- (باب قوله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} (الزمر:
٩ فقرات، ج ١٩ ص ١٤٥
- ج ١٩ ص ١٤٥
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {وَنفخ فِي الصُّور} ، الْآيَة. قَوْله: (فِي الصُّور) ، هُوَ قرن ينْفخ فِيهِ، هَكَذَا رَوَاهُ ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَصعِقَ) ، أَي: مَاتَ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض. قَوْله: (إِلَّا من شَاءَ الله) ، اخْتلفُوا فِيهِ، فَقيل: هم الشُّهَدَاء عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَأَلَ جبرل عَن هَذِه الْآيَة {من أُولَئِكَ الَّذين لم يَشَأْ الله قَالَ هُوَ الشُّهَدَاء) متقلدين أسيافهم حول الْعَرْش، وَقيل: هم جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل، رَوَاهُ أنس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَعَن كَعْب الْأَحْبَار: هم إثنا عشر: حَملَة الْعَرْش ثَمَانِيَة وجبرائيل وَمِيكَائِيل وإسرافيل وَملك الْمَوْت، وَعَن الضَّحَّاك: هم رضوَان والحور الْعين وَمَالك والزبانية، وَعَن الْحسن: {إلَاّ من شَاءَ الله} يَعْنِي: الله وَحده، وَقيل: عقارب النَّار وحياتها. قَوْله: (ثمَّ نفخ فِيهِ أُخْرَى) أَي: ثمَّ نفخ فِي الصُّور نفخة أُخْرَى. قَوْله: (فَإِذا هم قيام) ، أَي: من قُبُورهم (ينظرُونَ) إِلَى الْبَعْث، وَقيل: ينظرُونَ أَمر الله تَعَالَى فيهم.
-
٣١٨٤ - حدَّثني الْحَسَنُ حدّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ خَلِيلٍ أخبرنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بنِ أبي زَائِدَةَ عَنْ عامِرٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله عنهُ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنِّي أوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الآخِرَةِ فإذَا أَنا بِمُوسَى مُتَعَلِّقٌ بالعَرْشِ فَلَا أدْرِي أكَذَلِكَ كانَ أمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ..
-
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: بعد النفخة الْآخِرَة. وَالْحسن، كَذَا وَقع غير مَنْسُوب فِي جَمِيع الرِّوَايَات، وَذكر فِي كتاب (رجال الصَّحِيحَيْنِ) : كَانَ سهل بن السّري الْحَافِظ يَقُول: إِن الْحسن بن شُجَاع أَبُو عَليّ الْحَافِظ الْبَلْخِي، فَإِن كَانَ هُوَ فَإِنَّهُ مَاتَ يَوْم الِاثْنَيْنِ النّصْف من شَوَّال سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ ابْن تسع وَأَرْبَعين. قلت: فعلى هَذَا هُوَ أَصْغَر من البُخَارِيّ وَمَات قبله، وَكَانَ سهل بن السّري أَيْضا يَقُول: إِنَّه الْحسن بن مُحَمَّد الزَّعْفَرَانِي عِنْدِي. قلت: الْحسن بن مُحَمَّد بن الصَّباح أَبُو عَليّ الزَّعْفَرَانِي، روى عَنهُ البُخَارِيّ فِي غير مَوضِع، مَاتَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ لثمان بَقينَ من رَمَضَان سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَوَقع فِي كتاب البرقاني أَن البُخَارِيّ قَالَ، هَذَا فِي حَدِيث: حَدثنَا الْحُسَيْن، بِضَم أَوله مُصَغرًا، وَنقل عَن الْحَاكِم أَنه الْحُسَيْن بن مُحَمَّد القباني، وَإِسْمَاعِيل ابْن خَلِيل أَبُو عبد الله الخزاز الْكُوفِي وَهُوَ من مَشَايِخ البُخَارِيّ وَمُسلم أَيْضا وَقَالَ البُخَارِيّ جَاءَنَا نعيه سنة خَمْسَة وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَعبد الرَّحِيم هُوَ ابْن سُلَيْمَان أَبُو عَليّ الرَّازِيّ سكن الْكُوفَة، وزكرياء بن أبي زَائِدَة بن مَيْمُون الْهَمدَانِي الْأَعْمَى الْكُوفِي أَبُو يحيى، وَاسم أبي زَائِدَة خَالِد، وَيُقَال: هُبَيْرَة، مَاتَ سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وعامر هُوَ ابْن شرَاحِيل الشّعبِيّ.
-
والْحَدِيث قد مضى مطولا فِي أول: بَاب الإشخاص، وَمضى أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، فِي: بَاب وَفَاة مُوسَى.
-
قَوْله: (بعد النفخة الْآخِرَة) ، وَهِي نفخة الْإِحْيَاء، والنفخة الأولى نفخة الإماتة. قَوْله: (فَلَا أَدْرِي أَكَذَلِك كَانَ) ، أَي: أَنه لم يمت عِنْد النفخة الأولى، وَاكْتفى بصعقة الطّور أم أحيى بعد النفخة الثَّانِيَة قبلي، وَتعلق بالعرش؟ هَكَذَا فسره الْكرْمَانِي، وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْموضع
ج ١٩ ص ١٤٦أَن يُقَال: إِن حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي مضى فِي الإشخاص: أَن النَّاس يصعقون يَوْم الْقِيَامَة فيصعق مَعَهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَيكون النَّبِي أول من يفِيق، فَإِذا أَفَاق يرى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام، مُتَعَلقا بالعرش وَلَا يدْرِي أَنه كَانَ فِيمَن صعق فأفاق قبله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو كَانَ مِمَّن اسْتثْنى الله عز وَجل، وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مَضْمُون ذَلِك الحَدِيث الَّذِي أخرجه فِي الإشخاص وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام.
-
٤١٨٤ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْص حدّثنا أبي قَالَ حدّثنا الأعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صالِحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَا بَينَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعُونَ قَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أرْبَعُونَ يَوْماً قَالَ أبَيْتُ قَالَ أرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أبَيْتُ قَالَ أرْبَعُونَ شَهْراً قَالَ أبَيْتُ وَسَيُبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسَانِ إلاّ عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْقُ.
-
(انْظُر الحَدِيث ٤١٨٤ طرفه فِي: ٥٣٩٤) .
-
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ اشتماله على النفخ. وَشَيخ البُخَارِيّ يروي عَن أَبِيه حَفْص بن غياث بن طلق النَّخعِيّ الْكُوفِي قاضيها، وَهُوَ يروي عَن سلميان الْأَعْمَش عَن أبي صَالح ذكْوَان السمان.
-
قَوْله: (مَا بَين النفختين) وهما النفخة الأولى والنفخة الثَّانِيَة. قَوْله: (قَالُوا) ، أَي: أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (أَبيت) من الإباء وَهُوَ الِامْتِنَاع أَي: امْتنعت من تعْيين ذَلِك بِالْأَيَّامِ والسنين والشهور، لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده علم بذلك، وَقَالَ بَعضهم: وَزعم بعض الشُّرَّاح أَنه وَقع عِنْد مُسلم: أَرْبَعِينَ سنة، وَلَا وجود لذَلِك. انْتهى. قلت: إِن كَانَ مُرَاده من بعض الشُّرَّاح صَاحب (التَّوْضِيح) : فَهُوَ لم يقل كَذَلِك، وَإِنَّمَا قَالَ: وَقد جَاءَت مفسرة فِي رِوَايَة غَيره فِي غير مُسلم: أَرْبَعُونَ سنة، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق سعيد بن الصَّلْت عَن الْأَعْمَش فِي هَذَا الْإِسْنَاد: أَرْبَعُونَ سنة، وَهُوَ شَاذ، وَمن وَجه ضَعِيف عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا بَين النفخة والنفخة أَرْبَعُونَ سنة. قَوْله: (وسيبلى) أَي: سيخلق، من: بلَى الثَّوْب يبلي بلَى بِكَسْر الْبَاء، فَإِن فتحتها مددتها. وأبليت الثَّوْب. قَوْله: (إلَاّ عجب ذَنبه) ، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم، وَهُوَ أصل الذَّنب وَهُوَ عظم لطيف فِي أصل الصلب، وَهُوَ رَأس العصعص، وروى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب (الْبَعْث) من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قيل: يَا رَسُول الله! مَا الْعجب؟ قَالَ: مثل حَبَّة خَرْدَل. انْتهى. وَيُقَال لَهُ: عجم، بِالْمِيم كلاب ولازم، وَهُوَ أول مَخْلُوق من الْآدَمِيّ، وَهُوَ الَّذِي يبْقى ليركب عَلَيْهِ الْخلق، وَفَائِدَة إبْقَاء هَذَا الْعظم دون غَيره مَا قَالَه ابْن عقيل: لله عز وَجل فِي هَذَا سر لَا نعلمهُ لِأَن من يظْهر الْوُجُود من الْعَدَم لَا يحْتَاج إِلَى أَن يكون لفعله شَيْء يبْنى عَلَيْهِ وَلَا خميرة، فَإِن علل هَذَا يتجوز أَن يكون الْبَارِي جلت عَظمته جعل ذَلِك عَلامَة للْمَلَائكَة، على أَن يحيى كل إِنْسَان بجواهره بِأَعْيَانِهَا وَلَا يحصل الْعلم للْمَلَائكَة بذلك إلَاّ بإبقاء عظم كل شخص ليعلم أَنه إِنَّمَا أَرَادَ بذلك إِعَادَة الْأَرْوَاح إِلَى تِلْكَ الْأَعْيَان الَّتِي هِيَ جُزْءا مِنْهَا، كَمَا أَنه لما مَاتَ عُزَيْرًا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَحِمَاره، أبقى عِظَام الْحمار فكساها ليعلم أَن ذَلِك المنشى ذَلِك الْحمار لَا غَيره، وَلَوْلَا إبْقَاء شَيْء لجوزت الْمَلَائِكَة أَن تكون الْإِعَادَة للأرواح إِلَى أَمْثَال الأجساد لَا إِلَى أعيانها. فَإِن قلت: فِي (الصَّحِيح) يبْلى كل شَيْء من الْإِنْسَان، وَهنا يبْلى إلَاّ عجب الذَّنب؟ قلت: هَذَا لَيْسَ بِأول عَام خص. ولأباول مُجمل فصل، كَمَا نقُول: إِن هذَيْن الْحَدِيثين خص مِنْهُمَا الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام، لِأَن الله تَعَالَى حرم على الأَرْض أَن تَأْكُل أَجْسَادهم وَألْحق ابْن عبد الْبر الشُّهَدَاء بهم، والقرطبي الْمُؤَذّن الْمُحْتَسب. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الْعجب بِعَدَمِ البلى دون غَيره؟ قلت: لِأَن أصل الْخلق مِنْهُ وَمِنْه يركب، وَهُوَ قَاعِدَة بَدْء الْإِنْسَان وأسه الَّذِي يبْنى عَلَيْهِ، فَهُوَ أَصْلَب من الْجَمِيع كقاعدة الْجِدَار، وَقَالَ بَعضهم: زعم بعض الشُّرَّاح أَن المُرَاد بِأَنَّهُ لَا يبْلى أَي: يطول بَقَاؤُهُ لَا أَنه لَا يبْلى أصلا، وَهَذَا مَرْدُود لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر بِغَيْر دَلِيل. انْتهى. قلت: بعض الشُّرَّاح هَذَا هُوَ شَارِح (المصابيح) الَّذِي يُسمى شَرحه مظْهرا، وَلَيْسَ هُوَ شَارِح البُخَارِيّ، وَلَيْسَ هُوَ بمنفرد بِهَذَا القَوْل، وَبِه قَالَ الْمُزنِيّ أَيْضا، فَإِنَّهُ قَالَ: إلَاّ، هُنَا بِمَعْنى الْوَاو، أَي: وَعجب الذَّنب أَيْضا يبْلى، وَجَاء عَن الْفراء والأخفش: مَجِيء إلَاّ بِمَعْنى الْوَاو، لَكِن هَذَا خلاف الظَّاهِر، وَكَيف لَا وَقد جَاءَ عَن أبي هُرَيْرَة من طَرِيق همام عَنهُ: أَن للْإنْسَان عظما لَا تَأْكُله الأَرْض
ج ١٩ ص ١٤٧أبدا، فِيهِ يركب يَوْم الْقِيَامَة؟ قَالُوا: أَي عظم هُوَ؟ قَالَ: عجب الذَّنب، رَوَاهُ مُسلم. قَوْله: (فِيهِ يركب الْخلق) ، لَا يُعَارضهُ حَدِيث سلمَان: إِن أول مَا خلق من آدم رَأسه، لِأَن هَذَا فِي حق آدم وَذَاكَ فِي حق بنيه، وَقيل: المُرَاد بقول سُلَيْمَان: نفخ الرّوح فِي آدم لَا خلق جسده.