- (باب إذا قال: فارقتك أو سرحتك أو: الخلية أو البرية أو ما عني به الطلاق فهو على نيته.)
٣ فقرات، ج ٢٠ ص ٢٣٨
- ج ٢٠ ص ٢٣٨
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم مَا إِذا قَالَ الرجل لامْرَأَته: فارقتك أَو سرحتك أَو أَنْت خلية أَو بَريَّة، فَالْحكم فِي هَذِه الْأَلْفَاظ يعْتَبر بنيته وَهُوَ معنى قَوْله: (فَهُوَ على نِيَّته) لِأَن هَذِه كنايات عَن الطَّلَاق، فَإِن نوى الطَّلَاق وَقع وإلَاّ فَلَا يَقع شَيْء، وَإِنَّمَا كَانَت الْكِنَايَة للطَّلَاق وَلم تكن للنِّكَاح لِأَن النِّكَاح لَا يَصح إلَاّ بِالْإِشْهَادِ. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: لَا صَرِيح إلَاّ لفظ الطَّلَاق وَمَا يتَصَرَّف مِنْهُ، وَنَصّ فِي الْجَدِيد على أَن الصَّرِيح لفظ الطَّلَاق. والفراق والسراح لوُرُود ذَلِك فِي الْقُرْآن، وَقدر حج الطَّبَرِيّ والمحاملي وَغَيرهمَا قَوْله الْقَدِيم، وَاخْتَارَهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب من الْمَالِكِيَّة، وَقَالَ أَبُو يُوسُف فِي قَوْله: فارقتك أَو خلعتك أَو خليت سَبِيلك، أَو لَا ملك لي عَلَيْك إِنَّه ثَلَاث، وَاخْتلفُوا فِي الخلية والبرية، فَعَن عَليّ: أَنه ثَلَاث. وَبِه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَعَن ابْن عمر: ثَلَاث فِي الْمَدْخُول بهَا، وَبِه قَالَ مَالك ويدين فِي الَّتِي لم يدْخل بهَا بتطليقة وَاحِدَة أَرَادَ أم ثَلَاثًا، وَقَالَ الثَّوْريّ وَأَبُو حنيفَة تعْتَبر نِيَّته فِي ذَلِك، فَإِن نوى ثَلَاثًا فَثَلَاث، وَإِن نوى وَاحِدَة فَوَاحِدَة بَائِنَة، وَهِي أَحَق بِنَفسِهَا وَإِن نوى ثِنْتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَة، وَفِي (التَّلْوِيح) . وَقَالَ الشَّافِعِي: هُوَ فِي ذَلِك كُله غير مُطلق حَتَّى يَقُول، أردْت بمخرج الْكَلَام مني طَلَاقا فَيكون مَا نَوَاه، فَإِن نوى دون الثَّلَاث كَانَ جَمِيعًا، وَلَو طَلقهَا وَاحِدَة بَائِنَة كَانَت رَجْعِيَّة. وَقَالَ إِسْحَاق: هُوَ إِلَى نِيَّته يدين، وَقَالَ أَبُو ثَوْر: هِيَ تَطْلِيقَة رَجْعِيَّة وَلَا يسْأَل عَن نِيَّته فِي ذَلِك، وَحكى الدَّارمِيّ عَن ابْن خيران أَن من لم يعرف إلَاّ الطَّلَاق فَهُوَ صَرِيح فِي حَقه فَقَط، وَنَحْوه للروياني فَإِنَّهُ لَو قَالَ: اغربي فارقتك، وَلم يعرف أَنَّهَا صَرِيحَة لَا يكون صَرِيحًا فِي حَقه، وَاتَّفَقُوا عل أَن لفظ الطَّلَاق وَمَا يتَصَرَّف مِنْهُ صَرِيح، لَكِن أخرج أَبُو عبيد فِي (غَرِيب الحَدِيث) من طَرِيق عبيد الله بن شهَاب الْخَولَانِيّ عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه رفع إِلَيْهِ رجل قَالَت لَهُ امْرَأَته يشبهني. فَقَالَ: كَأَنَّك ظَبْيَة. قَالَت: لَا قَالَ: كَأَنَّك حمامة. قَالَت: لَا أرْضى حَتَّى تَقول: أَنْت خلية طَالِق، فَقَالَ لَهُ عمر: خُذ بِيَدِهَا فَهِيَ امْرَأَتك. قَالَ أَبُو عبيد قَوْله خلية طَالِق أَي: نَاقَة كَانَت معقولة ثمَّ أطلقت من عقالها، وخلى عَنْهَا فسميت خلية لِأَنَّهَا خليت عَن العقال، وَطَالِق لِأَنَّهَا أطلقت مِنْهُ فَأَرَادَ الرجل أَنَّهَا تشبه النَّاقة وَلم يقْصد الطَّلَاق بِمَعْنى الْفِرَاق أصلا، فأسقط عمر عَنهُ الطَّلَاق، وَقَالَ أَبُو عبيد: وَهَذَا أصل لكل من تكلم بِشَيْء من أَلْفَاظ الطَّلَاق، وَلم يرد الْفِرَاق بل أَرَادَ غَيره فَالْقَوْل قَوْله فِيهِ فِيمَا بَينه وَبَين االله تَعَالَى. وَفِي (الْمُحِيط) : لَو قَالَ: أَنْت طَالِق، وَقَالَ: عنيت بِهِ عَن الوثاق لَا يصدق قَضَاء وَيصدق ديانَة، وَلَو قَالَ: أَنْت طَالِق من وثاق لم يَقع شَيْء فِي الْقَضَاء، وَلَو قَالَ: أردْت أَنَّهَا طَالِق من الْعَمَل لم يدين فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى،
ج ٢٠ ص ٢٣٩وَعَن أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه يدين، لَو قَالَ: أَنْت طَالِق من هَذَا الْعَمَل وقف فِي الْقَضَاء وَلَا يَقع فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى، وَلَو قَالَ؛ أَنْت طَالِق من هَذَا الْقَيْد لم تطلق.
-
وَقَوْلُ الله عَزَّ وجَلَّ: { (٣٣) وسرحوهن سراحا جميلا} (الْأَحْزَاب: ٩٤) وَقَالَ: { (٣٣) وأسرحكن سراحا جميلا} (الْأَحْزَاب: ٨٢) وَقَالَ: { (٢) فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان} (الْبَقَرَة: ٩٢٢) وَقَالَ: { (٦٥) أَو فارقوهن بِمَعْرُوف} (الطَّلَاق: ٢) [/ ح.
-
لما ذكر فِي التَّرْجَمَة لفظ الْمُفَارقَة والتسريح ذكر بعض هَذِه الْآيَات الَّتِي فِيهَا ذكر الله تَعَالَى هذَيْن اللَّفْظَيْنِ مِنْهَا. قَوْله تَعَالَى: {وسرحوهن سراحا جميلاً} وأوله: {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ} أَي: من قبل أَن تجامعوهن {فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها فمتعوهن} أَي: أعطوهن مَا يستمتعن بِهِ. وَقَالَ قَتَادَة: هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى: {فَنصف مَا فرضتم} (الْبَقَرَة: ٧٣٢) قيل: هُوَ أَمر ندب، والمتعة مُسْتَحبَّة وَنصف الْمهْر. وأجب: وسرحوهن أَي: أرسلوهن وخلوا سبيلهن، وَقيل: أخرجوهن من مَنَازِلكُمْ إِذْ لَيْسَ لكم عَلَيْهِنَّ عدَّة. وَكَانَ البُخَارِيّ: أورد هَذَا إِشَارَة إِلَى أَن لفظ التسريح هُنَا بِمَعْنى الْإِرْسَال لَا بِمَعْنى الطَّلَاق، وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : وَقيل: طلقوهن للسّنة، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ ذكر قبله {ثمَّ طلقوهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ} يَعْنِي: قبل الدُّخُول، وَلم يبْق مَحل للطَّلَاق بعد التَّطْلِيق قَوْله: (سراحا) نصب على المصدرية بِمَعْنى: تسريحا. قَوْله: (جميلاً) يَعْنِي: بِالْمَعْرُوفِ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {وأسرحكن سراحا جميلاً} وأوله قَوْله تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي قل لِأَزْوَاجِك إِن كنتن تردن الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلاً} وَقَالَ بَعضهم: التسريح فِي هَذِه الْآيَة يحْتَمل التَّطْلِيق والإرسال، فَإِذا كَانَ صَالحا للأمرين انْتَفَى أَن يكون صَرِيحًا فِي الطَّلَاق. قلت: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: معنى قَوْله: أسرحكن، أطلقكن، وَهَذَا ظَاهر لِأَنَّهُ لم يسْبق هُنَا طَلَاق، فَمن أَيْن يَأْتِي الِاحْتِمَال وَلَيْسَ المُرَاد إلَاّ التَّطْلِيق؟ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى: {فإمساك بِمَعْرُوف} وَقَبله قَوْله تَعَالَى: {الطَّلَاق مَرَّتَانِ فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان} فَالْمُرَاد بالتسريح هُنَا الطَّلقَة الثَّالِثَة. وَالْمعْنَى: الطَّلَاق مرّة بعد مرّة يَعْنِي ثِنْتَيْنِ، وَكَانَ الرجل إِذا طلق امْرَأَته فَهُوَ أَحَق برجعتها وَإِن طَلقهَا ثَلَاثًا فنسخ ذَلِك فَقَالَ الله تَعَالَى {الطَّلَاق مَرَّتَانِ} الْآيَة، وَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: إِذا طلق الرجل امْرَأَته تَطْلِيقَتَيْنِ فليتق الله فِي الثَّالِثَة فَلهُ أَن يمْسِكهَا بِمَعْرُوف فَيحسن صحبتهَا أَو يسرحها بِإِحْسَان فَلَا يظلهما من حَقّهَا شَيْئا، وَقد ذكرنَا عَن قريب: أَن أَبَا رزين قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَرَأَيْت قَول الله عز وَجل: {فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان} أَيْن الثَّالِثَة؟ قَالَ: التسريح بِالْإِحْسَانِ، وَمِنْهَا قَوْله عز وَجل: {أَو فارقوهن بِمَعْرُوف} .
وقالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يأمْرَانِي بِفِرَاقِهِ
هَذَا التَّعْلِيق طرف من حَدِيث التَّخْيِير الَّذِي فِي أَوَائِل تَفْسِير سُورَة الْأَحْزَاب، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.