- (باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد)

١٥ فقرة، ج ٤ ص ٢٣٣

  1. أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِبَاحَة ربط الْأَسير أَو الْغَرِيم فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ القَاضِي شُرَيْح يَأْمر بربط الْغَرِيم فِي سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد. قَوْله: (الْأَسير) ، فعيل بِمَعْنى مفعول، قَالَ الْجَوْهَرِي: أسره أَي: شده بالإسار، وَهُوَ الْقد، وَمِنْه سمي الْأَسير. وَكَانُوا يشدونه بالقد فَسُمي كل أخيذ أَسِيرًا، وَإِن لم يشد بِهِ، والغريم هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الدّين، وَقد يكون الْغَرِيم لَهُ الدّين، وَالْمرَاد هُنَا الأول. قَوْله: (يرْبط) ، جملَة وَقعت حَالا من كل وَاحِد من: الْأَسير والغريم، بِتَقْدِير جملَة أُخْرَى نَحْوهَا للمطعوف عَلَيْهِ، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين بِكَلِمَة: أَو الَّتِي للتنويع، وَفِي رِوَايَة ابْن السكن وَغَيره: والغريم، بواو الْعَطف.

    ج ٤ ص ٢٣٣
  2. ١٦٤١٢١ - ح دّثنا إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ أخبرنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ شُعْبَةَ عنْ محَمَّدٍ بنِ زِيادٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عنِ النَّبيِّ قَالَ إنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الجنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ أوْ كَلِمَةً نحْوَها لِيقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنهُ فَأَرَدْتُ إِنْ أرْبِطَهُ إِلَى سارِية مِنْ سَوَارِي المسْجدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدي قَالَ رَوْحٌ فرَدَّهُ خاسِئاً. (الحَدِيث ١٦٤ أَطْرَافه فِي: ٠١٢١، ٤٨٢٣، ٣٢٤٣، ٨٠٨٤) .

  3. ١١

    - ٥٠ وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (الْأَسير) ، ظَاهر، وَأما فِي قَوْله: (والغريم) فبالقياس عَلَيْهِ، لِأَن الْغَرِيم مثل الْأَسير فِي يَد صَاحب الدّين.

  4. ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ ابْن رَاهَوَيْه، تقدم فِي كتاب الْعلم. الثَّانِي: روح، بِفَتْح الرَّاء: ابْن عبَادَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وخفة الْبَاء الْمُوَحدَة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن جَعْفَر الْمَشْهُور بغندر. الرَّابِع: شُعْبَة بن الْحجَّاج. الْخَامِس: مُحَمَّد بن زِيَاد، بِكَسْر الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف، تقدم ذكره فِي بَاب غسل الأعقاب. السَّادِس: أَبُو هُرَيْرَة رَضِي اتعالى عَنهُ.

  5. ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة إِسْحَاق عَن شيخين. وَفِيه: القَوْل بَينه وَبَينهمَا. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري.

  6. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أَيْضا، وَفِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، عَن مُحَمَّد بن بشار أَيْضا، وَفِي صفة إِبْلِيس عَن مَحْمُود وَمُحَمّد فرقهما، كِلَاهُمَا عَن شَبابَة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق بن مَنْصُور، وَعَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن غنْدر عَن بنْدَار.

  7. ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه قَوْله: (إِن عفريتا) قَالَ ابْن الْحَاجِب: وَزنه: فعليت وَفِي (الْمُحكم) : رجل عفر وعفرية وعفاريت وعفريت، بيّن العفارة: خَبِيث مُنكر. وَقَالَ الزّجاج: العفريت النَّافِذ فِي الْأَمر المبالغ فِيهِ، من: خبث ودهاء، وَقد تعفرت. وَفِي (الْجَامِع) : والشيطان عفريت وعفرية وهم العفاريت والعفارية، وَفِي الْقُرْآن: {قَالَ عفريت من الْجِنّ} (النَّمْل: ٩٣) وَقَرَأَ بعض الْقِرَاءَة: قَالَ عفرية من الْجِنّ، قَالَ الْجَوْهَرِي: إِذا سكنت الْبَاء صيرت الْهَاء تَاء، وَإِذا حركتها فالتاء هَاء فِي الْوَقْف. قَوْله: (من الْجِنّ) ، قَالَ ابْن

    ج ٤ ص ٢٣٤سَيّده: الْجِنّ نوع من الْعَالم، وَالْجمع: جنان، وهم: الْجنَّة، والجني مَنْسُوب إِلَى الْجِنّ، وَالْجنَّة طائف من الْجِنّ، والمجنة الْجِنّ، وَأَرْض مجنة: كَثِيرَة الْجِنّ، والجان: أَبُو الْجِنّ، والجان: الْجِنّ، وَهُوَ اسْم جمع.

  8. وَاعْلَم أَن الْمَوْجُود الْمُمكن الَّذِي لَيْسَ بمتحيز وَلَا صفة للمتحيز هم الْأَرْوَاح، وَهِي: إِمَّا سفلية وَإِمَّا علوِيَّة. فالسفلية: إِمَّا خيرة وهم: صالحو الْجِنّ، أَو شريرة وهم مَرَدَة الشَّيَاطِين. والعلوية: إِمَّا مُتَعَلقَة بالأجسام: وَهِي الْأَرْوَاح الفلكية، أَو غير مُتَعَلقَة بالأجسام: وَهِي الْأَرْوَاح المقدسة. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الْجِنّ خلاف الْإِنْس، يُقَال: جنه اللَّيْل وأجنه وجن عَلَيْهِ وغطاه فِي معنى وَاحِد: إِذا ستره، وكل شَيْء استتر فقد جن عَنْك، وَبِه سميت الْجِنّ، وَقَالَ ابْن عقيل: إِنَّمَا سمي الْجِنّ جناً لاستجنانهم واستتارهم عَن الْعُيُون، وَمِنْه سمي الْجَنِين جَنِينا.

  9. قَوْله: (تفلت) ، بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد اللَّام: أَي تعرض لي فلتة أَي بَغْتَة. وَفِي (الْمُحكم) : أفلت الشَّيْء إِذا أَخذه بَغْتَة فِي سرعَة، و: كَانَ ذَلِك فلتة أَي: فَجْأَة، وَالْجمع: فلتات، لَا يُجَاوز بهَا جمع السلامية، والفلتة الْأَمر يَقع من غير إحكام. وَفِي (الْمُنْتَهى) : تفلت علينا وإلينا. وَفِي (الصِّحَاح) : أفلت الشَّيْء يفلت وانفلت بِمَعْنى، وأفلته غَيره. قَوْله: (البارحة) ، هِيَ أقرب لَيْلَة مَضَت. وَفِي (الْمُنْتَهى) : كل زائل بارح، وَمِنْه سميت البارحة أدنى لَيْلَة زَالَت عَنْك، تَقول: لَقيته البارحة، والبارحة الأولى، ومنذ ثَلَاث لَيَال. وَفِي (الْمُحكم) : البارحة هِيَ اللَّيْلَة الخالية وَلَا تحقر، وَقَالَ قَاسم فِي (كتاب الدَّلَائِل) : يُقَال: بارحة الأولى يُضَاف الِاسْم إِلَى الصّفة، كَمَا يُقَال: مَسْجِد الْجَامِع، وَمِنْه الحَدِيث: (كَانَت لي شَاة فَعدا عَلَيْهَا الذِّئْب بارحة الأولى) . وانتصابها على الظَّرْفِيَّة. قَوْله: (أَو كلمة نَحْوهَا) أَي: أَو قَالَ كلمة، نَحْو: تفلت عَليّ البارحة، مثل قَوْله فِي رِوَايَة أُخْرَى للْبُخَارِيّ: (عرض لي فَشد عَليّ) ، وَوَقع فِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق: (عرض لي فِي صُورَة هر) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء: (جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي) . قَوْله: (إِلَى سَارِيَة) وَهِي الأسطوانة. قَوْله: (حَتَّى تصبحوا) ، أَي: حَتَّى تدْخلُوا فِي الصَّباح، وَهِي تَامَّة لَا تحْتَاج إِلَى خبر. قَوْله: (كلكُمْ) ، بِالرَّفْع تَأْكِيد للضمير الْمَرْفُوع. قَوْله: (رب اغْفِر لي وهب لي) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي بَقِيَّة الرِّوَايَات هُنَا: (رب هَب لي) ، قَالَ الْكرْمَانِي: وَلَعَلَّه ذكره على قصد الاقتباس من الْقُرْآن، لَا على قصد أَنه قُرْآن. انْتهى. وَوَقع فِي رِوَايَة مُسلم، كَمَا فِي رِوَايَة أبي ذَر: والأخوة بَين سُلَيْمَان وَبَين سيدنَا مُحَمَّد بِحَسب أصُول الدّين أَو بِحَسب الْمُمَاثلَة فِي الدّين. قَوْله: (قَالَ روح فَرده خاسئاً) أَي: قَالَ روح بن عبَادَة الْمَذْكُور فِي سَنَد الحَدِيث، فَرده النَّبِي، أَي: العفريت، حَال كَونه خاسئاً أَي: مطروداً. وَفِي (الْمُحكم) : الخاسىء من الْكلاب والخنازير وَالشَّيَاطِين: الْبعيد الَّذِي لَا يتْرك أَن يدنو من النَّاس، وخسأ الْكَلْب يخسأ خسأً وخسوءاً فخسأ وانخسأ، وَيُقَال: اخْسَأْ إِلَيْك واخسأ عني. وَفِي (الصِّحَاح) : خسأت الْكَلْب طردته، وخسأ الْكَلْب نَفسه، يتعدي وَلَا يتَعَدَّى، وَيكون الخاسىء بِمَعْنى: الصاغر الذَّلِيل، ثمَّ إِن قَوْله هَذَا بِحَسب الظَّاهِر يدل على أَن هَذِه الزِّيَادَة فِي رِوَايَة روح دون رَفِيقه مُحَمَّد بن جَعْفَر، وَلَكِن البُخَارِيّ روى فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن مُحَمَّد بن بشار عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر وَحده، فَزَاد فِي آخِره أَيْضا: (فرددته خاسئاً) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَرده اخاسئاً) ، فعل هَذَا دلّ على أَن قَوْله: قَالَ روح، دَاخل تَحت الْإِسْنَاد، وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن قَول الْكرْمَانِي. فَإِن قلت: هَذَا تَعْلِيق للْبُخَارِيّ مِنْهُ، أَو هُوَ دَاخل تَحت الْإِسْنَاد السَّابِق.

  10. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ من الْفَوَائِد الأولى: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن رُؤْيَة الْجِنّ الْبشر غير مستحيلة، وَالْجِنّ أجسام لَطِيفَة والجسم، وَإِن لطف فدركه غير مُمْتَنع أصلا، وَأما قَوْله تَعَالَى: {إِنَّه يراكم هُوَ وقبيله من حَيْثُ لَا ترونهم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) فَإِن ذَلِك حكم الْأَعَمّ الْأَغْلَب من أَحْوَال بني آدم، امتحنهم ابذلك وابتلاهم ليفزعوا إِلَيْهِ ويستعيذوا بِهِ من شرهم، وَيطْلبُونَ الْأمان من غائلتهم، وَلَا يُنكر أَن يكون حكم الْخَاص والنادر من المصطفين من عباده بِخِلَاف ذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّأْوِيل، إِذْ لَيْسَ فِي الْآيَة مَا يَنْفِي رؤيتنا إيَّاهُم مُطلقًا، إِذْ الْمُسْتَفَاد مِنْهَا أَن رُؤْيَته إيانا مُقَيّدَة من هَذِه الْحَيْثِيَّة، فَلَا نراهم فِي زمَان رُؤْيَتهمْ لنا قطّ، وَيجوز رؤيتنا لَهُم فِي غير ذَلِك الْوَقْت.

  11. الثَّانِيَة: فِيهِ دَلِيل على أَن الْجِنّ لَيْسُوا باقين على عنصرهم الناري، وَلِأَنَّهُ، قَالَ: (إِن عَدو اإبليس جَاءَ بشهاب من نَار ليجعله فِي وَجْهي) . وَقَالَ: (رَأَيْت لَيْلَة أسرِي بِي عفريتاً من الْجِنّ يطلبني بشعلة من نَار كلما الْتفت إِلَيْهِ رَأَيْته) . وَلَو كَانُوا باقين على عنصرهم الناري، وَأَنَّهُمْ نَار محرقة، لما احتاجوا إِلَى أَن يَأْتِي الشَّيْطَان أَو العفريت مِنْهُم بشعلة من نَار، ولكانت يَد الشَّيْطَان أَو العفريت أَو شَيْء من أَعْضَائِهِ إِذا مس ابْن آدم أحرقه، كَمَا تحرق الْآدَمِيّ النارُ الْحَقِيقِيَّة بِمُجَرَّد اللَّمْس، فَدلَّ على أَن تِلْكَ النارية انغمرت فِي سَائِر العناصر

    ج ٤ ص ٢٣٥حَتَّى صَار إِلَى الْبرد وَيُؤَيّد ذَلِك قَوْله: (حَتَّى وجدت برد لِسَانه على يَدي) ، وَفِي رِوَايَة: (برد لعابه) .

  12. الثَّالِثَة: فِيهِ دَلِيل على أَن أَصْحَاب سُلَيْمَان كَانُوا يرَوْنَ الْجِنّ، وَهُوَ من دَلَائِل نبوته، وَلَوْلَا مشاهدتهم إيَّاهُم لم تكن تقوم الْحجَّة لَهُ لمكانته عَلَيْهِم.

  13. الرَّابِعَة: قَالَ ابْن بطال: رُؤْيَته للعفريت هُوَ مِمَّا خص بِهِ، كَمَا خص بِرُؤْيَة الْمَلَائِكَة. وَقد أخبر أَن جِبْرِيل لَهُ سِتّمائَة جنَاح، وَرَأى النَّبِي الشَّيْطَان فِي هَذِه اللَّيْلَة، وأقدره اعليه لتجسمه، لِأَن الْأَجْسَام مُمكن الْقُدْرَة عَلَيْهَا، وَلكنه ألْقى فِي روعه مَا وهب سُلَيْمَان فَلم ينفذ مَا قوي عَلَيْهِ من حَبسه، رَغْبَة عَمَّا أَرَادَ سُلَيْمَان الِانْفِرَاد بِهِ، وحرصاً على إِجَابَة اتعالى دَعوته. وَأما غير النَّبِي من النَّاس فَلَا يُمكن مِنْهُ وَلَا يرى أحد الشَّيْطَان على صورته غَيره لقَوْله تَعَالَى: {إِنَّه يراكم} (الْأَعْرَاف: ٧٢) الْآيَة، لكنه يرَاهُ سَائِر النَّاس إِذا تشكل فِي غير شكله، كَمَا تشكل الَّذِي طعنه الْأنْصَارِيّ حِين وجده فِي بَيته على صُورَة حَيَّة، فَقتله فَمَاتَ الرجل بِهِ، فَبين النَّبِي ذَلِك بقوله: (إِن بِالْمَدِينَةِ جناً قد أَسْلمُوا، فَإِذا رَأَيْتُمْ من هَذِه الْهَوَام شَيْئا فاذنوه ثَلَاثًا، فَإِن بدا لكم فَاقْتُلُوهُ) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة، من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ.

  14. ثمَّ اعْلَم أَن الْجِنّ يتصورون فِي صور شَتَّى، ويتشكلون فِي صور الْإِنْسَان والبهائم والحيات والعقارب وَالْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير، وَفِي صُورَة الطُّيُور. وَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: وَلَا قدرَة للشَّيْطَان على تَغْيِير خلقتهمْ والانتقال فِي الصُّور، إِنَّمَا يجوز أَن يعلمهُمْ اكلمات وَضَربا من ضروب الْأَفْعَال إِذا فعله وَتكلم بِهِ نَقله امن صُورَة إِلَى صُورَة أُخْرَى، وَأما أَن يتَصَوَّر بِنَفسِهِ فَذَلِك محَال، لِأَن انتقالها من صُورَة إِلَى صُورَة إِنَّمَا يكون بِنَقْض البنية وتفريق الْأَجْزَاء، وَإِذا انتقضت بطلت الْحَيَاة، وَالْقَوْل فِي تشكل الْمَلَائِكَة كَذَلِك.

  15. الْخَامِسَة: فِيهِ دَلِيل على إِبَاحَة ربط الْأَسير فِي الْمَسْجِد، وعل هَذَا بوب البُخَارِيّ الْبَاب، وَمن هَذَا قَالَ الْمُهلب: إِن فِي الحَدِيث جَوَاز ربط من خشِي هروبه بِحَق عَلَيْهِ أَو دين، والتوثق مِنْهُ فِي الْمَسْجِد أَو غَيره. فَإِن قلت: قَوْله: (وَأَرَدْت أَن أربطه) ، مَا وَجهه وَهُوَ فِي الصَّلَاة؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون ربطه بعد تَمام الصَّلَاة، أَو يربطه بِوَجْه كَانَ شغلاً يَسِيرا فَلَا تفْسد بِهِ الصَّلَاة.