- (باب رؤيا يوسف، عليه السلام)
٥ فقرات، ج ٢٤ ص ١٣٥
- ج ٢٤ ص ١٣٥
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان رُؤْيا يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، كَذَا وَقع للأكثرين، وَوَقع للنسفي: يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم خَلِيل الرحمان، صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه.
-
وقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَاِبِيهِ ياأَبتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ قَالَ يابُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَكَذالِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الَاْحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىءالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وقوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا وَقَالَ ياأَبَتِ هَاذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الَاْحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالَاْرْضِ أَنتَ وَلِىِّ فِى الدُّنُيَا وَالَاْخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ}
-
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على مَا قبله، وسيقت هَذِه الْآيَات كلهَا إِلَى قَوْله: بالصالحين فِي رِوَايَة كَرِيمَة، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر والنسفي سَاق إِلَى ساجدين ثمَّ قَالَ: إِلَى قَوْله: عليم حَكِيم قَوْله: إِذْ قَالَ أَي: اذكر حِين قَالَ يُوسُف لِأَبِيهِ، يَعْنِي يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، عَلَيْهِم السَّلَام. قَوْله: أحد عشر كوكباً نصب على التَّمْيِيز وأسماؤها: جرثان والطارق وَالذَّيَّال وَذُو الْكَتِفَيْنِ وَذُو القابس وَوَثَّاب وَعَمُودَان والفليق وَالْمصْبح والضروج وَذُو الفرغ. قَوْله: رَأَيْتهمْ لي ساجدين وَلم يُقَال: رَأَيْتهَا سَاجِدَة، لِأَنَّهُ لما وصفهَا الله بِمَا هُوَ خَاص بالعقلاء وَهُوَ السُّجُود أجْرى عَلَيْهَا حكمهم كَأَنَّهَا عَاقِلَة، وَرَأى يُوسُف، عَلَيْهِ السَّلَام، هَذَا وَهُوَ ابْن اثْنَي عشرَة سنة، وَقيل: كَانَ بَين رُؤْيا يُوسُف ومصير إخْوَته إِلَيْهِ أَرْبَعُونَ سنة، وَقيل: ثَمَانُون. قَوْله: على إخْوَتك وهم يهوذا وروبيل وريالون وشمعون ولاوي ويشجر وَدينه دَان ونفتال وجاد وآشر. قَوْله: فيكيدوا لَك أَي: فيبغوا لَك الغوائل ويحتالوا فِي هلاكك. قَوْله: يجتبيك أَي: يصطفيك. قَوْله: من تَأْوِيل الْأَحَادِيث يَعْنِي: تَعْبِير الرُّؤْيَا. قَوْله: وَيتم نعْمَته عَلَيْك يَعْنِي: يُوصل لَك نعم الدُّنْيَا بِنِعْمَة الْآخِرَة. قَوْله: وعَلى آل يَعْقُوب أَي: أَهله وهم نَسْله وَغَيرهم. قَوْله: أَبَوَيْك أَرَادَ بهما الْجد وَأَبا الْجد قَوْله: هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ وَهُوَ قَوْله: إِنِّي رَأَيْت أحد عشر كوكباً قَوْله: أحسن بِي يُقَال: أحسن إِلَيْهِ وَبِه. قَوْله: من البدو أَي: من الْبَادِيَة لأَنهم كَانُوا أهل عمل وَأَصْحَاب مواش ينتقلون فِي الْمِيَاه والمناجع. قَوْله: من بعد أَن نَزغ الشَّيْطَان أَي: أفسد بَيْننَا وأغوى. قَوْله: لطيف ذُو لطف وصنع لما يَشَاء عَالم بدقائق الْأُمُور. قَوْله: من الْملك أَي: ملك مصر وَتَأْويل الْأَحَادِيث تَعْبِير الرُّؤْيَا. قَوْله: فاطر السَّمَوَات يَعْنِي: يَا فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض أَنْت وليي أَي: مُتَوَلِّي أَمْرِي. قَوْله: توفني يَعْنِي: اقبضني إِلَيْك وألحقني بالصالحين يَعْنِي: بآبائي الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام، ثمَّ توفاه الله تَعَالَى بِمصْر وَدفن فِي النّيل فِي صندوق من رُخَام وَمَات وعمره مائَة وَعِشْرُونَ سنة.
ج ٢٤ ص ١٣٦قَالَ أبُو عَبْدِ الله: فاطِرٌ، والبدِيعُ والمُبْتَدِعُ والبارِيءُ والخالِقُ، واحِدٌ.
-
أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَأَشَارَ إِلَى أَن معنى هَذِه الْأَلْفَاظ الْأَرْبَعَة وَاحِد، وَأَشَارَ بالفاطر إِلَى الْمَذْكُور فِي قَوْله: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الَاْحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالَاْرْضِ أَنتَ وَلِىِّ فِى الدُّنُيَا وَالَاْخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ} ، وَغَيرهَا وَقيل: دَعْوَى البُخَارِيّ الْوحدَة فِي معنى هَذِه الْأَلْفَاظ مَمْنُوعَة عِنْد الْمُحَقِّقين، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَن البُخَارِيّ لم يرد بذلك أَن حقائق مَعَانِيهَا متوحدة، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا ترجع إِلَى معنى وَاحِد وَهُوَ إِيجَاد الشَّيْء بعد أَن لم يكن. قلت: قَوْله: وَاحِد، يُنَافِي هَذَا التَّأْوِيل، وَمعنى الفاطر من الْفطر وَهُوَ الِابْتِدَاء والاختراع، قَالَه الْجَوْهَرِي. ثمَّ قَالَ ابْن عَبَّاس: كنت لَا أَدْرِي مَا معنى {فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض} حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يختصمان فِي بِئْر فَقَالَ أَحدهمَا: أَنا فطرتها، أَي: أَنا ابْتَدَأتهَا. قَوْله: والبديع، مَعْنَاهُ الْخَالِق المخترع لَا عَن مِثَال سَابق، فعيل بِمَعْنى مفعل، يُقَال: أبدع فَهُوَ مبدع وَكَذَا فِي بعض النّسخ مبدع. قَوْله: والبارىء والخالق، قَالَ الطَّيِّبِيّ: قيل: الْخَالِق البارىء المصور أَلْفَاظ مترادفة وَهُوَ وهم لِأَن الْخَالِق من الْخلق وَأَصله التَّقْدِير الْمُسْتَقيم، والبارىء مَأْخُوذ من الْبُرْء وَأَصله خلوص الشَّيْء عَن غَيره، إِمَّا على سَبِيل التَّقَصِّي مِنْهُ وَعَلِيهِ قَوْلهم برىء من مَرضه، وَإِمَّا على سَبِيل الْإِنْشَاء مِنْهُ، وَمِنْه: برأَ الله النَّسمَة وَهُوَ البارىء لَهَا، وَقيل: البارىء هُوَ الَّذِي خلق الْخلق بَرِيئًا من التَّفَاوُت والتنافر. قَوْله: البارىء ويروى: البادىء، وَقيل لبَعْضهِم: البارىء بالراء، وَلأبي ذَر وَالْأَكْثَر: البادىء بِالدَّال بدل الرَّاء والهمز ثَابت فيهمَا، وَزعم بعض من عاصرناه من الشُّرَّاح أَن الصَّوَاب بالراء وَرِوَايَة الدَّال وهم، ورد عَلَيْهِ بَعضهم بِأَنَّهُ وَقع فِي بعض طرق الْأَسْمَاء الْحسنى: المبدىء، وَفِي سُورَة العنكبوت {أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىءُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} ثمَّ قَالَ: {قُلْ سِيرُواْ فِى الَاْرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِىءُ النَّشْأَةَ الَاْخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} فاسم الْفَاعِل من الأول مبدىء وَمن الثَّانِي بادىء. انْتهى. قلت: فِي هَذَا الرَّد نظر لَا يخفى.
-
مِنَ البَدْو بادِئَةٍ
أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا ذكر آنِفا من قَوْله: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا وَقَالَ ياأَبَتِ هَاذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبِّى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} أَي: من الْبَادِيَة. وَقد ذَكرْنَاهُ.