كتاب الغسل

٤ فقرات، ج ٣ ص ١٩٠

  1. بِسم الله الرحمن الرَّحِيم

    أَي: هَذَا كتاب فِي بَيَان أَحْكَام الْغسْل، هُوَ بِضَم الْغَيْن لِأَنَّهُ اسْم للاغتسال، وَهُوَ: إسالة المَاء وإمراه على الْجِسْم، وبفتح الْغَيْن مصدر. وَفِي (الْمُحكم) غسل الشَّيْء يغسلهُ غسلا وغسلاً، وَهَذَا لم يفرق بَين الْفَتْح وَالضَّم وَجعل كِلَاهُمَا مصدرا وَغَيره يَقُول بِالْفَتْح مصدر، وبالضم اسْم، وبالكسر اسْم لما يَجْعَل مَعَ المَاء كالأسنان وَنَحْوه، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: بَاب الْغسْل وَهَذَا أوجه لِأَن الْكتاب يجمع الْأَنْوَاع وَالْغسْل نوع وَاحِد من أَنْوَاع الطَّهَارَة وَإِن كَانَ فِي نَفسه يَتَعَدَّد: وَكَذَا حذفت الْبَسْمَلَة فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَفِي رِوَايَة غَيره الْبَسْمَلَة. ثمَّ كتاب الْغسْل. ثمَّ إِنَّه لما فرغ من بَيَان الطَّهَارَة الصُّغْرَى بأنواعها شرع فِي بَيَان الطَّهَارَة الْكُبْرَى بأنواعها، وَتَقْدِيم الصُّغْرَى ظَاهر لِكَثْرَة دوراتها بِخِلَاف الْكُبْرَى.

    ج ٣ ص ١٩٠
  2. وَقَول اللَّهِ تَعَالَى {وَأَنْ كُنْتُمْ جُنُباً فاطَّهَّرُوا وَإِنْ تتُمْ مَرْضَى إِوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعيِداً طَيِباً فامْسَحُوا بِوُوجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يِرِيدُ اللَّهُ ليَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدْ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَلَلَّكُمْ تَشْكَرُونَ} . وقوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ علَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءَ فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِباً فامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُواً غَفُوراً} (سُورَة النِّسَاء: ٤٣) .

  3. افْتتح كتاب الْغسْل بالآيتين الكريمتين إشعاراً بِأَن وجوب الْغسْل على الْجنب بِنَصّ الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} (سُورَة الْمَائِدَة: ٦) أَي: إغسلوا أبدانكم على وَجه الْمُبَالغَة، وَالْجنب يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد والإثنان وَالْجمع والمذكر والمؤنث لِأَنَّهُ اسْم جرى مجْرى الْمصدر الَّذِي هُوَ الإجناب، يُقَال: أجنب يجنب إجناباً، والجنابة الِاسْم، وَهُوَ فِي اللُّغَة الْبعد، وَسمي الْإِنْسَان جنبا لِأَنَّهُ نهي أَن يقرب من مَوَاضِع الصَّلَاة مَا لم يتَطَهَّر، وَيجمع على أجناب وجنبين. وَقَوله: {فاطهروا} الْقَاعِدَة تَقْتَضِي أَن يكون أَصله، تطهروا فَلَمَّا قصدُوا الْإِدْغَام قلبت التَّاء طاء فأدغم فِي الطَّاء، واجتلبت همزَة الْوَصْل، وَمَعْنَاهُ: طهروا أبدانكم. قلت: أَصله من بَاب التفعل ليدل على التَّكَلُّف والاعتمال، وَكَذَلِكَ بَاب الافتعال يدل عَلَيْهِ، نَحْو: اطهر أَصله من: طهر يطهر، فَنقل طهر، إِلَى بَاب الافتعال، فَصَارَ: أطهر، على وزن افتعل فقلبت التَّاء طاء وأدغمت الطَّاء فِي الطَّاء وَفِيه من التَّكَلُّف مَا لَيْسَ فِي طهر، وَتَمام الْآيَة {وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تشكرون} (سُورَة النِّسَاء:) وفيهَا من الْأَحْكَام مَا استنبط مِنْهَا الْفُقَهَاء على مَا عرف فِي مَوْضِعه.

  4. وَالْآيَة الثَّانِيَة فِي سُورَة النِّسَاء. {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ وَلَا جنبا إلَاّ عابري سَبِيل حَتَّى تغتسلوا وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ إِن الله كَانَ عفوا غَفُورًا} (سُورَة النِّسَاء: ٢) قَوْله: {وَلَا جنبا

    ج ٣ ص ١٩١إِلَّا عابري سَبِيل حَتَّى تغتسلوا} (سُورَة النِّسَاء: ٤٣) يدل على فَرضِيَّة الِاغْتِسَال من الْجَنَابَة، فَقَالَ بَعضهم: قدم الْآيَة الَّتِي من سرة الْمَائِدَة على الْآيَة الَّتِي من سُورَة النِّسَاء لدقيقة. وَهِي أَن لَفظه. {فاطهروا} (سُورَة الْمَائِدَة: ٦) الَّتِي فِي الْمَائِدَة فِيهَا إجنال وَلَفظه {} حَتَّى تغتسلوا الَّتِي فِي النِّسَاء فِيهَا تَصْرِيح بالاغتسال، وَبَيَان للتطهر الْمَذْكُور. قلت: لَا إِجْمَال فِي {فاطهروا} لِأَن معنى {فاطهروا} أغسلوا أبدانكم كَمَا ذكرنَا، وتطهر الْبدن هُوَ الِاغْتِسَال فَلَا إِجْمَال لَا لُغَة وَلَا اصْطِلَاحا على مَا لَا يخفى.