سورة الكهف
٢٩ فقرة، ج ١٩ ص ٣٦
- ج ١٩ ص ٣٦
أَي: هَذَا فِي بَيَان بعض تَفْسِير سُورَة الْكَهْف، ذكر ابْن مرديه أَن ابْن عَبَّاس، وَعبد الله بن الزبير رَضِي الله عَنْهُم، قَالَا: إِنَّهَا مَكِّيَّة، وَعَن الْقُرْطُبِيّ عَن ابْن عَبَّاس: مَكِّيَّة إلَاّ قَوْله: {واصبر نَفسك} (الْكَهْف: ٨٢) فَإِنَّهَا مَدَنِيَّة، وَفِي: {مقامات التَّنْزِيل} : فِيهَا ثَلَاث آيَات مدنيات: قَوْله: {واصبر نَفسك} ، وَقَوله: {ويسألونك عَن ذِي القرنين} (الْكَهْف: ٣٨) ، وَهِي سِتَّة آلَاف وثلاثمائة وَسِتُّونَ حرفا، وَألف وَخَمْسمِائة وَسبع وَسَبْعُونَ كلمة، وَمِائَة وَعشر آيَات.
-
{بِسم الله الرحمان الرَّحِيم}
-
ثبتَتْ الْبَسْمَلَة للأكثرين إلَاّ لأبي ذَر فَإِنَّهَا لم تثبت.
-
وَقَالَ مُجاهِدٌ تَقْرِضُهُمْ تَتْرُكُهُمْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله: (وَإِذا غربت تقرضهم ذَات الشمَال) (الْكَهْف: ٧١) وَفسّر مُجَاهِد: (تقرضهم) بقوله: (تتركهم) هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ الْحَنْظَلِي عَن حجاج بن حَمْزَة: حَدثنَا شَبابَة حَدثنَا وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد، فَذكره. وَعَن ابْن عَبَّاس: تقرضهم تَدعهُمْ، وَعَن مقَاتل: تتجاوزهم أصل الْقَرْض الْقطع.
-
{وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ}
-
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وفجرنا خلالهما نَهرا وَكَانَ لَهُ ثَمَر} (الْكَهْف: ٣٣) الْآيَة، وَفسّر الثَّمر، بِضَم الثَّاء: بِالذَّهَب وَالْفِضَّة، وَهَذَا من تَتِمَّة قَول مُجَاهِد، وَرَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة فِي تَفْسِيره عَن ابْن جريج عَنهُ. وَأخرج الْفراء من وَجه آخر عَن مُجَاهِد، قَالَ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآن ثَمَر بِالضَّمِّ فَهُوَ المَال، وَمَا كَانَ بِالْفَتْح فَهُوَ النَّبَات.
-
{وَقَالَ غَيْرُهُ جَماعَةُ الثَّمَر}
قَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ عَنى بِهِ قَتَادَة. قلت: الَّذِي قَالَه صَاحب (التَّلْوِيح) جمَاعَة هُوَ الصَّوَاب. قَوْله: (جمَاعَة) أَي: جُمُعَة، أَي جمع الثَّمر، بِالْفَتْح الثَّمر بِضَمَّتَيْنِ، وَقيل: إِن الثَّمَرَة تجمع على ثمار، وَالثِّمَار تجمع على ثَمَر، فَيكون الثَّمر جمع الْجمع.
-
{باخِعٌ مُهْلِكٌ}
-
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله عز وَجل: {فلعلك باخع نَفسك على آثَارهم} (الْكَهْف: ٦) الْآيَة. وَفسّر باخع، بقوله: مهلك، وَبِه فسر أَبُو عُبَيْدَة.
-
{أسَفاً نَدَماً}
-
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {إِن لم يُؤمنُوا بِهَذَا الحَدِيث أسفا} (الْكَهْف: ٦) ، وَفسّر: أسفا بقوله: (ندماً) ، وَكَذَا فسره أَبُو عُبَيْدَة، وَعَن قَتَادَة: أسفا حزنا، وَأَرَادَ بِالْحَدِيثِ الْقُرْآن.
-
{الكَهْفُ الفَتْحُ فِي الجَبَلِ} أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {أم حسبت أَن أَصْحَاب الْكَهْف والرقيم} (الْكَهْف: ٩) وَفسّر (الْكَهْف) بقوله: (الْفَتْح فِي الْجَبَل) ، وَيُقَال: الْكَهْف الْغَار فِي الْجَبَل.
-
{والرَّقيمُ الكِتابُ مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ}
-
اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي الرقيم، فَقيل: هُوَ الطاق فِي الْجَبَل، وَعَن ابْن عَبَّاس: هُوَ وَاد بَين أَيْلَة وَعُسْفَان، وأيلة دون فلسطين وَهُوَ الْوَادي الَّذِي فِيهِ أَصْحَاب الْكَهْف، وَقَالَ كَعْب: هُوَ قريتهم، فعلى هَذَا التَّأْوِيل من رقمة الْوَادي، وَهُوَ مَوضِع المَاء مِنْهُ، وَعَن سعيد بن جُبَير: الرقيم لوح من حِجَارَة، وَقيل: من رصاص كتبُوا فِيهِ أَسمَاء أَصْحَاب الْكَهْف وقصصهم ثمَّ وضعوه على بَاب الْكَهْف، فعلى هَذَا الرقيم بِمَعْنى المرقوم، أَي: الْمَكْتُوب، والرقم الْخط والعلامة، والرقم الْكِتَابَة.
-
{رَبَطْنا عَلَى قُلُوبِهِمْ ألْهَمْناهُمْ صَبْراً}
-
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وربطنا على قُلُوبهم إِذْ قَامُوا} وَفسّر: ربطنا قَوْله: ألهمناهم صبرا. وَفِي التَّفْسِير: شددنا على قُلُوبهم بِالصبرِ وألهمناهم ذَلِك وقويناهم بِنور الْإِيمَان حَتَّى صَبَرُوا على هجران دَار قَومهمْ وفراق مَا كَانُوا فِيهِ من خفض الْعَيْش.
- ج ١٩ ص ٣٧
{لَوْلَا أنْ رَبَطْنا عَلَى قَلْبِها}
-
هَذَا فِي تَفْسِير سشورة الْقَصَص، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا إِن كَادَت لتبدي بِهِ لَوْلَا أَن ربطنا على قَلبهَا لتَكون من الْمُؤمنِينَ} (الْقَصَص: ٠١) ذكره هُنَا اسْتِطْرَادًا لِأَنَّهُ من مَادَّة: ربطنا على قُلُوبهم، وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة: لَوْلَا أَن ربطنا على قَلبهَا بِالْإِيمَان.
-
{شَطَطاً: إفْرَاطاً}
-
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {لن نَدْعُو من دونه إل هَا لقد قُلْنَا إِذا شططا} (الْكَهْف: ٤١) ، وَفسّر: (شططاً) بقوله: (إفراطاً) وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُقَاتِل: جوراً وَعَن قَتَادَة: كذبا وأصل الشطط مُجَاوزَة الْقدر والإفراط.
-
الوَصِيدُ الفِناءُ جَمْعُهُ وصائِدُ ووُصُدُ ويُقالُ الوَصِيدُ البابُ مُؤْصَدَة مُطْبَقَةٌ آصَدَ البابَ وأوْصَدَ.
-
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وكلبهم باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد} (الْكَهْف: ٨١) وَفَسرهُ (بالفناء) بِكَسْر الْفَاء وَهُوَ سَعَة أَمَام الْبيُوت، وَقيل: مَا امْتَدَّ من جوانبها. قَوْله: (وَيُقَال الوصيد الْبَاب) ، وَرُوِيَ كَذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، وَقَالَهُ السّديّ أَيْضا، وَعَن عَطاء: الوصيد عتبَة الْبَاب. قَوْله: (مؤصدة: مطبقة) ذكره اسْتِطْرَادًا، وَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّهَا عَلَيْهِم مؤصدة} (الْهمزَة: ٨) يَعْنِي: إِن النَّار عَلَيْهِم أَي على الْكَافرين مؤصدة، أَي مطبقة، قَالَه الْكَلْبِيّ، واشتقاقه من آصد يوصد أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: (آصد الْبَاب) بِمد الْهمزَة أَي: أطبقه، وَكَذَلِكَ (أوصد) .
-
{بَعَثْناهُمْ أحْيَيْناهُمْ}
-
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ بعثناهم لنعلم أَي الحزبين أحصى لما لَبِثُوا أمداً} (الْكَهْف: ٢١) وَإِلَى قَوْله تَعَالَى أَيْضا: {وَكَذَلِكَ بعثناهم ليتساءلوا} (الْكَهْف: ٩١) الْآيَة، وَفِي التَّفْسِير قَوْله: (ثمَّ بعثناهم) يَعْنِي: من نومهم، وَذَلِكَ حِين تنَازع الْمُسلمُونَ الْأَولونَ أَصْحَاب الْكَهْف والمسلمون الْآخرُونَ الَّذين أَسْلمُوا حِين رَأَوْا أَصْحَاب الْكَهْف فِي قدر مُدَّة لبثهم فِي الْكَهْف، فَقَالَ الْمُسلمُونَ الْأَولونَ: مَكَثُوا فِي الْكَهْف ثَلَاثمِائَة وتسع سِنِين، وَقَالَ الْمُسلمُونَ الْآخرُونَ: بل مَكَثُوا كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ الْآخرُونَ: الله أعلم بِمَا لَبِثُوا، فَذَلِك قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ بعثناهم لنعلم} قَوْله: (أحصى) أَي: أحفظ فِي الْعد. قَوْله: (لما لَبِثُوا) أَي: لما مَكَثُوا فِي كهفهم نياماً. قَوْله: (أمداً) أَي: غَايَة، وَعَن مُجَاهِد عددا، وَكَذَلِكَ بعثناهم يَعْنِي: كَمَا امتناهم فِي الْكَهْف ومنعناهم من الْوُصُول إِلَيْهِم وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزَّمَان وثيابهم من العفن، كَذَلِك بعثناهم من النومة الَّتِي تشبه الْمَوْت.
-
أزْكَى أكْثَرُ ويُقالُ أحَلُّ ويُقالُ أكثَرُ رَيْعاً: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ أكْلَها
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَلْينْظر أَيهَا أزكى طَعَاما} (الْكَهْف: ٩١) وَفسّر أزكى بقوله: أَكثر، وَكَذَا فسره عِكْرِمَة، وَأَصله من الزَّكَاة وَهِي الزِّيَادَة والنماء. قَوْله: (وَيُقَال: أحل) ، أَي: أحل ذَبِيحَة، قَالَه ابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن جُبَير لِأَن عامتهم كَانُوا مجوساً وَفِيه قوم مُؤمنُونَ يخفون إِيمَانهم. قَوْله: (وَيُقَال: أَكثر ريعاً) أَي: معنى أزكى أَكثر ريعاً، والريع الزِّيَادَة والنماء على الأَصْل، قَالَه ابْن الْأَثِير. قَوْله: (وَقَالَ ابْن عَبَّاس: أكلهَا) أَي: أزكى أكلهَا، أَي: أطيب أكلهَا، والمعاني الْمَذْكُورَة مُتَقَارِبَة.
-
ولَمْ تَظْلِمْ لَمْ تَنْقُصْ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {كلتا الجنتين آتت أكلهَا وَلم تظلم مِنْهُ شَيْئا} (الْكَهْف: ٣٣) وَفسّر قَوْله: (لم تظلم) بقوله: (لم تنقص) وَهَذَا من تَفْسِير ابْن عَبَّاس رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم عَن أَبِيه: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُوسَى حَدثنَا هِشَام بن يُوسُف عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس.
-
وَقَالَ سَعِيدٌ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ الرَّقِيمُ اللَّوْحُ مِنْ رصاصٍ كَتَبَ عامِلُهُمْ أسْماءَهُمْ ثمَّ طَرَحَهُ فِي خِزانَتِهِ
لَا يُوجد هَذَا فِي كثير من النّسخ وَمَعَ هَذَا لَو كَانَ ذكر عِنْد قَوْله: (والرقيم) الْكتاب مرقوم مَكْتُوب من الرقم لَكَانَ أوجه وَأقرب، وَسَعِيد هُوَ ابْن جُبَير، وروى هَذَا التَّعْلِيق ابْن الْمُنْذر عَن عَليّ عَن أبي عبيد: حَدثنَا سُفْيَان بن حُسَيْن عَن يعلى بن مُسلم عَن سعيد عَن ابْن عَبَّاس بِلَفْظ إِن الْفتية طلبُوا فَلم يجدوهم، فَرفع ذَلِك إِلَى الْملك فَقَالَ: لَيَكُونن لهَؤُلَاء شَأْن، فدعى بلوح من رصاص فَكتب أَسْمَاءَهُم فِيهِ وَطَرحه فِي خزانته، قَالَ: فالرقيم هُوَ اللَّوْح الَّذِي كتبُوا فِيهِ.
- ج ١٩ ص ٣٨
{فَضرب الله على آذانهم فَنَامُوا} هَذِه إشاءة إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف سِنِين عددا} (الْكَهْف: ١١) هَذَا من فصيحات الْقُرْآن الَّتِي أقرَّت الْعَرَب بالقصور عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ، وَمَعْنَاهُ: أنمناهم وسلطنا عَلَيْهِم النّوم، كَمَا يُقَال: ضرب الله فلَانا بالفالج، أَي: ابتلاه بِهِ وأرسله عَلَيْهِ، وَقيل: مَعْنَاهُ حجبناهم عَن السّمع وسددها نُفُوذ الصَّوْت إِلَى مسامعهم، وَهَذَا وصف الْأَمْوَات والنيام.
وَقَالَ غَيْرُهُ وألَتْ تَثِلُ تَنْجُو: وَقَالَ مُجاهِدٌ مَوْئلاً مَحْرِزاً
أَي: وَقَالَ غير ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {بل لَهُم موعد لن يَجدوا من دونه موئلاً} (الْكَهْف: ٨٥) أَرَادَ أَن لفظ موئلاً مُشْتَقّ من: (وألت تئل) من بَاب فعل يفعل بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي وَكسرهَا فِي الْمُسْتَقْبل، وَمعنى: (تئل تنجو) وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وأل إِلَيْهِ يئل وَألا ووؤلاً على فعول، أَي: لَجأ، والموئل الملجأ. قَوْله: (وَقَالَ مُجَاهِد موئلاً محرزا) يَعْنِي مَعْنَاهُ: محرزا، وَعَن قَتَادَة مَعْنَاهُ ملْجأ وَرجح ابْن قُتَيْبَة هَذَا الْمَعْنى.
-
لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً لَا يَعْقِلُونَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء عَن ذكري وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا} وَفسّر قَوْله: (لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا) بقوله: (لَا يعْقلُونَ) وَفِي التَّفْسِير وصف الله الْكَافرين بقوله: الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء. أَي: غشاء وغفلة عَن ذكري، أَي: عَن الْإِيمَان وَالْقُرْآن لَا يَسْتَطِيعُونَ أَي: لَا يُطِيقُونَ أَن يسمعوا كتاب الله عز وَجل ويتدبرونه ويؤمنون بِهِ لغَلَبَة الشَّقَاء عَلَيْهِم، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم.