- (باب النظر إلى المرأة قبل التزويج)
٨ فقرات، ج ٢٠ ص ١١٩
- ج ٢٠ ص ١١٩
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان جَوَاز النّظر إِلَى الْمَرْأَة قبل أَن يَتَزَوَّجهَا، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال: قبل التَّزَوُّج، لِأَن النّظر فِيهِ لَا فِي التَّزْوِيج، وَالظَّاهِر أَن هَذَا من النَّاسِخ. وَهَذَا الْبَاب اخْتلف فِيهِ الْعلمَاء، فَقَالَ طَاوُوس وَالزهْرِيّ وَالْحسن والبصري وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ وَمَالك وَأحمد وَآخَرُونَ: يُبَاح النّظر إِلَى الْمَرْأَة الَّتِي يُرِيد نِكَاحهَا. وَقَالَ عِيَاض: وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: ينظر إِلَيْهَا ويجتهد وَينظر مِنْهَا مَوَاضِع اللَّحْم. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَسَوَاء: بِإِذْنِهَا أَو بِغَيْر إِذْنهَا إِذا كَانَت مستترة، وَحكى بعض شُيُوخنَا، تَأْوِيلا على قَول مَالك: إِنَّه لَا ينظر إِلَيْهَا إلَاّ بِإِذْنِهَا لِأَنَّهُ حق لَهَا، وَلَا يجوز عِنْد هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين أَن ينظر إِلَى عورتها وَلَا وَهِي حَاسِرَة، وَعَن دَاوُد ينظر إِلَى جَمِيعهَا حَتَّى قَالَ ابْن حزم: يجوز النّظر إِلَى فرجهَا. وَقَالَت الْعلمَاء: لَا ينظر إِلَى فرجهَا. وَقَالَت الْعلمَاء: لَا ينظر إِلَيْهَا نظر تلذة وشهوة وَلَا لريبة، وَقَالَ أَحْمد: ينظر إِلَى الْوَجْه على غير طَرِيق لَذَّة، وَله أَن يردد النّظر إِلَيْهَا متأملاً محاسنها، وَإِذا لم يُمكنهُ النّظر اسْتحبَّ أَن يبْعَث امْرَأَة يَثِق بهَا تنظر إِلَيْهَا وَتُخْبِرهُ، لما رُوِيَ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ثَابت عَن أنس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرَادَ أَن يتَزَوَّج امْرَأَة فَبعث بِامْرَأَة لتنظر إِلَيْهَا، فَقَالَ: (شمي عوارضها وانظري إِلَى عرقوبيها) الحَدِيث. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَذَا رَوَاهُ شَيخنَا فِي الْمُسْتَدْرك، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيل مُخْتَصرا. قلت: الْعَوَارِض الْأَسْنَان الَّتِي فِي عرض الْفَم، وَهِي مَا بَين الثنايا والأضراس، واحدتها عَارض، وَذَلِكَ لاختبار النكهة. قَالَت ظائفة، مِنْهُم يُونُس بن عبيد، وَإِسْمَاعِيل بن علية وَقوم من أهل الحَدِيث. لَا يجوز النّظر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة مُطلقًا إلَاّ لزَوجهَا أَو ذِي رحم محمرم مِنْهَا، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (يَا عَليّ! إِن لَك فِي الْجنَّة كنزا وَإنَّك ذُو قرنيها، فَلَا تتبع النظرة النظرة فَإِن لَك الأولى) . رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَزَّار. وَمعنى: لَا تتبع النظرة النظرة أَي: لَا تجْعَل نظرتك إِلَى الْأَجْنَبِيَّة تَابِعَة لنظرتك الأولى الَّتِي تقع بَغْتَة، وَلَيْسَت لَك النظرة الْآخِرَة، لِأَنَّهَا تكون عَن قصد وَاخْتِيَار فتأثم بهَا أَو تعاقب، وَبِمَا رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جرير بن عبد الله، قَالَ: سَأَلت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن نظر الْفجأَة فَأمرنِي أَن أصرف بَصرِي. قَالُوا: فَلَمَّا كَانَت النظرة الثَّانِيَة حَرَامًا لِأَنَّهَا عَن اخْتِيَار خُولِفَ بَين حكمهَا وَحكم مَا قبلهَا إِذا كَانَت بِغَيْر اخْتِيَار، دلّ ذَلِك على أَنه لَيْسَ لأحد أَن ينظر إِلَى وَجه امْرَأَة إلَاّ أَن يكون بَينهَا وَبَينه من النِّكَاح أَو الْحُرْمَة.
-
واحتجت الطَّائِفَة الألى بِحَدِيث مُحَمَّد بن مسلمة: سَمِعت رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، يَقُول: (إِذا ألْقى فِي قلب امرىء خطْبَة امْرَأَة فَلَا بَأْس أَن ينظر إِلَيْهَا) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ، وَبِحَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ، وَقد كَانَ رأى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا خطب أحدكُم امْرَأَة فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن ينظر إِلَيْهَا إِذا كَانَ إِنَّمَا ينظر إِلَيْهَا للخطبة، وَإِن كَانَت لَا تعلم) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَأحمد وَالْبَزَّار، وَبِحَدِيث جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا خطب أحدكُم الْمَرْأَة فَقدر على أَن يرى مِنْهَا مَا يُعجبهُ فَلْيفْعَل) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَأَبُو دَاوُد، وَبِحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رجلا أَرَادَ أَن يتَزَوَّج امْرَأَة من الْأَنْصَار، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (انْظُر إِلَيْهَا فَإِن فِي أعين نسَاء الْأَنْصَار شَيْئا) ، يَعْنِي: الصغر، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَأخرجه مُسلم وَلَيْسَ فِي رِوَايَته: يَعْنِي الصغر، وَبِحَدِيث الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَنه أَرَادَ أَن يتَزَوَّج امْرَأَة، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (انْظُر إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَن يُؤْدم بَيْنكُمَا) وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَالتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن، وَقَالَ: معنى قَوْله: (أَن يُؤْدم بَيْنكُمَا) أَي: أَحْرَى أَن تدوم الْمَوَدَّة بَيْنكُمَا؛ وَأَجَابُوا عَن حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِأَن النّظر فِيهِ لغير الْخطْبَة، فَذَلِك حرَام، وَأما إِذا كَانَ للخطبة فَلَا يمْنَع مِنْهُ لِأَنَّهُ للْحَاجة، أَلا يرى كَيفَ جوز بِهِ فِي الْإِشْهَاد عَلَيْهَا وَلها؟ فَكَذَلِك النّظر للخطبة. وَالله أعلم.
-
٥٢١٥ - حدَّثنا مُسَدّدٌ حَدثنَا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ هِشامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ، رَضِي الله عَنْهَا،
ج ٢٠ ص ١٢٠قالَتْ: قَالَ لي رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: رأيْتُكِ فِي المَنامِ تجيءُ بِكِ المَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لي: هاذِه امْرَأتُكَ، فكَشَفْتُ عنْ وجهِكِ الثَّوْبَ فإِذَا أنْتِ هيَ فقُلْتُ: إنْ يَكُ هاذا مِنْ عنْدِ الله يُمْضِهِ..
-
هَذَا الحَدِيث مُضِيّ فِي أَوَائِل كتاب النِّكَاح فِي: بَاب نِكَاح الْأَبْكَار، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبيد بن إِسْمَاعِيل عَن أبي أُسَامَة عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة إِلَى آخِره وَفِيه: أريتك، على صِيغَة الْمَجْهُول مرَّتَيْنِ، وَهنا رَأَيْتُك، وَهُنَاكَ: إِذا رجل يحملك فِي سَرقَة من حَرِير، وَهُنَاكَ: فأكشفها، وَهنا: فَكشفت وَهُنَاكَ: فَإِذا هِيَ أَنْت، وَهنا: فَإِذا أَنْت هِيَ، وَهَذَا: مثل: زيد أَخُوك، وأخوك زيد، وَوجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِي التَّرْجَمَة الْمَذْكُورَة من حَيْثُ الِاسْتِئْنَاس بِهِ فِي جَوَاز النّظر إِلَى الْأَجْنَبِيَّة للخطبة، وَذَلِكَ لِأَن مَنَام الْأَنْبِيَاء وَحي، على أَن ظَاهر قَوْله: (يَجِيء بك الْملك) يدل على أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَاهد حَقِيقَة صُورَة عَائِشَة، وَكَانَت هِيَ فِي سَرقَة من حَرِير، وَبَقِيَّة الْكَلَام مرت هُنَاكَ.
-
٦٢١٥ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ حَدثنَا يعْقُوبُ عنْ أبي حازِمٍ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ أنَّ امْرَأةً جاءَتْ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فقالَتْ: يَا رسولَ الله {جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إليْها رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَصَعَّدَ النَّظَرَ إليْها وصوَّبَهُ، ثُمَّ طأْطأْ رَأْسَهُ فلَمَّا رأتِ المَرْأةُ أنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيها شَيْئا جلَسَتْ، فقامَ رجُلٌ مِنْ أصْحابهِ، فقالَ: أيْ رسولَ الله} إنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ حاجَةٌ فَزَوِّجْنِيها. فقالَ: هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْء؟ قَالَ: لَا وَالله يَا رسولَ الله، قَالَ: اذْهَبْ إِلَى أهْلِكَ فانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئَا؟ فذهَبَ ثُمَّ رجَعَ فَقَالَ: لَا وَالله يَا رسولَ الله، مَا وجَدْتُ شَيْئَا. قَالَ: انْظُرْ ولَوْ خاتَما مِنْ حَدِيدٍ، فذهَبَ ثُمَّ رجَعَ فَقَالَ: وَلَا وَالله يَا رسولَ الله، وَلَا خَاتِما مِنْ حَدِيدٍ، ولاكِنْ هذَا إزَارِي. قَالَ سَهْلٌ: مالَهُ رِدَاءٌ فَلَها نصْفُهُ. فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ لمْ يَكُنْ علَيْها منْهُ شيْءٌ، وإنْ لَبِسَتْهُ لمْ يَكُنْ علَيْكَ شيْءٌ، فجَلَسَ الرَّجُلُ حتَّى طالَ مجْلِسُهُ، ثُمَّ قامَ، فرَآهُ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مُوَلِّيا فأمَرَ بهِ فدُعِيَ، فلَمَّا جاءَ قَالَ: ماذَا معَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قَالَ: معِي سُورَةُ كَذا وسورَةُ كَذا وسورَةُ كَذا، عَدَّدَها قَالَ: أتَقْرَؤُهُنَّ عنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إذْهَبْ فقَدْ مَّلكْتُكَها بِما معَكَ منَ القُرْآنِ..
-
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: فَنظر إِلَيْهَا رَسُول الله صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم. والْحَدِيث قد مر فِيمَا قبله عَن قريب فِي كتاب النِّكَاح فِي: بَاب تَزْوِيج الْمُعسر، وَفِيمَا قبله فِي فَضَائِل الْقُرْآن فِي: بَاب الْقِرَاءَة عَن ظهر الْقلب.
-
وَأخرجه فِي هَذَا الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة عَن قُتَيْبَة بن سعيد، لَكِن هُنَا وَفِي فَضَائِل الْقُرْآن عَن قُتَيْبَة عَن يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن، وَفِي: بَاب تَزْوِيج الْمُعسر، عَن قُتَيْبَة عَن عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم عَن أَبِيه سَلمَة بن دِينَار.
-
قَوْله: (عَددهَا) ، ويروي: عادها، وَمد الْكَلَام فِيهِ مستقصىً.