- (باب قول الله تعالى: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم} (البقرة:
٨ فقرات، ج ١٤ ص ٦٤
- ج ١٤ ص ٦٤
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر قَول الله تَعَالَى: {ويسألونك} (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . وَقَالَ ابْن جرير: حَدثنَا سُفْيَان بن وَكِيع حَدثنَا جرير عَن عَطاء ابْن السَّائِب عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: لما نزلت: {لَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إلَاّ بِالَّتِي هِيَ أحسن وَإِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما ... } (النِّسَاء: ٠١) . الْآيَة، انْطلق من كَانَ عِنْده يَتِيم يعْزل طعامة من طَعَامه وَشَرَابه من شرابه، فَجعل يفضل لَهُ الشَّيْء من طَعَامه فَيحْبس لَهُ حَتَّى يَأْكُلهُ أَو يفْسد، فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِم، فَذكرُوا ذَلِك لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَأنْزل الله: {ويسألونك عَن الْيَتَامَى؟ قل: إصْلَاح لَهُم خير وَإِن تخالطوهم فإخوانكم} (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من طرق عَن عَطاء بن السَّائِب بِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس، وَكَذَا رَوَاهُ السّديّ عَن أبي مَالك وَعَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس وَعَن مرّة عَن ابْن مَسْعُود بِمثلِهِ، وَكَذَا رَوَاهُ غير وَاحِد فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة، كمجاهد وَعَطَاء وَالشعْبِيّ وَابْن أبي ليلى وَقَتَادَة وَغير وَاحِد من السّلف وَالْخلف. قَوْله: {قل إصْلَاح لَهُم خير} (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . أَي: على حِدة: {وَإِن تخالطوهم فإخوانكم} (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . أَي: وَإِن خلطتم طَعَامكُمْ بطعامهم وشرابكم بشرابهم فَلَا بَأْس عَلَيْكُم، لأَنهم إخْوَانكُمْ فِي الدّين، وَلِهَذَا قَالَ: {وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح} (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . أَي: يعلم من قَصده وَنِيَّته الْإِفْسَاد أَو الْإِصْلَاح. وَيُقَال: وَإِن تخالطوهم أَي: فِي الطَّعَام وَالشرَاب وَالسُّكْنَى واستخدام العبيد فإخوانكم. وَقَالُوا لرَسُول الله: بقيت الْغنم لَا راعي لَهَا، وَالطَّعَام لَيْسَ لَهُ صانع، فَنزلت، وَنسخ ذَلِك. قَوْله: {وَلَو شَاءَ الله لأعنتكم} (الْبَقَرَة: ٠٢٢) . أَي: لَو شَاءَ لضيق عَلَيْكُم وأحرجكم، وَلكنه وسع عَلَيْكُم وخفف عَنْكُم وأباح لكم مخالطتهم بِالَّتِي هِيَ أحسن، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وعَلى هَذَا اجْتِمَاع الرّفْقَة فِي السّفر على خلط المَال، ثمَّ اتِّخَاذ الْأَطْعِمَة بِهِ، وَتَنَاول الْكل مِنْهَا مَعَ وهم التَّفَاوُت، فَرخص لَهُم اسْتِدْلَالا بِهَذِهِ الْآيَة.
-
لأعْنَتَكُمْ لأحْرَجَكُمْ وضَيَّقَ علَيْكُمْ. وعَنَتْ خَضَعَتْ
هَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس أخرجه ابْن الْمُنْذر من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ، وَزَاد بعد قَوْله: ضيق عَلَيْكُم، وَلكنه وسع وَيسر. قَوْله: (لأعنتكم) من الإعنات، واشتقاقه من: الْعَنَت، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالنُّون وَفِي آخِره تَاء مثناة من فَوق والهمزة فِيهِ للتعدية أَي: لأوقعكم فِي الْعَنَت، وَهُوَ: الْمَشَقَّة، وَيَجِيء بِمَعْنى الْفساد والهلاك وَالْإِثْم والغلط وَالْخَطَأ وَالزِّنَا، كل ذَلِك قد جَاءَ، وَيسْتَعْمل كل وَاحِد بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الْكَلَام. قَوْله: (وعنت: خضعت) ، لَيْسَ لَهُ دخل هُنَا، لِأَن التَّاء فِيهِ للتأنيث، ومذكره
ج ١٤ ص ٦٥عَنَّا، إِذا خضع، وكل من ذل وخضع واستكان فقد عَنَّا يعنو، وَهُوَ عانٍ، وَالْمَرْأَة عانية، وَجَمعهَا: عوان، وَكَأَنَّهُ ظن أَن التَّاء فِي عنت أَصْلِيَّة، فَلذَلِك ذكره هُنَا عقيب. قَوْله: (لأعنتكم) ، وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن التَّاء فِي: لأعنتكم، أَصْلِيَّة، وَقيل: لَعَلَّه ذكره اسْتِطْرَادًا، وَلَا يَخْلُو عَن تعسف.
-
٧٦٧٢ - وَقَالَ لَنا سُلَيْمَانُ حدَّثنا حَمَّادٌ عنْ أيُّوبَ عنْ نافِعٍ قَالَ مَا رَدَّ ابنُ عُمَرَ عَلِيِّ على أحَدٍ وصِيَّةً.
-
سُلَيْمَان هُوَ ابْن حَرْب أَبُو أَيُّوب الواشجي قَاضِي مَكَّة، وَهُوَ من شُيُوخ البُخَارِيّ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَإِنَّمَا قَالَ بِلَفْظ: قَالَ، لِأَنَّهُ لم يذكرهُ على سَبِيل النَّقْل والتحميل، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ مَوْصُول، وَجَرت عَادَته الْإِتْيَان بِهَذِهِ الصِّيغَة فِي الْمَوْقُوفَات غَالِبا، وَفِي المتابعات نَادرا، وَلم يصب من قَالَ: إِنَّه لَا يَأْتِي بهَا إلَاّ فِي المذاكرة، وَأبْعد من قَالَ: إِنَّهَا للإجازة. انْتهى. قلت: كَيفَ يَقُول: هُوَ مَوْصُول وَلَيْسَ فِيهِ لفظ من الْأَلْفَاظ الَّتِي تدل على الِاتِّصَال؟ نَحْو: التحديث والإخبار وَالسَّمَاع والعنعنة؟ وَالَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ الْأَظْهر. قَوْله: (مَا ردَّ ابْن عمر على أحد وَصِيَّة) يَعْنِي: أَنه كَانَ يقبل وَصِيَّة من يُوصي إِلَيْهِ، وَقَالَ ابْن التِّين: كَأَنَّهُ كَانَ يَبْتَغِي الْأجر بذلك، لحَدِيث: (أَنا وكافل الْيَتِيم كهاتين) الحَدِيث.
-
وكانَ ابنُ سِيرينَ أحَبَّ الأشْياءِ إلَيْهِ فِي مالِ الْيَتِيمِ أنْ يَجْتَمِعَ إلَيْهِ نُصَحَاؤُهُ وأوْلِيَاؤُهُ فَيَنْظُرُوا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ
ابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد. قَوْله: (أحب الْأَشْيَاء) ، بِالرَّفْع على أَنه مُبْتَدأ وَخَبره هُوَ قَوْله: (أَن يجْتَمع) ، و: كَانَ، بِمَعْنى: وجد، قَوْله: (أَن يجْتَمع إِلَيْهِ) ، ويروى أَن يخرج إِلَيْهِ. قَوْله: (نصحاؤه) ، بِضَم النُّون: جمع نصيح بِمَعْنى نَاصح. قَوْله: (فينظروا، ويروى: فَيَنْظُرُونَ، على الأَصْل.
-
وكانَ طَاوُوسٌ إذَا سُئِلَ عنْ شَيْءٍ مِنْ أمْرِ اليَتَامَى قَرَأ {وَالله يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} (الْبَقَرَة: ٠٢٢) .
-
طَاوُوس بن كيسَان الْيَمَانِيّ، وَهَذَا وَصله سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِي (تَفْسِيره) عَن هِشَام بن حُجَيْر، بحاء مُهْملَة ثمَّ جِيم مصغر، عَن طَاوُوس أَنه كَانَ، إِذا سُئِلَ عَن مَال الْيَتِيم يقْرَأ: {ويسألونك عَن الْيَتَامَى قل إصْلَاح لم خير، وَالله يعلم الْمُفْسد من المصلح} (الْبَقَرَة: ٠٢٢) .
-
وَقَالَ عَطاءٌ فِي يَتَامَى الصَّغِيرُ والْكَبِيرُ يُنْفِقُ الوَلِيُّ علَى كُلِّ إنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ
عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَهَذَا وَصله ابْن أبي شيبَة من رِوَايَة عبد الْملك بن سُلَيْمَان، عَنهُ أَنه سُئِلَ عَن الرجل يَلِي أَمْوَال أَيْتَام وَفِيهِمْ الصَّغِير وَالْكَبِير، وَمَا لَهُم جَمِيع لم يقسم. قَالَ: ينْفق على كل إِنْسَان مِنْهُم من مَاله على قدره، وَهَذَا يُفَسر مَا ذكره من قَول عَطاء. قَوْله: (فِي يتامى) ، وَفِي بعض النّسخ: فِي الْيَتَامَى، قَوْله: (الصَّغِير وَالْكَبِير) أَي: الوضيع والشريف مِنْهُم. قَوْله: (بِقَدرِهِ) ، أَي: بِقدر الْإِنْسَان، أَي: اللَّائِق حَاله، ويروى: بِقدر حِصَّته.