- (سورة {عبس} )
٢٠ فقرة، ج ١٩ ص ٢٧٨
- ج ١٩ ص ٢٧٨
أَي: هَذَا فِي تَفْسِير بعض سُورَة {عبس} ، وَتسَمى: سُورَة السفرة، وَهِي مَكِّيَّة وَهِي خَمْسمِائَة وَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ حرفا. وَمِائَة وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ كلمة، وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ آيَة وَذكر السخاوي أَنَّهَا نزلت قبل سُورَة الْقدر وَبعد سُورَة النَّجْم، وَذكر الْحَاكِم مصححا عَن عَائِشَة أَنَّهَا نزلت فِي ابْن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى، أَتَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَجعل يَقُول: يَا رَسُول الله أَرْشدنِي وَعند رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجال من عُظَمَاء الْمُشْركين، فَجعل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعرض عَنهُ وَيقبل على الآخرين. الحَدِيث.
-
بِسم الله الرحمان الرَّحِيم.
-
لم تثبت الْبَسْمَلَة إلَاّ لأبي ذَر.
-
عَبَسَ: كَلَحَ وَأعْرَضَ
نفسير عبس بقوله: كلح هُوَ لأبي عُبَيْدَة وَتَفْسِيره بأعرض لغيره، وَلم يخْتَلف السّلف فِي أَن فَاعل عبس هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الدَّاودِيّ، فَقَالَ: هُوَ الْكَافِر الَّذِي كَانَ مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم انْتهى. قيل: كَانَ هَذَا أبي بن خلف، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة، وَقيل: أُميَّة بن خلف، رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور وروى ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث عَائِشَة أَنه كَانَ يُخَاطب عتبَة وَشَيْبَة ابْني ربيعَة وَرُوِيَ من وَجه آخر عَن عَائِشَة أَنه كَانَ فِي مجْلِس فِيهِ نَاس من وُجُوه الْمُشْركين فيهم أَبُو جهل وَعتبَة، فَهَذَا يجمع الْأَقْوَال.
-
مُطَهَّرَةٌ لَا يَمَسُّها إلَاّ المُطَهَّرُونَ وَهُمْ المَلائِكَةُ وَهاذا مِثْلُ قَوْلِهِ: {فَالْمُدَبِّراتِ أمْرا} (النازعات: ٥) جَعَلَ المَلائِكَةَ وَالصُّحُفَ مُطَهَّرَةً لأنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عَلَيْهَا التَّطْهِيرُ فَجَعَلَ التَّطْهِيرُ لِمَنْ حَمَلَهَا أيْضا.
-
أَشَارَ بِهِ قَوْله تَعَالَى: {فِي صحف مكرمَة مَرْفُوعَة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة} (عبس: ٣١، ٦١) وَفسّر المطهرة بقوله: (لَا يَمَسهَا إلَاّ الْمُطهرُونَ وهم الْمَلَائِكَة) يَعْنِي: لما كَانَت الصُّحُف تتصف بالتطهير، وصف أَيْضا حاملها أَي: الْمَلَائِكَة. فَقيل: لايمسها إلَاّ الْمُطهرُونَ وَهَذَا كَمَا فِي المدبرات أمرا فَإِن التَّعْبِير لمحمول خُيُول الْغُزَاة فوصف الْحَامِل يَعْنِي الْخُيُول بِهِ. فَقيل: (فالمدبرات أمرا) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ لَا يَقع بِزِيَادَة، لَا فِي تَوْجِيهه تكلّف. قلت: وَجهه أَن الصُّحُف لَا يُطلق عَلَيْهَا التَّطْهِير الَّذِي هُوَ خلاف التَّنْجِيس حَقِيقَة وَإِنَّمَا المُرَاد أَنَّهَا مطهرة عَن أَن ينالها أَيدي الْكفَّار. وَقيل: مطهرة عَمَّا لَيْسَ بِكَلَام الله فَهُوَ الْوَحْي الْخَالِص وَالْحق الْمَحْض، وَقَوله: (مطهرة) فِي رِوَايَة غير أبي ذَر والنسفي، وَقَالَ غَيره: مطهرة، وَهَذَا يَقْتَضِي
ج ١٩ ص ٢٧٩تقدم أحد قبله حَتَّى يَصح، وَقَالَ غَيره: وَالظَّاهِر أَن فِي أول تَفْسِير عبس، وَقَالَ مُجَاهِد: عبس كلح، ثمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيره أَي: غير مُجَاهِد.
-
وَقَالَ مُجَاهِدٌ الغُلْبُ المُلْتَفَّةُ وَالأبُّ مَا يَأْكُلُ الأنْعَامُ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَنَخْلًا وَحَدَائِق غلبا وَفَاكِهَة وَأَبا} (عبس: ٩٢، ١٣) وَقَالَ الغلب الملتفة من الالتفاف، وَالْأَب بِالتَّشْدِيدِ مَا يَأْكُل الْأَنْعَام وَهُوَ الْكلأ والمرعى، وَعَن الْحسن: هُوَ الْحَشِيش وَمَا تَأْكُله الدَّوَابّ وَلَا يَأْكُلهُ النَّاس، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: الغلب غِلَاظ الْأَشْجَار واحده أغلب، وَمِنْه قيل للتغليظ الرَّقَبَة الْأَغْلَب وَعَن قَتَادَة: الغلب النّخل الْكِرَام، وَعَن ابْن زيد: عِظَام الْجُذُوع، وَهَذَا لم يثبت إلَاّ للنسفي.
-
سفَرَةٌ: المَلائِكَةُ وَاحِدُهُمْ سَافِرٌ سَفَرْتُ أصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ وَجُعِلَتِ المَلائِكَةُ إذَا نَزَلَتْ بِوَحْي الله وَتَأْدِيَتِهِ كَالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْن القَوْمِ.
-
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {بأيدي سفرة} ، أَي: بأيدي الْمَلَائِكَة. قَوْله: (واحدهم) ، أَي: وَاحِد السفرة سَافر، وَعَن قَتَادَة واحدهم سفير، وَإِنَّمَا ذكره بواو الْجَمَاعَة بِاعْتِبَار الْمَلَائِكَة. قَوْله: (سفرت) ، إِشَارَة إِلَى أَن معنى: سَافر من سفرت بِمَعْنى أصلحت بَينهم، وَمِنْه السفير وَهُوَ الرَّسُول، وسفير الْقَوْم هُوَ الَّذِي يسْعَى بَينهم بِالصُّلْحِ، وسفرت بَين الْقَوْم إِذا أصلحت بَينهم، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُقَاتِل: سفرة، كتبة وهم الْمَلَائِكَة الْكِرَام الكاتبون، وَمِنْه قيل للْكتاب: سفر، وَجمعه أسفار، وَيُقَال للوراق سفر بلغَة العبرانية. قَوْله: (وتأديته) ، من الْأَدَاء أَي: وتبليغه ويروى: وتأديبه من الْأَدَب لَا من الْأَدَاء. قَالَه الْكرْمَانِي: وَفِيه مَا فِيهِ.
-
تَصَدَّى: تَغَافَلُ عَنْهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَنت لَهُ تصدى} ، وَفَسرهُ بقوله: (تغافل) وَأَصله: تتغافل وَكَذَلِكَ أصل: تصدى تتصدى فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أَي تتعرض لَهُ بالإقبال عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسب الْمَشْهُور، وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) فِي أَكثر النّسخ تصدى تغافل عَنهُ، وَالَّذِي فِي غَيرهَا تصدى أقبل عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ الصَّوَاب وَعَلِيهِ أَكثر الْمُفَسّرين، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَفِيّ، وَقَالَ غَيره: تصدى تغافل، وَهَذَا يَقْتَضِي تقدم ذكر أحد قبله حَتَّى يَسْتَقِيم أَن يُقَال: وَقَالَ غَيره.
-
وَقَالَ مُجَاهِدٌ لمَا يَقْضِ لَا يَقْضِي أحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ
أَي: قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {لما يقْض مَا أمره} وَتَفْسِيره ظَاهر، (وَأمر) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَرَوَاهُ عبد عَن شَبابَة عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد وَلَفظه: لَا يقْض أحد مَا افْترض عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: تَرْهَقُها: تَغْشَاهَا شِدَّةٌ
أَي: قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى: {ترهقها فَتْرَة} تغشاها شدَّة، وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ بِهِ، وَقيل: يُصِيبهَا ظلمَة وذلة وكآبة وكسوف وَسَوَاد، وَعَن ابْن زيد: الْفرق بَين الغبرة والفترة أَن الغبرة مَا ارْتَفع من الْغُبَار فلحق بالسماء، والقترة مَا كَانَ أَسْفَل فِي الأَرْض.
-
مُسْفِرَةٌ: مُشْرِقَةُ
كَذَا فسره ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم من طَرِيق عَليّ بن أبي طَلْحَة عَنهُ.
-
{بأيْدِي سَفَرَةٍ} وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كَتَبَةٍ أسْفَارا كَتُبا
قد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَهُوَ من وَجه مُكَرر.
-
تَلَهَّى: تَشَاغَلَ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {فَأَنت عَنهُ تلهى} (عبس: ١) أَصله: تتلهى. أَي: تتشاغل حذفت التَّاء مِنْهُمَا، وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ: أَي: تعرض وتتغافل عَنهُ وتتشاغل بِغَيْرِهِ.
-
يُقَالُ: وَاحِدُ الأسْفَارِ، سِفْرٌ
ج ١٩ ص ٢٨٠سقط هَذَا لأبي ذَر، والأسفار جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى: {كَمثل الْحمار يحمل أسفارا} (الْجُمُعَة: ٥) ذكره اسْتِطْرَادًا، وَهُوَ جمع سفر بِكَسْر السِّين وَهُوَ الْكتاب، وَقد مر عَن قريب.
-
فَأقْبَرَهُ يُقالُ: أقْبَرتُ الرَّجُلَ جَعَلْتُ لَهُ قَبْرا قَبَرْتُهُ دَفَنْتُهُ
أَشَارَ بِهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ أَمَاتَهُ فاقبره} (عبس: ١٢) قَوْله: (يُقَال) ، إِلَى آخِره، ظَاهر، وَقَالَ الْفراء: أَي جعلته مقبورا وَلم يقل: قَبره، لِأَن القابر هُوَ الدافن، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة فأقبره أَي: جعل لَهُ قبرا وَالَّذِي يدْفن بِيَدِهِ هُوَ القابر.
-
٧٣٩٤ - حدَّثنا آدَمُ حدَّثنا شُعْبَةُ حدَّثنا قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ زُرَارَةَ بنَ أوْفَى يُحَدِّثُ عَنْ سَعْدٍ بنِ هِشامٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفْرَةِ الكِرَامِ وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَؤهُ وَهُوَ يَتَعَاهَدَهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أجْرَانِ.
-
مطابقته لقَوْله تَعَالَى: {بأيدي سفرة كرام بررة} (عبس: ٥١، ٦١) وَسَعِيد بن هِشَام بن عَامر الْأنْصَارِيّ. ولأبيه صُحْبَة وَلَيْسَ لَهُ فِي يالبخاري إلَاّ هَذَا الْموضع وَآخر مُعَلّق فِي المناقب.
-
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن عبيد وَغَيره وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن مَحْمُود بن غيلَان وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة وَغَيره وَفِي التَّفْسِير عَن أبي الْأَشْعَث وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي ثَوَاب الْقُرْآن عَن هِشَام بن عمار.
-
قَوْله: (مثل الَّذِي) ، بِفتْحَتَيْنِ أَي: صفته كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون} (الرَّعْد: ٥٣) قَوْله: (وَهُوَ حَافظ لَهُ) ، أَي: الْقُرْآن وَالْوَاو فِيهِ للْحَال. قَوْله: (مَعَ السفرة) ، ويروى مثل السفرة، وَقَالَ ابْن التِّين: كَأَنَّهُ مَعَ السفرة فِيمَا يسْتَحقّهُ من الثَّوَاب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لفظ مثل زَائِد وَإِلَّا فَلَا رابطة بَينه وَبَين السفرة لِأَنَّهُمَا مُبْتَدأ وَخبر فَيكون التَّقْدِير الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مَعَ السفرة الْكِرَام، أَي: كَائِن مَعَهم وَيجوز أَن يكون لفظ مثل بِمَعْنى: مثيل، بِمَعْنى: شَبيه، فيكو التَّقْدِير: شَبيه الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مَعَ السفرة الْكِرَام. قَوْله: (وَهُوَ يتعاهده) ، أَي: يضبطه ويتفقده. قَوْله: (وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيد) ، أَي: وَالْحَال أَن التعاهد عَلَيْهِ شَدِيد. قَوْله: (فَلهُ أَجْرَانِ) ، من حَيْثُ التِّلَاوَة وَمن حَيْثُ الْمَشَقَّة قَالَه الْقُرْطُبِيّ. فَإِن قلت: مَا معنى كَون الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن وَهُوَ حَافظ لَهُ مَعَ السفرة. قلت: لَهُ مَعْنيانِ أَحدهمَا: أَن يكون لَهُ منَازِل فَيكون فِيهَا رَفِيقًا للْمَلَائكَة لاتصافه بصفاتهم من حمل كتاب الله تَعَالَى، وَالْآخر: أَن يكون المُرَاد أَنه عَامل بِعَمَل السفرة وسالك مسلكهم.