باب المشي بين القبور في النعل
٣١ فقرة، ج ٩ ص ٣٦
- ج ٩ ص ٣٦
[٣٢٣٠] (بن سمير) بالتصغير (بن نَهِيكٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ (عَنْ بَشِيرٍ) هُوَ ابْنُ الْخَصَاصِيَةِ وَهِيَ أُمُّهُ
-
قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي) أَيْ أَمْشِي مَعَهُ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ يُقَالُ تَمَاشَيَا تَمَاشِيًا أَيْ مَشَيَا مَعًا (فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا) أَيْ كَانُوا قِبَلَ الْخَيْرِ فَحَادَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْخَيْرُ وَمَا أَدْرَكُوهُ أَوْ أَنَّهُمْ سَبَقُوهُ حَتَّى جَعَلُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ (ثَلَاثًا) أَيْ قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (ثُمَّ حَانَتْ) أَيْ قَرُبَتْ وَوَقَعَتْ (يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ إِلَخْ) وَهُمَا نَعْلَانِ لَا شَعْرَ عَلَيْهِمَا
-
قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ السِّبْتِيَّةُ مِنَ النِّعَالِ مَا كَانَ مَدْبُوغًا بِالْقَرَظِ
-
قُلْتُ السِّبْتِيَّتَيْنِ بِكَسْرِ السِّينِ نِسْبَةٌ إِلَى السِّبْتِ وَهُوَ جُلُودُ الْبَقَرِ الْمَدْبُوغَةُ بِالْقَرَظِ يُتَّخَذُ مِنْهَا النِّعَالُ لِأَنَّهُ سُبِتَ شَعْرُهَا أَيْ حُلِقَ وَأُزِيلَ وَقِيلَ لِأَنَّهَا انْسَبَتْ بِالدِّبَاغِ أَيْ لَانَتْ وَأُرِيدَ بِهِمَا النَّعْلَانِ الْمُتَّخَذَانِ مِنَ السِّبْتِ وَأَمْرُهُ بِالْخَلْعِ احْتِرَامًا لِلْمَقَابِرِ عَنِ الْمَشْيِ بَيْنَهَا بِهِمَا أَوْ لِقَذَرٍ بِهِمَا أَوْ لِاخْتِيَالِهِ فِي مَشْيِهِ
-
قِيلَ وَفِي الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ الْمَشْيِ بِالنِّعَالِ بَيْنَ الْقُبُورِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى بَعْضِ الْوُجُوِهِ الْمَذْكُورَةِ قَالَهُ السِّنْدِيُّ
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
قال الحافظ شمس الدين بن القيم رحمه اللَّه وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَضَعَّفَتْ طَائِفَة حَدِيث بَشِير
-
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَوَاهُ جَمَاعَة عَنْ الْأَسْوَد بْن شَيْبَانَ وَلَا يُعْرَف إلا بهذا الإسناد وقد ثبت عَنْ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث
ج ٩ ص ٣٧وَفِي النَّيْلِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَشْيُ بَيْنَ الْقُبُورِ بِالنَّعْلَيْنِ وَلَا يَخْتَصُّ عَدَمُ الْجَوَازِ بِكَوْنِ النَّعْلَيْنِ سِبْتِيَّتَيْنِ لِعَدَمِ الفارق بينها وبين غيرها وقال بن حزم يجوز وطأ الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ الَّتِي لَيْسَتْ سِبْتِيَّةً لِحَدِيثِ إِنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ وَخَصَّ الْمَنْعَ بِالسِّبْتِيَّةِ وَجَعَلَ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ
-
وَهُوَ وَهَمٌ لِأَنَّ سَمَاعَ الْمَيِّتِ لِخَفْقِ النِّعَالِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمَشْيُ عَلَى قَبْرٍ أَوْ بَيْنَ الْقُبُورِ فَلَا مُعَارَضَةَ
-
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّ النَّهْيَ عَنِ السِّبْتِيَّةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْخُيَلَاءِ وَرُدَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُهَا انْتَهَى
-
قَالَ الْعَيْنِيُّ إِنَّمَا اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِالْخَلْعِ احْتِرَامًا لِلْمَقَابِرِ وَقِيلَ لِاخْتِيَالِهِ فِي مَشْيِهِ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ إِنَّ أَمْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَلْعِ لَا لِكَوْنِ الْمَشْيِ بَيْنَ الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ مَكْرُوهًا وَلَكِنْ لَمَّا رَأَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَذَرًا فِيهِمَا يُقَذِّرُ الْقُبُورَ أَمَرَ بِالْخَلْعِ انْتَهَى
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
-
[٣٢٣١] (وَتَوَلَّى) مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ أَيْ أَدْبَرَ وَذَهَبَ (قَرْعَ نِعَالِهِمْ) أَيْ صَوْتَهَا عِنْدَ الْمَشْيِ قَالَ
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل رَحِمَهُ اللَّه حَدِيث بَشِير إِسْنَاده جَيِّد أَذْهَب إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ علة
-
قَالَ الْمُجَوِّزُونَ
-
يُحْتَمَل أَنْ يَكُون النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بِنَعْلَيْهِ قَذَرًا فَأَمَرَهُ أَنْ يَخْلَعهُمَا وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون كَرِهَ لَهُ الْمَشْي فِيهِمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاء فَإِنَّ النِّعَال السِّبْتِيَّة مِنْ زِيّ أَهْل التَّنَعُّم وَالرَّفَاهِيَة كَمَا قَالَ عَنْتَرَة يَظَلّ كَأَنَّ ثِيَابه فِي سرجه يحذي نِعَال السَّبْت لَيْسَ بِتَوْأَمٍ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَلَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث شَيْء مِنْ ذَلِكَ
-
وَمَنْ تَدَبَّرَ نَهْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجُلُوس عَلَى الْقَبْر وَالِاتِّكَاء عَلَيْهِ وَالْوَطْء عَلَيْهِ عَلِمَ أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا كَانَ احتراما لسكانها أن يوطأ بالنعال فوق رؤوسهم وَلِهَذَا يَنْهَى عَنْ التَّغَوُّط بَيْن الْقُبُور وَأَخْبَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْجُلُوس عَلَى الْجَمْر حَتَّى تَحْرُق الثِّيَاب خَيْر مِنْ الْجُلُوس عَلَى الْقَبْر وَمَعْلُوم أَنَّ هَذَا أَخَفّ مِنْ الْمَشْي بَيْن الْقُبُور بِالنِّعَالِ
ج ٩ ص ٣٨الْخَطَّابِيُّ خَبَرُ أَنَسٍ (هَذَا) يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ النَّعْلِ لِزَائِرِ الْقُبُورِ وَلِلْمَاشِي بِحَضْرَتِهَا وَبَيْنَ ظَهْرَانَيْهَا فَأَمَّا خَبَرُ السِّبْتِيَّتَيْنِ (الَّذِي مَضَى) فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْخُيَلَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ نِعَالَ السِّبْتِ مِنْ لِبَاسِ أَهْلِ التَّنَعُّمِ وَالتَّرَفُّهِ وَأَحَبَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ الْمَقَابِرَ عَلَى زِيِّ أَهْلِ التَّوَاضُعِ وَلِبَاسِ أَهْلِ الْخُشُوعِ انْتَهَى
-
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُمَا لِمَا فِيهِمَا مِنَ الخيلاء فإنه متعقب بأن بن عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَيَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُهَا وهو حديث صحيح وأغرب بن حَزْمٍ فَقَالَ يَحْرُمُ الْمَشْيُ بَيْنَ الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ السِّبْتِيَّةِ دُونَ غَيْرِهِمَا وَهُوَ جُمُودٌ شَدِيدٌ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
-
ــ
-
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
-
وَبِالْجُمْلَةِ فَاحْتِرَام الْمَيِّت فِي قَبْره بِمَنْزِلَةِ اِحْتِرَامه في داره التي كان يسكنها في الدنيافإن الْقَبْر قَدْ صَارَ دَاره
-
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَسْر عَظْم الْمَيِّت كَكَسْرِهِ حَيًّا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اِحْتِرَامه فِي قَبْره كَاحْتِرَامِهِ فِي دَاره وَالْقُبُور هِيَ دِيَار الْمَوْتَى وَمَنَازِلهمْ وَمَحَلّ تَزَاوُرهمْ وَعَلَيْهَا تَنْزِل الرَّحْمَة مِنْ رَبّهمْ وَالْفَضْل عَلَى مُحْسِنهمْ فَهِيَ مَنَازِل الْمَرْحُومِينَ وَمَهْبِط الرَّحْمَة وَيَلْقَى بَعْضهمْ بَعْضًا عَلَى أَفْنِيَة قُبُورهمْ يَتَجَالَسُونَ وَيَتَزَاوَرُونَ كَمَا تَضَافَرَتْ بِهِ الْآثَار
-
وَمَنْ تَأَمَّلَ كِتَاب الْقُبُور لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا رَأَى فِيهِ آثَارًا كَثِيرَة فِي ذَلِكَ
-
فَكَيْف يُسْتَبْعَد أَنْ يَكُون مِنْ مَحَاسِن الشَّرِيعَة إِكْرَام هَذِهِ الْمَنَازِل عَنْ وَطْئِهَا بِالنِّعَالِ وَاحْتِرَامهَا بَلْ هَذَا مِنْ تَمَام مَحَاسِنهَا وَشَاهِده مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَطْئِهَا وَالْجُلُوس عَلَيْهَا وَالِاتِّكَاء عَلَيْهَا
-
وَأَمَّا تَضْعِيف حَدِيث بَشِير فَمِمَّا لَمْ نَعْلَم أَحَدًا طَعَنَ فِيهِ بَلْ قَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد إِسْنَاده جَيِّد
-
وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ كَانَ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان يَقُول فِيهِ حَدِيث جَيِّد وَرَجُل ثِقَة
-
وَأَمَّا مُعَارَضَته بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَيَسْمَع قَرْع نِعَالهمْ فَمُعَارَضَة فَاسِدَة فَإِنَّ هَذَا إِخْبَار مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَاقِعِ وَهُوَ سَمَاع الْمَيِّت قَرْع نِعَال الْحَيّ وَهَذَا لَا يَدُلّ عَلَى الْإِذْن فِي قَرْع الْقُبُور وَالْمَشْي بَيْنهَا بِالنِّعَالِ إِذْ الْإِخْبَار عَنْ وُقُوع الشَّيْء لَا يَدُلّ عَلَى جَوَازه وَلَا تَحْرِيمه وَلَا حُكْمه
-
فَكَيْف يُعَارَض النَّهْي الصَّرِيح بِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُوطَأ الْقُبُور وقد روى بن مَاجَهْ فِي سُنَنه عَنْ أَبِي الْخَيْر عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْ أَمْشِي عَلَى جَمْرَة أَوْ سَيْف أَوْ أَخْصِف نَعْلِي بِرِجْلِي أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْشِي عَلَى قَبْر مُسْلِم وَمَا أُبَالِي أَوَسْط الْقَبْر كَذَا قَالَ فضلت حاجتي