- (باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء)

٥٧ فقرة، ج ٤ ص ٣٩

الصفحة ٢ من ٢

  1. وَأما هَارُون، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَإِنَّهُ كَانَ محبباً إِلَى بني إِسْرَائِيل، حَتَّى إِن قومه كَانُوا يؤثرونه على مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَكَذَلِك كَانَ نَبينَا ثمَّ صَار محبباً عِنْد سَائِر الْخلق.

    ج ٤ ص ٥٠
  2. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله فِي الحَدِيث: لم يثبت كَيفَ مَنَازِلهمْ، يُخَالِفهُ كلمة؛ ثمَّ الَّتِي للتَّرْتِيب؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ إِمَّا أَن أنسا لم يرو هَذَا عَن أبي ذَر، وَإِمَّا أَن يُقَال: لَا يلْزم مِنْهُ تعْيين مَنَازِلهمْ لبَقَاء الْإِبْهَام فِيهِ، لِأَن بَين آدم وَإِبْرَاهِيم ثَلَاثَة من الْأَنْبِيَاء وَأَرْبَعَة من السَّمَوَات أَو خَمْسَة، إِذْ جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: وَإِبْرَاهِيم فِي السَّمَاء السَّابِعَة.

  3. وَمِنْهَا مَا قيل: قَوْله تَعَالَى: {مَا يُبدل القَوْل لدي} (ق: ٩٢) لم لَا يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: لَا ينقص عَن الْخمس وَلَا يُبدل الْخمس إِلَى أقل من ذَلِك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يُنَاسب لفظ: (استحييت من رَبِّي) ، فَإِن قيل: ألم يُبدل القَوْل لَدَيْهِ حَيْثُ جعل الْخمسين خمْسا؟ أُجِيب: بِأَن مَعْنَاهُ لَا يُبدل الإخبارات، مثل أَن ثَوَاب الْخمس خَمْسُونَ لَا التكليفات، أَو لَا يُبدل الْقَضَاء المبرم لَا الْقَضَاء الْمُعَلق الَّذِي يمحو اما يَشَاء مِنْهُ وَيثبت مِنْهُ، أَو مَعْنَاهُ: لَا يُبدل القَوْل بعد ذَلِك.

  4. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الْإِسْرَاء كَانَ لَيْلًا بِالنَّصِّ، فَمَا الْحِكْمَة فِي كَونه لَيْلًا؟ وَأجِيب: بأوجه: الأول: أَنه وَقت الْخلْوَة والاختصاص ومجالسة الْمُلُوك، وَهُوَ أشرف من مجالستهم نَهَارا، وَهُوَ وَقت مُنَاجَاة الْأَحِبَّة. الثَّانِي: أَن اتعالى أكْرم جمَاعَة من أنبيائه بأنواع الكرامات لَيْلًا، قَالَ تَعَالَى فِي قصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام {فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكباً} (الْأَنْعَام: ٦٧) وَفِي قصَّة لوط، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، {فَأسر بأهلك بِقطع من اللَّيْل} (هود: ١٨، وَالْحجر: ٥٦) وَفِي قصَّة يَعْقُوب، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: {سَوف اسْتغْفر لكم رَبِّي} (يُوسُف: ٨٩) وَكَانَ آخر دُعَائِهِ وَقت السحر من لَيْلَة الْجُمُعَة، وَقرب مُوسَى نجياً لَيْلًا، وَذَلِكَ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ لأَهله امكثوا إِنِّي آنست نَارا} (طه: ٠١، والقصص: ٩٢) وَقَالَ: {وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة} (الْأَعْرَاف: ٢٤١) . وَقَالَ لَهُ لما أمره بِخُرُوجِهِ من مصر ببني إِسْرَائِيل: {فَأسر بعبادي لَيْلًا إِنَّكُم متبعون} (الدُّخان: ٣٢) . وَأكْرم نَبينَا أَيْضا لَيْلًا بِأُمُور مِنْهَا: انْشِقَاق الْقَمَر، وإيمان الْجِنّ بِهِ، وَرَأى الصَّحَابَة آثَار نيرانهم كَمَا ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم) وَخرج إِلَى الْغَار لَيْلًا. الثَّالِث: أَن اتعالى قدم ذكر اللَّيْل على النَّهَار فِي غير مَا آيَة فَقَالَ: {وَجَعَلنَا اللَّيْل وَالنَّهَار آيَتَيْنِ} (الْإِسْرَاء: ٢١) وَقَالَ: {وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار} (يس: ٠٤) وَلَيْلَة النَّحْر تغني عَن الْوُقُوف نَهَارا. الرَّابِع: أَن اللَّيْل أصل، وَلِهَذَا كَانَ أول الشُّهُور، وسواده يجمع ضوء الْبَصَر وَيحد كليل النّظر ويستلذ فِيهِ بالسمر ويجتلى فِيهِ وَجه الْقَمَر. الْخَامِس: أَنه لَا ليل إلَاّ وَمَعَهُ نَهَار، وَقد يكون نَهَار بِلَا ليل، وَهُوَ: يَوْم الْقِيَامَة الَّذِي مِقْدَاره خمسين ألف سنة. السَّادِس: أَن اللَّيْل مَحل استجابة الدُّعَاء والغفران وَالعطَاء. فَإِن قلت: ورد فِي الحَدِيث: (خير يَوْم طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس يَوْم عَرَفَة، أَو يَوْم الْجُمُعَة) قلت: قَالُوا ذَلِك بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَيَّام. قلت: لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر، وَقد دخل فِي هَذِه اللَّيْلَة أَرْبَعَة آلَاف جُمُعَة بِالْحِسَابِ الْجملِي، فَتَأمل هَذَا الْفضل الْخَفي. السَّابِع: أَن أَكثر أَسْفَاره كَانَ لَيْلًا، وَقَالَ: (عَلَيْكُم بالدلجة فَإِن الأَرْض تطوى بِاللَّيْلِ) . وَالثَّامِن: لينفي عَنهُ مَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي عِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من الْبُنُوَّة لما رفع نَهَارا تَعَالَى اعن ذَلِك. التَّاسِع: لِأَن اللَّيْل وَقت الِاجْتِهَاد لِلْعِبَادَةِ، وَكَانَ قَامَ حَتَّى تورمت قدماه. وَكَانَ قيام اللَّيْل فِي حَقه وَاجِبا وَقَالَ فِي حَقه: {يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إلاّ قَلِيلا} (المزمل: ١ ٢) فَلَمَّا كَانَت عِبَادَته لَيْلًا أَكثر أكْرم بالإسراء فِيهِ، وَأمره بقوله: {وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ} (الْإِسْرَاء: ٩٧) . الْعَاشِر: ليَكُون أجر الْمُصدق بِهِ أَكثر، ليدْخل فِيمَن آمن بِالْغَيْبِ دون من عاينه نَهَارا.

  5. وَمِنْهَا مَا قيل: إِنَّه ذكر فِي هَذَا الحَدِيث أَن صَدره غسل بِمَاء زَمْزَم، وَقَلبه بالثلج؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ غسل بالثلج أَولا ليثلج الْيَقِين إِلَى قلبه، وَهَذِه لدُخُول الحضرة القدسية، وَقيل: فعل بِهِ ذَلِك فِي حَال صغره ليصير قلبه مثل قُلُوب الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي الانشراح. وَالثَّانيَِة: ليصير حَاله مثل حَال الْمَلَائِكَة.

  6. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا كَانَت الْحِكْمَة فِي الْإِسْرَاء؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ للمناجاة، وَلِهَذَا كَانَ من غير مواعدة، وَهَذَا أوقع وَأعظم، وَكَانَ التكليم

    ج ٤ ص ٥١فِي مُوسَى عَن مواعدة وموافاة، فَأَيْنَ ذَلِك من هَذَا؟ وشتان مَا بَين المقامين وَبَين من كلم على الطّور، وَبَين من دعِي إِلَى أعالي الْبَيْت الْمَعْمُور، وَبَين من سخرت لَهُ الرّيح مسيرَة شهر، وَبَين من ارْتقى من الْفرش إِلَى الْعَرْش فِي سَاعَة زمانية.

  7. وَمِنْهَا مَا قيل: إِنَّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عرج بِهِ على دَابَّة يُقَال لَهَا الْبراق، وَثَبت ذَلِك بالتواتر، وَمَا الْحِكْمَة فِي ذَلِك، وَكَانَ اقادراً على رَفعه فِي طرفَة عين بِلَا براق؟ وَأجِيب: بِأَن ذَلِك للتأنيس بالمعتاد، وَالْقلب إِلَى ذَلِك أميل، وعرج بِهِ لكرامة الرَّاكِب على غَيره، وَلذَلِك لم ينزل عَنهُ على مَا جَاءَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة؛ مَا زَالَ على ظهر الْبراق حَتَّى رَجَعَ، وَإِنَّمَا لم يذكر فِي الرُّجُوع للْعلم بِهِ لقَرِينَة الصعُود. وَسمي: براقاً لسرعته تَشْبِيها ببرق السَّحَاب، وَكَانَت بغلته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بَيْضَاء، أَي: شهباء، فَكَذَلِك كَانَ الْبراق، وَفِيه أسئلة. الأول: كَون الْبراق على شكل الْبَغْل دون الْخَيل مَعَ أَن الْخَيل أفضل وَأحسن. وَالْجَوَاب: كَانَ الرّكُوب فِي السّلم والأمن لَا فِي الْخَوْف وَالْحَرب، ولإسراعه عَادَة، ولتحقيق ثباته وَصَبره، فَلذَلِك كَانَ، ركب بغلته فِي الْحَرْب فِي قصَّة حنين لتحقيق ثباته فِي مَوَاطِن الْحَرْب، وَأما ركُوب الْمَلَائِكَة الْخَيل فَلِأَنَّهُ الْمَعْهُود بِالْخَيْلِ فِي الحروب، وَمَا لطف من البغال واستدار أحسن من الْخَيل فِي الْوُجُوه الَّتِي ذَكرنَاهَا. الثَّانِي: استصعاب الْبراق لماذا كَانَ؟ وَالْجَوَاب: كَانَ تيهاً وزهواً لركوبه، وَقَول جِبْرِيل: أبمحمد تستصعب تَحْقِيق الْحَال وَقد ارفضَّ عرقاً من تيه الْجمال؟ وَقد قيل: إِنَّه رَكبه الْأَنْبِيَاء قبله أَيْضا. وَقيل: إِن جِبْرِيل ركب مَعَه. الثَّالِث: تشمس الْبراق حِين قدومه إِلَيْهِ للرُّكُوب، قَالَه قَتَادَة. الْجَواب: إِن تشمسه ونفرته كَانَ لبعد عَهده من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَطول الفترة بَين عِيسَى وَمُحَمّد، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَالَ: قَالَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام لمُحَمد، حِين تشمس بِهِ الْبراق: لَعَلَّك يَا مُحَمَّد مسست الصَّفْرَاء الْيَوْم، يَعْنِي الذَّهَب؟ فَأخْبر النَّبِي أَنه مامسها إلَاّ أَنه مر بهَا. فَقَالَ: تَبًّا لمن يعبدك من دون اتعالى، وَمَا شمس إلَاّ لذَلِك ذكره السُّهيْلي. وَسمعت من بعض أستاذي الْكِبَار، أَنه: إِنَّمَا شمس ليعد لَهُ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، بالركوب عَلَيْهِ أَولا يَوْم الْقِيَامَة، فَلَمَّا وعد لَهُ قر.

  8. وَمِنْهَا مَا قيل: مَا معنى قَوْله: (وغشيها ألوان لَا أَدْرِي مَا هِيَ) ؟ . أُجِيب: بِأَن هَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: {إِذْ يغشى السِّدْرَة مَا يغشى} (النَّجْم: ٦١) فِي أَن الْإِبْهَام للتفخيم والتهويل، وَإِن كَانَ مَعْلُوما. وَقيل: فرَاش من ذهب، وَقيل: لَعَلَّه مثل مَا يغشى من الْأَنْوَار الَّتِي تنبعث مِنْهَا وتتساقط على موقعها بالفراش، وَجعلهَا من الذَّهَب لصفائها وإضاءتها فِي نَفسهَا.

  9. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ تصور الصعُود إِلَى السَّمَوَات وَمَا فَوْقهَا، والجسم الإنساني كثيف قبل هَذَا؟ أُجِيب: بِأَن الْأَرْوَاح أَرْبَعَة أَقسَام. الأول: الْأَرْوَاح الكدرة بِالصِّفَاتِ البشرية، وَهِي أَرْوَاح الْعَوام، غلبت عَلَيْهَا القوى الحيوانية فَلَا تقبل العروج أصلا. وَالثَّانِي: الْأَرْوَاح الَّتِي لَهَا كَمَال الْقُوَّة النظرية للبدن باكتساب الْعُلُوم، وَهَذِه أَرْوَاح الْعلمَاء. وَالثَّالِث: الْأَرْوَاح الَّتِي لَهَا كَمَال الْقُوَّة الْمُدبرَة للبدن باكتساب الْأَخْلَاق الحميدة، وَهَذِه أَرْوَاح المرتاضين، إِذْ كسروا قوى أبدانهم بالارتياض والمجاهدة. وَالرَّابِع: الْأَرْوَاح الَّتِي حصل لَهَا كَمَال القوتين، فَهَذِهِ غَايَة الْأَرْوَاح البشرية، وَهِي أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء وَالصديقين، فَكلما ازدادت قُوَّة أَرْوَاحهم ازْدَادَ ارْتِفَاع أبدانهم من الأَرْض، وَلِهَذَا لما كَانَ الْأَنْبِيَاء، صلوَات اعليهم وَسَلَامه، قويت فيهم هَذِه الْأَرْوَاح، عرج بهم إِلَى السَّمَاء وأكملهم قُوَّة نَبينَا، فعرج بِهِ إِلَى قاب قوسين أَو أدنى.

  10. ٠٥٣٦١ - ح دّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبْرنا مالِكٌ عَنْ صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ أمِّ المُؤْمِنينَ قالَتْ فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الحَضَرِ والسَّفَر فأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ. (الحَدِيث ٠٥٣ طرفاه فِي: ٠٩٠١، ٥٣٩٣) .

  11. مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

  12. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا، وَعبد ابْن يُوسُف التنيسِي، وَمَالك بن أنس.

  13. ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، وَكَذَلِكَ الْإِخْبَار فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مصري ومدني، وَهَذَا من مَرَاسِيل عَائِشَة لِأَنَّهَا لم تدْرك الْقِصَّة، وَيحْتَمل أَن تكون أخذت ذَلِك من النَّبِي أَو من صَحَابِيّ آخر، وعَلى كل حَال فَهُوَ حجَّة لِأَن هَذَا مِمَّا لَا مجَال للرأي فِيهِ.

  14. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن

    ج ٤ ص ٥٢أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِجْرَة عَن مُسَدّد عَن يزِيد بن زُرَيْع عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَت: (فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ ثمَّ هَاجر النَّبِي فَفرضت أَرْبعا) . وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى، وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي، وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة، أربعتهم عَن مَالك عَن صَالح بن كيسَان بِهِ.

  15. ذكر مَعْنَاهُ وَمَا يستنبط مِنْهُ. قَوْله: (فرض ا) أَي: قدر ا، وَالْفَرْض فِي اللُّغَة التَّقْدِير، هَكَذَا فسره أَبُو عمر. قَوْلهَا: (الصَّلَاة) أَي: الصَّلَاة الرّبَاعِيّة، وَذَلِكَ لِأَن الثَّلَاثَة وتر صَلَاة النَّهَار، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِك فِي رِوَايَة أَحْمد من حَدِيث ابْن إِسْحَاق قَالَ: حَدثنِي صَالح بن كيسَان عَن عُرْوَة: إِلَى آخِره، وَفِيه: (إلَاّ الْمغرب فَإِنَّهَا كَانَت ثَلَاثًا) : وَذكر الدَّاودِيّ أَن الصَّلَوَات زيدت فِيهَا رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وزيدت فِي الْمغرب رَكْعَة. وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث دَاوُد بن أبي هِنْد عَن عَامر عَن مَسْرُوق عَن عَائِشَة قَالَت: (إِن أول مَا فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا قدم النَّبِي الْمَدِينَة وَاطْمَأَنَّ زَاد رَكْعَتَيْنِ، غير الْمغرب، لِأَنَّهَا وتر صَلَاة الْغَدَاة. قَالَ: وَكَانَ إِذا سَافر صلى الصَّلَاة الأولى) . قَوْلهَا: (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) بالتكرار ليُفِيد عُمُوم التَّثْنِيَة لكل صَلَاة، لِأَن قَاعِدَة كَلَام الْعَرَب أَن تكْرَار الِاسْم المُرَاد تَقْسِيم الشَّيْء عَلَيْهِ، ولولاه لَكَانَ فِيهِ إِيهَام أَن الْفَرِيضَة فِي السّفر والحضر مَا كَانَت إلَاّ فَرد رَكْعَتَيْنِ فَقَط. وانتصب: (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) على الحالية، والتكرار فِي الْحَقِيقَة عبارَة عَن كلمة وَاحِدَة نَحْو: مثنى، ونظيرها قَوْلك: هَذَا مزاي، قَائِم مقَام الحلو والحامض. قَوْلهَا: (وَزيد فِي صَلَاة الْحَضَر) ، يَعْنِي: زيدت فِيهَا حَتَّى تكملت خمْسا، فَتكون الزِّيَادَة فِي عدد الصَّلَوَات، وَيكون قَوْلهَا: فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ، أَي: قبل الْإِسْرَاء، لِأَن الصَّلَاة قبل الْإِسْرَاء كَانَت صَلَاة قبل غرُوب الشَّمْس، وَصَلَاة قبل طُلُوعهَا. وَيشْهد لَهُ قَوْله تَعَالَى: {وَسبح بالْعَشي والأبكار} (آل عمرَان: ١٤) قَالَه أَبُو إِسْحَاق الْحَرْبِيّ وَيحيى بن سَلام، وَقَالَ بَعضهم: يجوز أَن يكون معنى: (فرضت الصَّلَاة) ، أَي لَيْلَة الْإِسْرَاء حِين فرضت الصَّلَاة الْخمس فرضت رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ زيد فِي صَلَاة الْحَضَر بعد ذَلِك، فَتكون الزِّيَادَة فِي عدد الرَّكْعَات، وَهَذَا هُوَ الْمَرْوِيّ عَن بعض رُوَاة هَذَا الحَدِيث عَن عَائِشَة، وَمِمَّنْ رَوَاهُ هَكَذَا الْحسن وَالشعْبِيّ أَن الزِّيَادَة فِي الْحَضَر كَانَت بعد الْهِجْرَة بعام، أَو نَحوه. وَقد ذكر البُخَارِيّ من رِوَايَة معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، قَالَت: (فرضت الصَّلَاة) الحَدِيث، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَقَالَ بَعضهم؛ فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ، يَعْنِي: إِن اخْتَار الْمُسَافِر أَن يكون فَرْضه رَكْعَتَيْنِ فَلهُ ذَلِك، وَإِن اخْتَار أَن يكون أَرْبعا فَلهُ ذَلِك. وَقيل: يحْتَمل أَن تُرِيدُ بقولِهَا: فرضت الصَّلَاة، أَي: قدرت، ثمَّ تركت صَلَاة السّفر على هيئتها فِي الْمِقْدَار لَا فِي الْإِيجَاب.

  16. وَالْفَرْض فِي اللُّغَة: التَّقْدِير، وَقَالَ النَّوَوِيّ: يَعْنِي فرضت الصَّلَاة رَكْعَتَيْنِ لمن أَرَادَ الِاقْتِصَار عَلَيْهِمَا، فزيد فِي صَلَاة الْحَضَر رَكْعَتَانِ على سَبِيل التحتيم، وأقرت صَلَاة السّفر على جَوَاز الِاقْتِصَار، وَاحْتج أَصْحَابنَا بِهَذَا الحَدِيث، أَعنِي: قَول عَائِشَة، رَضِي اتعالى عَنْهَا، المكذور فِي هَذَا الْبَاب، على أَن الْقصر فِي السّفر عَزِيمَة لَا رخصَة، وَبِمَا رَوَاهُ مُسلم أَيْضا عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: (فرض االصلاة على لِسَان نَبِيكُم فِي الْحَضَر أَربع رَكْعَات، وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْف رَكْعَة) . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه) بِلَفْظ: (افْترض رَسُول ا، رَكْعَتَيْنِ فِي السّفر كَمَا افْترض فِي الْحَضَر أَرْبعا) . وَبِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن ماجة عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى عَن عمر رَضِي اتعالى عَنهُ، قَالَ: (صَلَاة السّفر رَكْعَتَانِ، وَصَلَاة الْأَضْحَى رَكْعَتَانِ، وَصَلَاة الْفطر رَكْعَتَانِ، وَصَلَاة الْجُمُعَة رَكْعَتَانِ، تَمام غير قصر على لِسَان نَبِيكُم مُحَمَّد) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَلم يقدحه بِشَيْء. فَإِن قلت: قَالَ النَّسَائِيّ: فِيهِ انْقِطَاع لِأَن ابْن أبي ليلى لم يسمعهُ من عمر. قلت: حكم مُسلم فِي مُقَدّمَة كِتَابه بِسَمَاع ابْن أبي ليلى من عمر، وَصرح فِي بعض طرقه فَقَالَ: عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، قَالَ: سَمِعت عمر بن الْخطاب. فَذكره وَيُؤَيّد ذَلِك مَا أخرجه أَبُو يعلى الْموصِلِي فِي مُسْنده: عَن الْحُسَيْن بن وَاقد عَن الْأَعْمَش. عَن حبيب بن أبي ثَابت أَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى حَدثهُ، قَالَ: خرجت مَعَ عمر بن الْخطاب. فَذكره.

    وَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأحمد: الْقصر رخصَة. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث أخرجه أَبُو دادو بِإِسْنَادِهِ عَن يعلى بن أُميَّة قَالَ: قلت: لعمر بن الْخطاب: عجبت من اقْتِصَار النَّاس الصَّلَاة الْيَوْم، وَإِنَّمَا قَالَ اتعالى: {إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا} (النِّسَاء: ١٠١) فقد ذهب ذَلِك الْيَوْم. فَقَالَ: عجبت مِمَّا عجبت مِنْهُ، فَذكرت ذَلِك للنَّبِي فَقَالَ: (صَدَقَة تصدق ابها عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته) . وَأخرجه مُسلم أَيْضا وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان. وَبِمَا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ عَن عمر بن سعيد عَن

    ج ٤ ص ٥٣عَطاء بن أبي رَبَاح عَن عَائِشَة رَضِي اعنها أَن النَّبِي: (كَانَ يقصر فِي الصَّلَاة وَيتم وَيفْطر ويصوم) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِسْنَاده صَحِيح، وَقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن طَلْحَة بن عَمْرو ودلهم بن صَالح والمغيرة بن زِيَاد، وثلاثتهم ضعفاء عَن عَطاء عَن عَائِشَة. قَالَ: وَالصَّحِيح عَن عَائِشَة مَوْقُوف.

  17. وَالْجَوَاب عَن الحَدِيث الأول أَنه حجَّة لنا لِأَنَّهُ أَمر بِالْقبُولِ، فَلَا يبْقى خِيَار الرَّد شرعا، إِذْ الْأَمر للْوُجُوب. فَإِن قلت: الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ يكون مُخْتَارًا فِي قبُول الصَّدَقَة كَمَا فِي الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ من الْعباد. قلت: معنى قَوْله: (تصدق ابها عَلَيْكُم) حكم عَلَيْكُم، لِأَن التَّصَدُّق من افيما لَا يحْتَمل التَّمْلِيك يكون عبارَة عَن الْإِسْقَاط كالعفو من ا. وَالْجَوَاب عَن الحَدِيث الثَّانِي: أَنه معَارض بِحَدِيث آخر أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم عَن حَفْص بن عَاصِم عَن ابْن عمر قَالَ: (صَحِبت رَسُول الله فِي السّفر فَلم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبضه ا، وصحبت أَبَا بكر فَلم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبضه اتعالى، وصحبت عُثْمَان فَلم يزدْ على رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبضه اتعالى) ، وَقد قَالَ اتعالى: {لقد كَانَ لكم فِي رَسُول اأسوة حَسَنَة} (الْأَحْزَاب: ١٢) وَإِلَيْهِ ذهب عُلَمَاء أَكثر السّلف وفقهاء الْأَمْصَار، أَي: إِلَى أَن الْقصر وَاجِب، وَهُوَ قَول عمر وَعلي وَابْن عمر وَجَابِر وَابْن عَبَّاس، رُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن وَقَتَادَة وَقَالَ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان: يُعِيد من صلى فِي السّفر أَرْبعا. وَعَن مَالك: يُعِيد مَا دَامَ فِي الْوَقْت. وَقَالَ أَحْمد: السّنة رَكْعَتَانِ. وَقَالَ مرّة أُخْرَى: أَنا أحب الْعَافِيَة من هَذِه الْمَسْأَلَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَالْأولَى أَن يقصر الْمُسَافِر الصَّلَاة لأَنهم أَجمعُوا على جَوَازهَا إِذا قصر، وَاخْتلفُوا فِيمَا إِذا أتم، وَالْإِجْمَاع مقدم على الِاخْتِلَاف، وَسقط بِهَذَا كُله مَا قَالَه بَعضهم: وَيدل على أَنه أَي الْقصر رخصَة أَيْضا قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (صَدَقَة تصدق ابها عَلَيْكُم) . وَقَالَ أَيْضا؛ احْتج مخالفهم أَي: مُخَالف الْحَنَفِيَّة بقوله تَعَالَى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة} (النِّسَاء: ١٠١) . لِأَن الْقصر إِنَّمَا يكون من شَيْء أطول مِنْهُ.

    قلت: الْجَواب عَنهُ أَن المُرَاد من الْقصر الْمَذْكُور فِيهَا هُوَ الْقصر فِي الْأَوْصَاف من ترك الْقيام إِلَى الْقعُود، أَو ترك الرُّكُوع وَالسُّجُود إِلَى الْإِيمَاء لخوف الْعَدو بِدَلِيل أَنه علق ذَلِك بالخوف، إِذْ قصر الأَصْل غير مُتَعَلق بالخوف بِالْإِجْمَاع، بل مُتَعَلق بِالسَّفرِ، وَعِنْدنَا قصر الْأَوْصَاف مُبَاح لَا وَاجِب، مَعَ أَن رفع الْجنَاح فِي النَّص لدفع توهم النُّقْصَان فِي صلَاتهم بِسَبَب دوامهم على الْإِتْمَام فِي الْحَضَر، وَذَلِكَ مَظَنَّة توهم النُّقْصَان، فَرفع ذَلِك عَنْهُم. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا، والزموا الْحَنَفِيَّة على قاعدتهم فِيمَا إِذا عَارض رَأْي الصَّحَابِيّ رِوَايَته، فَالْعِبْرَة بِمَا رُوِيَ بِأَنَّهُ ثَبت عَن عَائِشَة أَنَّهَا كَانَت تتمّ فِي السّفر. قلت: قَاعِدَة الْحَنَفِيَّة على أَصْلهَا، وَلَا يلْزم من إتْمَام عَائِشَة فِي السّفر النَّقْض على الْقَاعِدَة، لِأَن عَائِشَة كَانَت ترى الْقصر جَائِزا والإتمام جَائِزا، فَأخذت بِأحد الجائزين، وَإِنَّمَا يرد على قاعدتنا مَا ذكره أَن لَو كَانَت عَائِشَة تمنع الْإِتْمَام، وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي إتْمَام عُثْمَان رَضِي اتعالى عَنهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره الْمُحَقِّقُونَ فِي تأويلهما. وَقيل: لِأَن عُثْمَان إِمَام الْمُؤمنِينَ وَعَائِشَة أمّهم فكأنهما كَانَا فِي منازلهما، وأبطل بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ أولى بذلك مِنْهُمَا. وَقيل: لِأَن عُثْمَان تأهل بِمَكَّة وأبطل بِأَنَّهُ سَافر بأزواجه وَقصر، وَقيل: فعل ذَلِك من أجل الْأَعْرَاب الَّذين حَضَرُوا مَعَه لِئَلَّا يظنون أَن فرض الصَّلَاة رَكْعَتَانِ أبدا سفرا وحضراً، وأبطل بِأَن هَذَا الْمَعْنى إِنَّمَا كَانَ مَوْجُودا فِي زمن النَّبِي، بل اشْتهر أَمر الصَّلَاة فِي زمن عُثْمَان أَكثر مِمَّا كَانَ، وَقيل: لِأَن عُثْمَان نوى الْإِقَامَة بِمَكَّة بعد الْحَج، وأبطل بِأَن الْإِقَامَة بِمَكَّة حرَام على المُهَاجر فَوق ثَلَاث، وَقيل: كَانَ لعُثْمَان أَرض بمنى، وأبطل بِأَن ذَلِك لَا يَقْتَضِي الْإِتْمَام وَالْإِقَامَة.