- (باب من قل لا رضاع بعد حولين)

١٠ فقرات، ج ٢٠ ص ٩٥

  1. أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من قَالَ: لَا رضَاع بعد سنتَيْن، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك عَامر الشّعبِيّ وَابْن شبْرمَة وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ

    ج ٢٠ ص ٩٦وَالشَّافِعِيّ وَأحمد أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر، وَهُوَ قَول مَالك فِي الْمُوَطَّأ، وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا إِلَى قَول الحنيفة: إِن أقْصَى مُدَّة الرَّضَاع ثَلَاثُونَ شهرا قلت: سُبْحَانَ الله! هَذَا نتيجة فكر صَاحبه نَائِم، وَمَا وَجه الْإِشَارَة فِي هَذَا إِلَى قَول الْحَنَفِيَّة؟ والترجمة مَا وضعت إلَاّ لبَيَان من قَالَ: لَا رضَاع بعد حَوْلَيْنِ مُطلقًا، وَهُوَ أَعم من أَن يكون بعد الْحَوْلَيْنِ قَول الْحَنَفِيَّة أَو غَيرهم، وَتَخْصِيص الْحَنَفِيَّة بِالْجمعِ أَيْضا غير صَحِيح، لِأَن أَبَا يُوسُف ومحمدا للَّذين هما من أكبر أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة لم يَقُولَا بِالرّضَاعِ بعد الْحَوْلَيْنِ، وَالْإِمَام مَالك الَّذِي هُوَ أحد أَرْكَان الْمذَاهب الْأَرْبَعَة رُوِيَ الْوَلِيد بن مُسلم عَنهُ: مَا كَانَ بعد الْحَوْلَيْنِ بِشَهْر أَو شَهْرَيْن يحرم، وَزفر الَّذِي هُوَ من أَعْيَان أَصْحَاب أبي حنيفَة قَالَ: مَا كَانَ يجتزىء بِاللَّبنِ وَلم يطعم، وَإِن أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاث سِنِين فَهُوَ رضَاع، وَالْأَوْزَاعِيّ، إِمَام أهل الشَّام، قَالَ: إِن فطم وَله عَام وَاحِد وَاسْتمرّ فطامه ثمَّ رضع فِي الْحَوْلَيْنِ لم يحرم هَذَا الرَّضَاع الثَّانِي شَيْئا وَإِن تَمَادى رضاعه.

    ج ٢٠ ص ٩٥
  2. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { (٢) حَوْلَيْنِ كَامِلين لمن أَرَادَ أَن يتم الرضَاعَة} (الْبَقَرَة: ٣٣٢)

  3. ذكر هَذَا فِي معرض الِاحْتِجَاج لمن قَالَ: لَا رضَاع بعد حَوْلَيْنِ، وَقَوله: (وَحمله وفصاله ثَلَاثُونَ شهرا) وَأَقل مُدَّة الْحمل سِتَّة أشهر فَبَقيَ للفطام حولان وَأَبُو حنيفَة يسْتَدلّ فيقوله: إِن مُدَّة الرَّضَاع ثَلَاثُونَ شهرا بقوله تَعَالَى: {فَإِن أَرَادَ فصالاً عَن تراضٍ مِنْهُمَا وتشاور} (الْبَقَرَة: ٣٣٢) بعد قَوْله تَعَالَى: {والوالدات يرضعن أَوْلَادهنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلين} (الْبَقَرَة: ٣٣٢) فَثَبت أَن بعد الْحَوْلَيْنِ رضَاع، فَلَا يُمكن قطع الْوَلَد عَن اللَّبن دفْعَة وَاحِدَة، فَلَا بُد من زِيَادَة مُدَّة يعْتَاد فِيهَا الصَّبِي مَعَ اللَّبن الْفِطَام، فَيكون غذاؤه اللَّبن تَارَة وَالطَّعَام أُخْرَى إِلَى أَن ينسى اللَّبن، وَأَقل مُدَّة تنْتَقل بِالْعَادَةِ سِتَّة أشهر اعْتِبَارا بِمدَّة الْحَبل فَإِن قلت: رُوِيَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن الْهَيْثَم بن جميل عَن ابْن عُيَيْنَة عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا رضَاع إلَاّ مَا كَانَ من حَوْلَيْنِ قلت: لم يسْندهُ عَن ابْن عُيَيْنَة غير الْهَيْثَم بن جميل، قَالَ ابْن عدي: يغلط على الثِّقَات وَأَرْجُو أَنه لَا يتَعَمَّد الْكَذِب، وَغَيره يوفقه على ابْن عَبَّاس، وَقَالَ ابْن بطال الرَّاوِي عَن الْهَيْثَم أَبُو الْوَلِيد بن برد الْأَنْطَاكِي وَهُوَ لَا يعرف، وَقَالَ النَّسَائِيّ: الْهَيْثَم بن جميل وَثَّقَهُ الإِمَام أَحْمد وَالْعجلِي وَغير وَاحِد، وَكَانَ من الْحفاظ إلَاّ أَنه وهم فِي رفع هَذَا الحَدِيث، وَالصَّحِيح وَقفه على ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة مَوْقُوفا، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق. أخبرنَا معمر عَن عَمْرو عَن ابْن عُيَيْنَة بِهِ مَوْقُوفا، وَكَذَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة مَوْقُوفا، وَرَوَاهُ أَيْضا ابْن أبي شيبَة مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود عَليّ بن أبي طَالب، وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ مَوْقُوفا على عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لَا رضَاع إلَاّ فِي الْحَوْلَيْنِ فِي الصَّغِير.

  4. وَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قَليلِ الرِّضاعِ وكَثِيرهِ

    (وَمَا يحرم) عطف على قَوْله: من قَالَ أَي: فِي بَيَان مَا يحرم من التَّحْرِيم، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه مِمَّن يرى أَن قَلِيل الرَّضَاع وَكَثِيره سَوَاء فِي الْحُرْمَة، وَهُوَ قَول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن وَعَطَاء وَمَكْحُول وطاووس وَالْحكم وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه وَاللَّيْث بن سعد وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري لإِطْلَاق الْآيَة، وَهُوَ الْمَشْهُور عَن أَحْمد. وَقَالَت طَائِفَة: إِن الَّذِي يحرم مَا زَاد على الرضعة. ثمَّ اخْتلفُوا، فَعَن عَائِشَة: عشر رَضعَات، وعنها سبع رَضعَات، وعنها: خمس رَضعَات. وروى مُسلم عَنْهَا: كَانَ فِيمَا نزل من الْقُرْآن عشر رَضعَات، ثمَّ نسخن بِخمْس رَضعَات مُحرمَات، فَتوفي رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَهن مِمَّا يقْرَأ، وَإِلَى هَذَا ذهب الشَّافِعِي وَأحمد فِي رِوَايَة، وَذهب أَحْمد فِي رِوَايَة وَإِسْحَاق وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر وَدَاوُد وَأَتْبَاعه إِلَّا ابْن حزم إِلَى أَن الَّذِي يحرم ثَلَاث رَضعَات، وَمذهب الْجُمْهُور أقوى لِأَن الْأَخْبَار اخْتلفت فِي الْعدَد فَوَجَبَ الرُّجُوع إِلَى أقل مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم، وَقَول عَائِشَة الَّذِي رَوَاهُ مُسلم لَا ينتهض حجَّة لِأَن الْقُرْآن لَا يثبت إلَاّ بالتواتر، والراوي رُوِيَ هَذَا على أَنه قُرْآن لَا خبر، فَلم يثبت كَونه قُرْآنًا، وَلَا ذكر الرَّاوِي أَنه خبر ليقبل قَوْله فِيهِ.

  5. ٢٠١٥ - حدَّثنا أبُو اوَلِيدِ حَدثنَا شُعْبَةُ عنِ الأشْعَثِ عنْ أبِيهِ عنْ مَسْرُوق عنْ عائِشَةَ رضيَ

    ج ٢٠ ص ٩٧الله عَنْهَا، أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دَخَلَ علَيْها وعِنْدَها رجُلٌ، فَكأنّهُ تَغَيَّرَ وجْهُهُ كأنّهُ كَرِهَ ذالِكَ، فقالَتْ: إنّهُ أخي، فَقَالَ: انْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ، فإِنّما الرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ.

  6. (انْظُر الحَدِيث ٧٤٦٢) .

  7. مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (فَإِنَّمَا الرضَاعَة من المجاعة) لِأَن التَّرْجَمَة فِي ذكر الرَّضَاع، وَحَدِيث الْبَاب يبين أَن الرضَاعَة تكون من المجاعة أَي الْجُوع.

  8. وَأَبُو الْوَلِيد هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، والأشعث هُوَ ابْن أبي الشعْثَاء واسْمه سليم بن الْأسود الْمحَاربي الْكُوفِي، ومسروق بن الأجدع.

  9. والْحَدِيث مر فِي الشَّهَادَات فِي: بَاب الشَّهَادَة على الْأَنْسَاب وَأخرجه عَن مُحَمَّد بن كثير، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

  10. قَوْله: (رجل) لم يدر اسْمه، وَقيل بالتخمين: هُوَ ابْن أبي القعيس، وَمن قَالَ: هُوَ عبد الله بن يزِيد، فقد غلط لِأَنَّهُ تَابِعِيّ بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة، وَكَانَت أمه أرضعت عَائِشَة، عاشت بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فولدته فَلذَلِك قيل لَهُ: رَضِيع عَائِشَة قَوْله: (فَكَأَنَّهُ تغير وَجهه كَأَنَّهُ كره ذَلِك) وَفِي رِوَايَة مُسلم من طَرِيق أبي الْأَحْوَص عَن أبي الْأَشْعَث: وَعِنْدِي رجل قَاعد، فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ وَرَأَيْت الْغَضَب فِي وَجهه، وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد عَن حَفْص بن عمر عَن شُعْبَة. فشق ذَلِك عَلَيْهِ وَتغَير وَجهه. قَوْله: (إِنَّه أخي) وَفِي رِوَايَة غنْدر عَن شُعْبَة: إِنَّه أخي من الرضَاعَة. قَوْله: (انظرن من إخوانكن) هَذِه رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة غَيره: مَا إخوانكن، وَالْأول أوجه، مَعْنَاهُ: تحققن صِحَة الرضَاعَة ووقتهاد فَإِنَّمَا تثبت الْحُرْمَة إِذا وَقعت على شَرطهَا وَفِي وَقتهَا. قَوْله: (فَإِنَّمَا الرضَاعَة من المجاعة) أَي: الْجُوع، يَعْنِي: الرضَاعَة الَّتِي تثبت بهَا الْحُرْمَة مَا تكون فِي الصغر حِين يكون الرَّضِيع طفْلا يسد اللَّبن جوعته، لِأَن معدته ضَعِيفَة يكفيها اللَّبن وينبت لَحْمه بذلك فَيصير كجزء من الْمُرضعَة، فَيكون كَسَائِر أَوْلَادهَا، وَهَذَا أَعم من أَن يكون قَلِيلا أَو كثيرا وَفِي رِوَايَة: فَإِنَّمَا الرضَاعَة عَن المجاعة، ويروي: أَو الْمطعم من المجاعة وَيُقَال: كَأَنَّهُ قَالَ: لَا رضاعة مُعْتَبرَة إلَاّ الْمُغنيَة عَن الْجُوع أَو المطعمة عَنهُ، وَمن شواهده حَدِيث ابْن مَسْعُود: لَا رضَاع إلَاّ مَا شدّ الْعظم وَأنْبت اللَّحْم، أخرجه أَبُو دَاوُد مَرْفُوعا مَوْقُوفا، وَحَدِيث أم سَلمَة: لَا يحرم من الرَّضَاع مَا فتق الأمعاء، أخرجه الرمذي وَصَححهُ وَيُمكن أَن يسْتَدلّ على أَن الرضعة الْوَاحِدَة لَا تحرم لِأَنَّهَا لَا تغني من جوع، فَإِذن يحْتَاج إِلَى تَقْدِير، فَأولى مَا يُؤْخَذ بِهِ مَا قدرته الشَّرِيعَة وَهُوَ خمس رَضعَات، قُلْنَا: هَذَا كُله زِيَادَة على مُطلق النَّص، لِأَن النَّص غير مُقَيّد بِالْعدَدِ وَالزِّيَادَة على النَّص نسخ فَلَا يجوز، وَكَذَلِكَ الْجَواب عَن كل حَدِيث فِيهِ عدد مثل حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: لَا تحرم المصة وَلَا المصتان، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ عَنْهَا: لَا تحرم الْخَطفَة والخطفتان، وَقَالَ ابْن بطال: أَحَادِيث عَائِشَة كلهَا مضطربة فَوَجَبَ تَركهَا ولارجوع إِلَى كتاب الله تَعَالَى. وَرُوِيَ أَبُو بكر الرَّازِيّ عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: قَوْلهَا: لَا تحرم الرضعة والرضعتان، كَانَ فَأَما الْيَوْم فالرضعة الْوَاحِدَة تحرم فَجعله مَنْسُوخا، وَكَذَلِكَ الْجَواب عَن قَوْلهَا: لَا تحرم الإملاجة وَلَا الإملاجتان.