احْمَد النَّحْوِيّ: الصَّوَاب ضم الْقَاف. وَفِي (صَحِيح مُسلم) : (أقحطت) ، بِفَتْح الْهمزَة والحاء، وَفِي رِوَايَة ابْن بشار بِضَم الْهمزَة وَكسر الْحَاء، وَالرِّوَايَتَانِ صحيحتان، وَمعنى الإقحاط هُنَا عدم الْإِنْزَال فِي الْجِمَاع، وَهُوَ اسْتِعَارَة من قُحُوط الْمَطَر، وَهُوَ انحباسه، وقحوط الأَرْض وَهُوَ عدم إخْرَاجهَا النَّبَات. وَحكى الْفراء: قحط الْمَطَر، بِالْكَسْرِ. وَفِي (الْمُحكم) : الْفَتْح أَعلَى، وقحط النَّاس بِالْكَسْرِ لَا غير وأقحطوا، وكرهها بَعضهم. وَلَا يُقَال: قحطوا وَلَا أقحطوا. وَحكى أَبُو حنيفَة: قحط الْقَوْم وَفِي (أمالي) الهجري: أقحط النَّاس. وَقَالَ التَّمِيمِي: وَقع فِي الْكتاب: قحطت، وَالْمَشْهُور أقحطت بِالْألف. يُقَال للَّذي أعجل فِي الْإِنْزَال فِي الْجِمَاع، فَفَارَقَ وَلم ينزل المَاء أَو جَامع فَلم يَأْته المَاء: أقحط. قَالَ الْكرْمَانِي: فعلى هَذَا التَّقْدِير لَا يكون لقَوْله: أعجلت فَائِدَة، اللَّهُمَّ إلَاّ أَن يُقَال: إِنَّه من بَاب عطف الْعَام على الْخَاص. فَإِن قلت: كلمة: أَو، مَا مَعْنَاهَا هَهُنَا؟ هَل هُوَ شكّ من روى أَو تنويع الحكم عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؟ قلت: الظَّاهِر أَنه من كَلَامه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَمرَاده بَيَان أَن عدم الْإِنْزَال سَوَاء كَانَ بِأَمْر خَارج عَن ذَات الشَّخْص أَو كَانَ من ذَاته لَا فرق بَينهمَا فِي الحكم فِي أَن الْوضُوء عَلَيْهِ فيهمَا. قَوْله: (فَعَلَيْك الْوضُوء) يجوز فِي الْوضُوء الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فعلى أَنه مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله: (عَلَيْك) ، وَالنّصب على أَن مفعول: عَلَيْك، لِأَنَّهُ إسم فعل نَحْو: عَلَيْك زيدا، وَمَعْنَاهُ: فَالْزَمْ الْوضُوء.

    ج ٣ ص ٥٨
  12. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: فِيهِ جَوَاز الْأَخْذ بالقرائن، لِأَن الصَّحَابِيّ لما أبضأ عَن الْإِجَابَة مُدَّة الِاغْتِسَال خَالف الْمَعْهُود مِنْهُ، وَهُوَ سرعَة الْإِجَابَة للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلَمَّا رأى عَلَيْهِ أثر الْغسْل دلّ على أَنه كَانَ مَشْغُولًا بجماع. الثَّانِي: يسْتَحبّ الدَّوَام على الطَّهَارَة لكَون النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يُنكر عَلَيْهِ تَأْخِير إجَابَته، وَكَأن ذَلِك كَانَ قبل إِيجَابهَا، إِذْ الْوَاجِب لَا يُؤَخر للمستحب. الثَّالِث: أَن هَذَا الحكم مَنْسُوخ، وَلم يق بِعَدَمِ نسخه إلَاّ من روى عَن هِشَام بن عُرْوَة وَالْأَعْمَش وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَدَاوُد، وَادّعى القَاضِي عِيَاض أَنه لَا يعلم من قَالَ بِهِ بعد خلاف الصَّحَابَة إلَاّ الْأَعْمَش وَدَاوُد. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إعلم أَن الْأمة مجمعة الْآن على وجوب الْغسْل بِالْجِمَاعِ، وَإِن لم يكن مَعَه إِنْزَال، وعَلى وُجُوبه بالإنزال، وَكَانَت جمَاعَة من الصَّحَابَة على أَنه لَا يجب إلَاّ بالإنزال، ثمَّ رَجَعَ بَعضهم وانعقد الْإِجْمَاع بعد الآخرين. وَفِي (الْمحلى) : وَمِمَّنْ رأى أَن لَا غسل من الْإِيلَاج فِي الْفرج إِن لم يكن إِنْزَال عُثْمَان بن عَفَّان وَعلي بن أبي طَالب وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَطَلْحَة بن عبيد الله وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن مَسْعُود وَرَافِع بن خديج وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي بن كَعْب وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَابْن عَبَّاس والنعمان بن

    ج ٣ ص ٥٩بشير وَزيد بن ثَابت وَجُمْهُور الْأَنْصَار وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَأَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن وَهِشَام بن عُرْوَة وَالْأَعْمَش وَبَعض أَصْحَاب الظَّاهِر. وَقَالَ ابْن حزم: وَرُوِيَ إِيجَاب الْغسْل عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وَأَبُو بكر الصّديق وَعمر بن الْخطاب وَابْن عمر وَعُثْمَان بن عَفَّان وَعلي بن ابي طَالب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس والمهاجرين. قلت: وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وأصحابهم وَبَعض أَصْحَاب الظَّاهِر وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْري.

  13. تابَعَهُ وَهْبٌ.

  14. أَي تَابع النَّضر بن شُمَيْل وهب بن جرير ابْن حَازِم، وَوصل هَذِه الْمُتَابَعَة أَبُو الْعَبَّاس السراج فِي مُسْنده عَن زِيَاد بن أَيُّوب.

  15. قالَ حَدثنَا شُعْبَةُ قَالَ أبوُ عَبْدِ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ ويحْيىَ عنْ شُعْبَةَ الوُضُوءُ

    قَوْله: (قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة) وَفِي بعض النّسخ: حَدثنَا شُعْبَة، بِدُونِهِ لفظ: قَالَ، وَهُوَ المُرَاد سَوَاء ذكر أَو لَا، أَي: قَالَ وهب: حَدثنَا شُعْبَة عَن الحكم عَن ذكْوَان ... إِلَى آخِره، بِمثل مَا ذكر. وَفِي رِوَايَة وهب عَن شُعْبَة. أخرجهَا الطَّحَاوِيّ. قَالَ: أخبرنَا يزِيد، قَالَ: حَدثنَا وهب، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن الْحَاكِم عَن ذكْوَان أبي صَالح عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ... الحَدِيث. قَوْله: (وَلم يقل) ، من كَلَام البُخَارِيّ أَي: لم يقل غنْدر، وَهُوَ مُحَمَّد بن جَعْفَر وَيحيى بن سعيد الْقطَّان الْوضُوء، يَعْنِي رويا هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة بِهَذَا الْإِسْنَاد والمتن، لَكِن لم يَقُولَا فِيهِ لفظ: الْوضُوء، بل قَالَا: فَعَلَيْك، فَقَط بِحَذْف الْمُبْتَدَأ وَجَاز ذَلِك لقِيَام الْقَرِينَة عَلَيْهِ، والمقدر عَن الْقَرِينَة كالملفوظ. كَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. وَقَالَ بَعضهم: لَكِن لم يَقُولَا فِيهِ: عَلَيْك الْوضُوء، وَأما يحيى فَهُوَ كَمَا قَالَه، قد أخرجه أَحْمد فِي (مُسْنده) عَنهُ وَلَفظه: فَلَيْسَ عَلَيْك غسل. وَأما غنْدر فقد أخرجه أَحْمد أَيْضا فِي مُسْنده عَنهُ لكنه ذكر الْوضُوء وَلَفظه: (فَلَا غسل عَلَيْك، عَلَيْك الْوضُوء) . وَهَكَذَا أخرجه مُسلم وَابْن مَاجَه والإسماعيلي وَأَبُو نعيم من طرق عَنهُ، وَكَذَا ذكر أَكثر أَصْحَاب شُعْبَة كَأبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَغَيره عَنهُ، وَكَأن بعض مَشَايِخ البُخَارِيّ حَدثهُ بِهِ عَن يحيى وغندر مَعًا، فساقه لَهُ على لفظ يحيى. وَالله اعْلَم. قلت: أما الْكَلَام الْكرْمَانِي فَلَا وَجه لَهُ، لِأَن معنى قَوْله: عَلَيْك، على مَا قَرَّرَهُ يحْتَمل أَن يكون: عَلَيْك الْغسْل، وَيحْتَمل أَن يكون: عَلَيْك الْوضُوء، وَالِاحْتِمَال الأول غير صَحِيح لِأَن فِي رِوَايَة يحيى فِي مُسْند أَحْمد التَّصْرِيح بقوله: فَلَيْسَ عَلَيْك غسل، وَالِاحْتِمَال الثَّانِي هُوَ الصَّحِيح، لِأَن فِي رِوَايَة غنْدر: عَلَيْك الْوضُوء، فَحِينَئِذٍ قَوْله: لم يقل غندرو يحيى عَن شُعْبَة الْوضُوء، مَعْنَاهُ: لم يذكرَا لفظ: عَلَيْك الْوضُوء، وَهَذَا كَمَا رَأَيْت فِي رِوَايَة أَحْمد عَن يحيى لَيْسَ فِيهَا: عَلَيْك الْوضُوء، وَإِنَّمَا لَفظه: فَلَيْسَ عَلَيْك غسل. فان قلت: كَيفَ قَالَ البُخَارِيّ: لم يَقُولَا عَن شُعْبَة الْوضُوء، فَهَذَا فِي رِوَايَة غنْدر ذكر: عَلَيْك الْوضُوء؟ قلت: كَأَنَّهُ سمع من بعض مشايخه أَنه حَدثهُ عَن يحيى وغندر كليهمَا، فساق شَيْخه لَهُ على لفظ يحيى، وَلم يسقه على لفظ غنْدر، فَهَذَا تَقْرِير مَا قَالَه بَعضهم، وَلَكِن فِيهِ نظر على مَا لَا يخفى.