- (باب قول الله جل وعز: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} إلى قوله {أولئك في ضلال مبين} (الأحقاف:
٣ فقرات، ج ١٥ ص ١٨٦
- ج ١٥ ص ١٨٦
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ صرفنَا} (الْأَحْقَاف: ٩٢ ٢٣) . فَعَن قريب نذْكر تَفْسِير: صرفنَا، وَتَمام الْآيَة وَمَا بعْدهَا إِلَى قَوْله: {أُولَئِكَ فِي ضلال مُبين} (الْأَحْقَاف: ٩٢ ٢٣) . هُوَ قَوْله تَعَالَى: {يَسْتَمِعُون الْقُرْآن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصتُوا فَلَمَّا قضى ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين قَالُوا يَا قَومنَا إِنَّا سمعنَا كتابا أنزل من بعد مُوسَى مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ يهدي إِلَى الْحق وَإِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم يَا قَومنَا أجِيبُوا دَاعِي الله وآمنوا بِهِ يغْفر لكم من ذنوبكم ويُجِركم من عَذَاب أَلِيم وَمن لَا يجب دَاعِي الله فَلَيْسَ بمعجز فِي الأَرْض وَلَيْسَ لَهُ من دونه أَوْلِيَاء أُولَئِكَ فِي ضلال مُبين} (الْأَحْقَاف: ٩٢ ٢٣) . وَإِنَّمَا ذكر بعض هَذِه الْآيَة ثمَّ قَالَ إِلَى قَوْله أُولَئِكَ فِي ضلال مُبين إِشَارَة إِلَى أُمُوره الأول فِيهِ دلَالَة على وجود الْجِنّ. الثَّانِي: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن فِي الْجِنّ مُؤمنين. الثَّالِث: أَشَارَ بِهِ إِلَى أَن الْمُؤمنِينَ مِنْهُم لَهُم الثَّوَاب والكافرين مِنْهُم عَلَيْهِم الْعقَاب. قَوْله: (وَإِذ صرفنَا) ، الْعَامِل فِي: وَإِذ، مَحْذُوف تَقْدِيره: وَاذْكُر حِين صرفنَا إِلَيْك، وَنَذْكُر معنى: صرفنَا، حِين ذكره البُخَارِيّ عَن قريب، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لما بَين الله تَعَالَى أَن الْإِنْس مِنْهُم من آمن وَمِنْهُم من كفر، بَين أَن الْجِنّ أَيْضا مِنْهُم من آمن وَمِنْهُم من كفر، وَأَن مؤمنهم معرض للثَّواب وَأَن كافرهم معرض للعقاب. قَوْله: (نَفرا) مفعول: صرفنَا، والنفر دون الْعشْرَة، وملاقاة هَؤُلَاءِ الْجِنّ مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِين انْصَرف من الطَّائِف رَاجعا إِلَى مَكَّة حِين يئس من خبر ثَقِيف، حَتَّى إِذا كَانَ بنخلة قَامَ من جَوف اللَّيْل يُصَلِّي، فَمر بِهِ نفر من جن أهل نَصِيبين، وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن الْجِنّ كَانَت تسْتَرق السّمع، فَلَمَّا
ج ١٥ ص ١٨٧حرست السَّمَاء وَرَجَمُوا بِالشُّهُبِ، قَالَ إِبْلِيس: إِن هَذَا الَّذِي حدث فِي السَّمَاء لشَيْء حدث فِي الأَرْض. فَبعث سَرَايَا ليعرف الْخَبَر فَكَانَ أول بعث ركب من أهل نَصِيبين، وهم أَشْرَاف الْجِنّ وساداتهم، فبعثهم إِلَى تهَامَة فاندفعوا حَتَّى بلغُوا وَادي نَخْلَة فوجدوا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يُصَلِّي صَلَاة الْغَدَاة وَيَتْلُو الْقُرْآن. فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ قَالُوا: أَنْصتُوا يَعْنِي: اصغوا إِلَى قِرَاءَته. قَوْله: (فَلَمَّا قضى) أَي: فَلَمَّا فرغ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من تِلَاوَته، ولوا أَي: رجعُوا إِلَى قَومهمْ منذرين، أَي: محذرين عَذَاب الله إِن لم يُؤمنُوا. قَوْله: (قَالُوا: يَا قَومنَا) يَعْنِي: قَالُوا لَهُم إِنَّا سمعنَا كتابا أنزل من بعد مُوسَى، ذهب بَعضهم إِلَى أَنهم كَانُوا يهود، وَلِهَذَا قَالُوا: من بعد مُوسَى، وَعَن ابْن عَبَّاس: كَانَت الْجِنّ لم تسمع بِأَمْر عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَلذَلِك قَالُوا: من بعده مُوسَى. قَوْله: (مُصدقا) صفة لقَوْله: كتابا، يَعْنِي: مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتب. قَوْله: (يهدي إِلَى الْحق) ، صفة للْكتاب بعد صفة، وَكَذَلِكَ قَوْله: إِلَى طَرِيق مُسْتَقِيم، قَوْله: (قُولُوا) ، يَعْنِي: قَالُوا لقومهم أجِيبُوا دَاعِي الله، أَي: النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَوْله: (ويُجِرْكُم من عَذَاب أَلِيم) أَي: من عَذَاب النَّار، وَقَالُوا أَيْضا: وَمن لَا يجب دَاعِي الله، أَي: الرَّسُول، وَلم يُؤمن بِهِ. قَوْله: (فَلَيْسَ بمعجز فِي الأَرْض) أَي: لَا يُنجي مِنْهُ مهرب وَلَا يسْبق قَضَاءَهُ سَابق. قَوْله: (أَوْلِيَاء) أَي: أنصار يمنعونه مِنْهُ، وَعَن ابْن عَبَّاس أَن هَؤُلَاءِ الْجِنّ كَانُوا سَبْعَة من جن نَصِيبين فجعلهم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رسلًا إِلَى قَومهمْ، وَقيل: كَانُوا تِسْعَة، وَقيل: كَانُوا اثْنَي عشر ألفا. وَالسورَة الَّتِي كَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يقْرؤهَا سُورَة {إقرأ باسم رَبك} (العلق: ١) . وَذكر ابْن دُرَيْد من أَسمَاء هَؤُلَاءِ الْجِنّ خَمْسَة، وهم: سامر ومامر ومنسى وماسي والأحقب، وَذكر ابْن سَلام فِي (تَفْسِيره) عَن ابْن مَسْعُود: وَمِنْهُم: عَمْرو ابْن جَابر، وَذكر ابْن أبي الدُّنْيَا: زَوْبَعَة، وَمِنْهُم: سرق، وَفِي (تَفْسِير عبد بن حميد) : كَانُوا من نِينَوَى، وأتوه بنخلة وَقيل: بشعب الْحجُون.
-
مَصْرِفاً مَعْدِلاً
أَشَارَ بِهِ إلَى مَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلم يَجدوا عَنْهَا مصرفاً} (الْكَهْف: ٣٥) . وَفَسرهُ بقوله: معدلاً، وَبِه فسر أَبُو عُبَيْدَة.
-
صَرَفْنا أيْ وجَّهْنا
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا فِي الْآيَة الْمَذْكُورَة من قَوْله: {وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ} (الْأَحْقَاف: ٩٢) . وَفسّر: صرفنَا، بقوله: وجهنا، وَقيل: مَعْنَاهُ أملنا إِلَيْك، وَقيل: أَقبلنَا بهم نَحْوك، وَقيل ألجأناهم، وَقيل: وفقناهم بصرفنا إيَّاهُم عَن بِلَادهمْ إِلَيْك، وَالله أعلم.