باب في الرخصة
١٧٩ فقرة، ج ٦ ص ٣٥٦
الصفحة ٤ من ٥
- ج ٦ ص ٣٦٤
الثَّانِي أَنَّ ذِكْر الْحِجَامَة فِيهِ لَيْسَ مِنْ كلام النبي
-
قال بن خُزَيْمَة الصَّحِيح أَنَّ ذِكْرَ الْحِجَامَة فِيهِ مِنْ كَلَام أَبِي سَعِيد وَلَكِنَّ بَعْض الرُّوَاة أَدْرَجَهُ فِيهِ
-
الثَّالِث أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَان لِلتَّارِيخِ وَلَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْخِيص كَانَ بَعْد الْفَتْح وَقَوْلكُمْ إِنَّ الرُّخْصَة لَا تَكُون إِلَّا بَعْد النَّهْي بَاطِل بِنَفْسِ الْحَدِيث فَإِنَّ فيه رخص رسول الله فِي الْقُبْلَة لِلصَّائِمِ وَلَمْ يَتَقَدَّم مِنْهُ نَهْيٌ عَنْهَا
-
وَلَا قَالَ أَحَد إِنَّ هَذَا التَّرْخِيص فِيهَا نَاسِخ لِمَنْعٍ تَقَدَّمَ
-
وَفِي الْحَدِيث إِنَّ الْمَاء مِنْ الْمَاء
-
كَانَتْ رُخْصَة فِي أَوَّل الْإِسْلَام فَسَمَّى الْحُكْم الْمَنْسُوخ رُخْصَة مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم حَظْره بَلْ الْمَنْع مِنْهُ مُتَأَخِّر
-
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمَآخِذ لَا تُعَدّ مُقَاوِمَة لِأَحَادِيث الْفِطْر وَلَا تَأَخَّرَتْ عَنْهَا فَكَيْف تُنْسَخ بِهَا قَالُوا وَأَمَّا جَوَابكُمْ الثَّالِث بِأَنَّ الْفِطْر فِيهَا لَمْ يَكُنْ لِلْحِجَامَةِ وَذِكْرُ الْحَاجِم لِلتَّعْرِيفِ الْمَحْض كَزَيْدٍ وَعُمَر فِي غَايَة الْبُطْلَان مِنْ وُجُوه أَحَدهَا أَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّن الْإِبْهَام وَالتَّلْبِيس بِأَنْ يَذْكُر وَصْفًا يُرَتِّب عَلَيْهِ الْحُكْم وَلَا يَكُون لَهُ فِيهِ تَأْثِير الْبَتَّة
-
الثَّانِي أَنَّ هَذَا يُبْطِل عَامَّة أَحْكَام الشَّرْع الَّتِي رَتَّبَهَا عَلَى الْأَوْصَاف إِذَا تَطَرَّقَ إِلَيْهَا هَذَا الْخَيَال وَالْوَهْم الْفَاسِد كَقَوْلِهِ تَعَالَى {الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا} {وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} {وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة} وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَيْسَ بِأَيْدِينَا إِلَّا أوصاف رتبت عليها الأحكام
-
فإن جار أَنْ تَكُون تِلْكَ الْأَوْصَاف لِلتَّعْرِيفِ لَا لِلتَّعْلِيلِ بَطَلَتْ الْأَحْكَام
-
الثَّالِث أَنَّهُ لَا يَفْهَم قَطّ أَحَد لَا مِنْ الْخَاصَّة وَالْعَامَّة مِنْ قَوْل القائل القاتل لا يرث والعبد لا يرث والكافر لا يرث والقاذف لا تقبل شهادته والمحدث لَا تَصِحّ صَلَاته وَأَمْثَال ذَلِكَ إِلَّا تَعَلُّق الأحكام تلك الْأَوْصَاف وَلِهَذَا لَا يَحْسُن ذِكْرُ وَصْفٍ لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْحُكْم كَمَا لَوْ قَالَ أَفْطَرَ الْخَيَّاط وَالْمَخِيط لَهُ وَأَفْطَرَ الْحَامِل وَالْمَحْمُول لَهُ وَأَفْطَرَ الشَّاهِد وَالْمَشْهُود لَهُ وَمَنْ قَالَ هَذَا عُدَّ كَلَامُهُ سُخْفًا وَتَعَجَّبَ النَّاس مِنْ قَوْله فَكَيْف يُضَاف ذَلِكَ إِلَى الشَّارِع سُبْحَانك هَذَا بُهْتَان عَظِيم
-
الرَّابِع أَنَّ هَذَا قَدْحٌ فِي أَفْهَام الصَّحَابَة الَّذِينَ هُمْ أَعْرَف النَّاس وَأَفْهَم النَّاس بِمُرَادِ نَبِيّهمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَقْصُودِهِ مِنْ كَلَامه وَقَدْ قَالَ أَبُو مُوسَى لِرَجُلٍ قَالَ لَهُ أَلَا تَحْتَجِم نَهَارًا أَتَأْمُرُنِي أَنْ أُهْرِيقَ دَمِي وَأَنَا صَائِم وَقَدْ سمعت رسول الله يَقُول أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم وَاَلَّذِينَ فَطَّرُوا بِذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَة كَعَلِيٍّ وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرهمْ إِنَّمَا يَحْتَجُّونَ بِالْحَدِيثِ وَكَانَ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة لَا يَحْتَجِمُونَ فِي الصِّيَام إِلَّا لَيْلًا مِنْهُمْ عَبْد الله بن عمرو وبن عَبَّاس وَأَبُو مُوسَى وَأَنَس وَيَحْتَجُّونَ بِالْحَدِيثِ
ج ٦ ص ٣٦٥. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
الْخَامِس أَنَّ هَذَا يَتَضَمَّن تَعْلِيق الْحُكْم وَهُوَ الْفِطْر بِوَصْفٍ لَا ذِكْرَ لَهُ فِي الْحَدِيث أَصْلًا وَإِبْطَال تَعْلِيقه بِالْوَصْفِ الَّذِي عَلَّقَهُ بِهِ الشَّارِع وَهَذَا مِنْ أَبْطَلَ الْبَاطِل
-
السَّادِس أَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ وَحَاشَا لِلَّهِ فِي قَوْله أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم فَكَيْف يَصِحّ ذَلِكَ فِي حَدِيث أَنَس الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ عُمْدَتكُمْ فِي الْبَاب وَهُوَ قَوْله لِجَعْفَرٍ وَقَدْ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يَحْتَجِم أَفْطَرَ هَذَانِ ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَة بَعْد وَفِي قَوْله نَهَى عَنْ الْحِجَامَة وَلَمْ يُحَرِّمهَا
-
السَّابِع أَنَّهُ كَيْف يَتَّفِق بِضْعَة عَشَر صَحَابِيًّا عَلَى رِوَايَة أَحَادِيث كُلّهَا مُتَّفِقَة بِلَفْظِ واحد ويكون النبي قَدْ ذَكَر الْحِجَامَة فِيهَا وَلَا تَأْثِير لَهَا فِي الْفِطْر وَكُلّهمْ يَقُول أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم الثَّامِن أَنَّهُ كَيْف يَجُوز لِلصَّحَابَةِ أَنَّ يُفْتُوا بِذَلِكَ وَيَقُولُوا أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم أَفَتَرَى اِسْتَمَرَّ التَّعْرِيف بِذَلِكَ دَائِمًا وَدَفَعَ الْأَحَادِيث مَتَى وَصَلَ إِلَى هَذَا الْحَدّ سَاءَ وَقَبُحَ جِدًّا التَّاسِع أَنَّا نَقُول نَعَمْ هُوَ لِلتَّعْرِيفِ بِلَا شَكٍّ فَإِنَّ أَحْكَام الشَّارِع إِنَّمَا تُعْرَف بِالْأَوْصَافِ وَتُرْبَط بِهَا وَتَعُمّ الْأُمَّة لِأَجْلِهَا فَالْوَصْف فِي الْحَدِيث الْمَذْكُور لِتَعْرِيفِ حُكْمه وَأَنَّهُ مُرْتَبِط بِهَذَا الْوَصْف مَنُوط بِهِ
-
الْعَاشِر أَنَّ صَاحِب الْقِصَّة الَّتِي جرت له قال مر على النبي وَأَنَا أَحْتَجِم فَقَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم فَلَوْ كَانَ فِطْره بِغَيْرِ ذَلِكَ لَبَيَّنَهُ لَهُ الشَّارِع لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ وَلَمْ يَخْفَ عُلَى الصَّحَابِيّ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَذِكْره الْحِجَامَة مَعْنَى
-
وَتَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْحَاجَة لَا يَجُوز فَكَيْف يَتْرُك الشَّارِع بَيَان الْوَصْف الْمُفْطِر فَلَا يُبَيِّنُهُ لِلْمُكَلَّفِ وَيَذْكُر لَهُ وَصْفًا لَا يُفْطِر بِحَالٍ وَأَمَّا قَوْلهمْ إِنَّ الْفِطْر بِالْغِيبَةِ
-
فَهَذَا بَاطِل مِنْ وُجُوه أَحَدهَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُت وَإِنَّمَا جَاءَ فِي حَدِيث وَاحِد مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيث وَهُمَا يَغْتَابَانِ النَّاس مَعَ أَنَّهَا زِيَادَة بَاطِلَة
-
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ الْأَخْذ لِعُمُومِ اللَّفْظ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الْحُكْم دُون الْغِيبَة الَّتِي لَمْ يُعَلِّق بِهَا الْحُكْم
-
الثَّالِث أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ صَحِيحًا لَكَانَ مُوجِب الْبَيَان أَنْ يَقُول أَفْطَر الْمُغْتَابَانِ عَلَى عَادَتِهِ وَعَرَّفَهُ مِنْ ذِكْر الْأَوْصَاف الْمُؤَثِّرَة دُون غَيْرهَا فَكَيْف يَعْدِل عَنْ الْغِيبَة الْمُؤَثِّرَة إِلَى الْحِجَامَة الْمُهْدَرَة الرَّابِع أَنَّ هَذَا يَتَضَمَّن حَمْل الْحَدِيث عَلَى خِلَاف الْإِجْمَاع وَتَعْطِيله فَإِنَّ الْمُنَازِع لَا يَقُول بِأَنَّ الْغِيبَة تُفْطِر فَكَيْف نَحْمِل الْحَدِيث عَلَى مَا نَعْتَقِد بُطْلَانه الْخَامِس أَنَّ سِيَاق الْأَحَادِيث يُبْطِل هَذَا التَّأْوِيل كَمَا تَقَدَّمَ
ج ٦ ص ٣٦٦. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
السَّادِس أَنَّ مَعْقِل بْن سِنَان قَالَ مَرَّ بي رسول الله وَأَنَا أَحْتَجِم فَقَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم وَلَمْ يَكُنْ يَغْتَاب أَحَدًا وَلَا جَرَى لِلْغِيبَةِ ذِكْرٌ أَصْلًا
-
قَالُوا وَأَمَّا الْجَوَاب الْوَاقِع بِأَنَّ أَفْطَر بِمَعْنَى سَيُفْطِرُ فَفَاسِد أَيْضًا لِتَضَمُّنِهِ الْإِيهَام بِخِلَافِ الْمُرَاد وَلِفَهْمِ الصَّحَابَة خِلَافه وَلِاضْطِرَاد هَذَا اللَّفْظ دُون مَجِيئُهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ وَلِشِدَّةِ مُخَالَفَته لِلْوَضْعِ وَلِذِكْرِ الْمَحْجُوم فَإِنَّهُ وَإِنْ تَعَرَّضَ الْمَحْجُوم لِلْفِطْرِ بِالضَّعْفِ فَأَيّ ضَعْف لَحِقَ الْحَاجِم وَكَوْن الْحَاجِم مُتَعَرِّضًا لِابْتِلَاعِ الدَّم وَالْمَحْجُوم مُتَعَرِّضًا لِلضَّعْفِ هَذَا التَّعْلِيل لَا يُبْطِل الْفِطْر بِالْحِجَامَةِ بَلْ هو مقرر للفطر بِهَا وَإِلَّا فَلَا يَجُوز اِسْتِنْبَاط وَصْف مِنْ النَّصّ يَعُود عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ بَلْ هَذَا الْوَصْف إِنْ كَانَ لَهُ تَأْثِير فِي الْفِطْر وَإِلَّا فَالتَّعْلِيل بِهِ بَاطِل
-
قَالُوا وَأَمَّا الْجَوَاب الْخَامِس أن النبي مَرَّ بِهِمَا مَسَاء
-
فَقَالَ ذَلِكَ فَمِمَّا لَا يَجُوز أَنْ يُحْمَل الْحَدِيث عَلَيْهِ وَأَيّ تَأْثِير لِلْحِجَامَةِ بَلْ كُلّ النَّاس قَدْ أَفْطَرُوا أَيْضًا فَهَذَا كَذِبٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا فَقَائِله مُخْبِر بِالْكَذِبِ
-
وَأَيْضًا فَأَيّ حَاجَة إِلَى قَوْل أَنْسَ ثُمَّ رَخَّصَ بَعْدُ فِي الْحِجَامَة وَأَيْضًا فَأَيّ حَاجَة بِالصَّحَابَةِ أَنْ يُؤَخِّرُوا اِحْتِجَامهمْ إِلَى اللَّيْل وَكَيْف يُفْتُونَ الْأُمَّة بِفِطْرِهِمْ بِأَمْرٍ قَدْ فُعِلَ مَسَاء لَا تَأْثِير لَهُ فِي الْفِطْر وَالْحَمْد لِلَّهِ عَلَى الْمُعَافَاة مِنْ رَدِّ الْأَحَادِيث بِمِثْلِ هَذَا الْخَيَالَات وَأَمَّا جَوَابكُمْ السَّادِس أَنَّ هَذَا تَغْلِيظ وَدُعَاء عَلَيْهِمَا لَا أَنَّهُ حُكْم شَرْعِيٌّ فَالْمُجِيب بِهِ كَالْمُسْتَجِيرِ مِنْ الرَّمْضَاء بِالنَّارِ فَإِنَّهُمَا لَمْ يَفْعَلَا مُحَرَّمًا عِنْدكُمْ وَلَا مُفْطِرًا بَلْ فَعَلَا مَا أَبَاحَهُ لَهُمَا الشَّارِع عِنْدكُمْ فَكَيْف يُغَلِّظ عَلَيْهِمَا وَيَدْعُو عَلَيْهِمَا وَمَتَى عُهِدَ فِي عُرْف الشَّارِع الدُّعَاء عَلَى الْمُكَلَّف بِالْفِطْرِ وَفَسَاد الْعِبَادَة وَسَائِر الْوُجُوه الْمُتَقَدِّمَة تُبْطِل هَذَا أَيْضًا
-
وَأَمَّا جَوَابكُمْ السَّابِع بِأَنَّ الْمُرَاد إِبْطَال أَجْر صَوْمهمَا فَكَذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّكُمْ لَا تُبْطِلُونَ أَجْرهمَا بِذَلِكَ وَلَا تُحَرِّمُونَ الْحِجَامَة ثُمَّ لَوْ كَانَ الْمُرَاد إِبْطَال الْأَجْر لَكَانَ ذَلِكَ مُقَرِّرًا لِفَسَادِ الصَّوْم لَا لِصِحَّتِهِ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ أَمْر يَتَضَمَّن بُطْلَان أَجْرهمَا لُزُومًا وَاسْتِنْبَاطًا وَبُطْلَان صَوْمهمَا صَرِيحًا وَنَصًّا فَكَيْف يُعَطَّل مَا دَلَّ عَلَيْهِ صريحه ويعتبر ما استنبطه منه مع أنه لَا مُنَافَاة بَيْنه وَبَيْن الصَّرِيح بَلْ الْمَعْنَيَانِ حَقّ قَدْ بَطَل صَوْمهمَا وَأَجْرهمَا إِذَا كَانَتْ الْحِجَامَة لِغَيْرِ مَرَضٍ
-
وَأَمَّا جَوَابكُمْ الثَّامِن أَنَّ الْأَحَادِيث لَوْ قُدِّرَ تَعَارُضهَا لَكَانَ الْأَخْذ بِأَحَادِيث الرُّخْصَة أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهَا الْقِيَاس فَجَوَابه أَوَّلًا أَنَّ الْأَحَادِيث بِحَمْدِ اللَّه لَيْسَتْ مُتَعَارِضَة وَقَدْ بَيَّنَا أَنَّهُ لَا مُعَارِض لِأَحَادِيث الْمَنْع
ج ٦ ص ٣٦٧. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
وَيُقَال ثَانِيًا لَوْ قُدِّرَ تَعَارُضهَا فَالْأَخْذ بِأَحَادِيث الْفِطْر مُتَعَيَّن لِأَنَّهَا نَاقِلَة عَنْ الْأَصْل وَأَحَادِيث الْإِبَاحَة مُوَافِقَة لِمَا كَانَ الْأَمْر عَلَيْهِ قَبْل جَعْلهَا مُفْطِرَة وَالنَّاقِل مُقَدَّم عَلَى الْمُبْقِي
-
وَيُقَال ثَالِثًا لَيْسَ فِي أَحَادِيث الرُّخْصَة لَفْظ صَرِيح وَإِنَّمَا غَايَتهَا أَنْ تَكُون فِعْلًا مُحْتَمِلًا لِلْوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فَكَيْف تُقَدَّم عَلَى الْقَوْل الصَّرِيح وَيُقَال رَابِعًا أَحَادِيث الْفِطْر صَرِيحَة مُتَعَدِّدَة الطُّرُق رواها عن النبي أَرْبَعَة عَشْر نَفْسًا وَسَاقَ الْإِمَام أَحْمَد أَحَادِيثهمْ كُلّهَا وَهُمْ رَافِع بْن خَدِيج وَثَوْبَان وَشَدَّاد بْن أَوْس وَأَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَبِلَال وَأُسَامَة بْن زَيْد وَمَعْقِل بْن سِنَان وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَأَبُو زيد الأنصاري وأبو موسى الأشعري وبن عباس وبن عُمَر فَكَيْف يُقَدَّم عَلَيْهَا أَحَادِيث هِيَ بَيْن أَمْرَيْنِ صَحِيح لَا دَلَالَة فِيهِ أَوْ مَا فِيهِ دَلَالَة وَلَكِنْ هُوَ غَيْر صَحِيح وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْكَلَام عَلَى الْأَحَادِيث وَبَيَّنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا حَدِيث وَاحِد يَصْلُح لِلْمُعَارَضَةِ
-
وَعَلَى هَذَا فَالْقِيَاس الَّذِي أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ فَاسِد الِاعْتِبَار
-
ثُمَّ نَقُول بَلْ الْقِيَاس مِنْ جَانِبنَا لِأَنَّ الشَّارِع عَلَّقَ الْفِطْر بِإِدْخَالِ مَا فِيهِ قِوَام الْبَدَن مِنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب وَبِإِخْرَاجِهِ
-
مِنْ الْقَيْء وَاسْتِفْرَاغ الْمَنِيّ وَجَعَلَ الْحَيْض مَانِعًا مِنْ الصَّوْم لِمَا فِيهِ مِنْ خُرُوج الدَّم الْمُضْعِف لِلْبَدَنِ
-
قَالُوا فَالشَّارِع قَدْ نَهَى الصَّائِم عَنْ أَخْذ مَا يُعِينهُ وَعَنْ إِخْرَاج مَا يُضْعِفهُ وَكِلَاهُمَا مَقْصُود لَهُ لِأَنَّ الشَّارِع أَمَرَ بِالِاقْتِصَادِ فِي الْعِبَادَات وَلَا سِيَّمَا فِي الصَّوْم وَلِهَذَا أَمَرَ بِتَعْجِيلِ الْفُطُور وَتَأْخِير السُّحُور فَلَهُ قَصْد فِي حِفْظ قُوَّة الصَّائِم عَلَيْهِ كَمَا لَهُ قَصْد فِي مَنْعه مِنْ إِدْخَال الْمُفْطِرَات وَشَاهِده الْفِطْر بِالْقَيْءِ وَالْحَيْض وَالِاسْتِمْنَاء فَالْحِجَامَة كَذَلِكَ أو أَوْلَى وَلَيْسَ مَعَنَا فِي الْقَيْء مَا يُمَاثِل أَحَادِيث الْحِجَامَة فَيَكْفِ يُفْطِر بِهِ دُون الْحِجَامَة مَعَ أَنَّ الْفِطْر بِهَا أَوْلَى مِنْهُ نَصًّا وَقِيَاسًا وَاعْتِبَارًا
-
قَالُوا وَلِهَذَا فَرَّقَ بَيْن الْغَالِب مِنْهُمَا وَالْمُسْتَدْعَى فَلَا يُفْطِر إِذَا ذَرَعَهُ الْقَيْء كَمَا لَا يُفْطِر بِالرُّعَافِ وَخُرُوج الدَّم مِنْ الدمل والجرح وكما يفطر الاستقاء عَمْدًا كَذَلِكَ يُفْطِر بِإِخْرَاجِ الدَّم عَمْدًا بِالْحِجَامَةِ
-
قَالُوا وَشَاهِده أَنَّ دَم الْحَيْض لَمَّا كَانَ يَجْرِي فِي وَقْت وَيَنْقَطِع فِي وَقْت جَعَلَ الشَّارِع صَوْمهَا فِي وَقْت الطُّهْر مُغْنِيًا عَنْ صَوْمهَا وَقْت الدَّم وَلَمَّا كَانَ دَم الِاسْتِحَاضَة لَا ضَابِط لَهُ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَمِرّ جَوَّزَ لَهَا الصَّوْم مَعَ جَرَيَانه كَصَاحِبِ الرُّعَاف وَنَحْوه فَلَيْسَ الْقِيَاس إِلَّا مَعَ النُّصُوص يَدُور مَعَهَا حَيْثُ دَارَتْ