الحديث الثالث والخمسون
١٣ فقرة، ج ٢ ص ٢٣٧
- ج ٢ ص ٢٣٧
«أَن رجلا تَوَضَّأ وَترك لمْعَة فِي عقبه، فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك أمره النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِغسْل ذَلِك الْموضع وَلم يَأْمُرهُ بالاستئناف» .
-
هَذَا الحَدِيث لَهُ طَرِيقَانِ:
أَحدهمَا: عَن عمر رَضي اللهُ عَنهُ «أَن رجلا تَوَضَّأ فَترك مَوضِع ظفر عَلَى قدمه فَأَبْصَرَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ: ارْجع فَأحْسن وضوءك. فَرجع ثمَّ صَلَّى» رَوَاهُ مُسلم. وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد وَالْبَزَّار فِي «مسنديهما» «فَرجع فَتَوَضَّأ ثمَّ صَلَّى» .
قَالَ الْبَزَّار: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم أحدا أسْندهُ عَن عمر إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَقد رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن عمر مَوْقُوفا.
قلت: فِي الأول ابْن لَهِيعَة، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَاجَه من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن عمر قَالَ: «رَأَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا يتَوَضَّأ فَترك مَوضِع الظفر عَلَى قدمه فَأمره أَن يُعِيد الْوضُوء وَالصَّلَاة» .
-
وَفِي رِوَايَة للدارقطني «أَن عمر بن الْخطاب رَأَى رجلا وبظهر قدمه لمْعَة لم يصبهَا المَاء قَالَ: فَقَالَ لَهُ عمر: أَبِهَذَا الْوضُوء تحضر الصَّلَاة؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، الْبرد شَدِيد وَمَا معي مَا يدفئني. فرق لَهُ
ج ٢ ص ٢٣٨عمر بَعْدَمَا هم بِهِ، قَالَ: فَقَالَ (لَهُ) : اغسل مَا قد تركت من قدمك وَأعد الصَّلَاة. وَأمر لَهُ بخميصة» .
-
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن أنس بن مَالك رَضي اللهُ عَنهُ «أَن رجلا جَاءَ إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد تَوَضَّأ وَترك عَلَى (ظهر) قدمه مثل الظفر فَقَالَ لَهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: ارْجع فَأحْسن وضوءك» .
-
رَوَاهُ الْأَئِمَّة (أَحْمد) وَأَبُو دَاوُد، وَابْن مَاجَه، وَابْن خُزَيْمَة، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: تفرد بِهِ جرير بن حَازِم، عَن قَتَادَة، عَن أنس وَهُوَ ثِقَة.
-
وَالْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» وَقَالَ: رُوَاته كلهم ثِقَات مجمع عَلَى عدالتهم. قَالَ: وَشَاهده مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن بَقِيَّة، عَن بحير - يَعْنِي: بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَآخره رَاء مُهْملَة، وَهُوَ ابْن سعد - (عَن) خَالِد بن معدان، عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - «أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -
ج ٢ ص ٢٣٩رَأَى رجلا يُصَلِّي وَفِي ظهر قدمه لمْعَة قدر الدِّرْهَم لم يصبهَا المَاء، فَأمره رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يُعِيد الْوضُوء وَالصَّلَاة» . (قَالَ) : وَهَذَا مُنْقَطع. وَقَالَ فِي «سنَنه» : مُرْسل. قَالَ: وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام: «ارْجع فَأحْسن وضوءك» يُرِيد بِهِ - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - غسل مَا لم يصبهُ المَاء.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : يُرِيد الْبَيْهَقِيّ بقوله: «هُوَ مُرْسل» لعدم ذكر (الصَّحَابِيّ) الرَّاوِي، وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَجْعَل الحَدِيث فِي حكم الْمُرْسل الْمَرْدُود عِنْد أهل الحَدِيث؛ فَإِن سَمَّاهُ مُرْسلا مَعَ أَن حكمه حكم الْمَوْصُول فَلَا يضر الْمُسْتَدلّ بِهِ.
-
وَكَذَا حكم عَلَيْهِ بِالْإِرْسَال ابْن الْقطَّان وَعَابَ عَلَى عبد الْحق حَيْثُ عقبه بِبَقِيَّة دونه.
وَقَالَ الْأَثْرَم: قلت لَهُ - يَعْنِي: أَحْمد - هَذَا إِسْنَاد جيد؟ قَالَ: نعم. قلت لأبي عبد الله: إِذا قَالَ رجل من التَّابِعين: حَدثنِي رجل من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلم يسمه؛ فَالْحَدِيث صَحِيح؟ قَالَ: نعم. وَفِي هَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا الْأَثْرَم عَن أبي عبد الله تَعْلِيقا «أَن رجلا تَوَضَّأ وَترك موضعا من جسده ... » .
ج ٢ ص ٢٤٠قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين: وَقَالَ شَيخنَا - يَعْنِي: الشَّيْخ زكي الدَّين -: فِي إِسْنَاده بَقِيَّة، وَفِيه مقَال. قَالَ الشَّيْخ: قلت: فِي «الْمُسْتَدْرك» من طَرِيق بَقِيَّة «نَا بحير» فعلَى هَذَا سلم من تُهْمَة التَّدْلِيس من بَقِيَّة فِي رِوَايَته عَن بحير. انْتَهَى كَلَام الشَّيْخ.
-
وَقَوله: قلت فِي «الْمُسْتَدْرك» . لَعَلَّه وهم من النَّاسِخ، فَإِن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ لَهُ ذكر فِيهِ وَإِنَّمَا صَوَابه فِي «الْمسند» - يَعْنِي لِأَحْمَد بن حَنْبَل - فَإِنَّهُ أخرجه كَذَلِك فِيهِ، وَفِيه: «عَن بعض أَزوَاج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -» بدل: «أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -» وَقد وَقع عَلَى الصَّوَاب فِي «الْإِلْمَام» للشَّيْخ، فَتبين أَن الْمَذْكُور غلط من النَّاسِخ، وَقد تبع الشَّيْخ فِي هَذَا الْغَلَط إمامان من جلة شُيُوخنَا الْحفاظ، فإياك والتقليد.
-
وأعل ابْن حزم حَدِيث بَقِيَّة هَذَا، فَقَالَ فِي «محلاه» : خبر لَا يَصح؛ لِأَن رَاوِيه بَقِيَّة، وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَفِي السَّنَد من لَا يُدرى من هُوَ. وَقد تقدم لَك الْجَواب عَن ذَلِك، وَأَن جَهَالَة الصَّحَابِيّ لَا تضر،
ج ٢ ص ٢٤١(كَيفَ) وَهُوَ يَقُول فِي «محلاه» فِي كتاب الصَّلَاة فِي مَسْأَلَة وَمَا (عمله) الْمَرْء فِي صلَاته: كل نسَاء رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثِقَات فواضل عِنْد الله مقدسات بِيَقِين. وَقد علمت أَن أَحْمد رَوَاهُ عَن بعض أَزوَاج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -، وأجمل النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» القَوْل فِي تَضْعِيف هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: إِنَّه حَدِيث ضَعِيف الْإِسْنَاد. وَقد علمت حَاله، وَلِلْحَدِيثِ الَّذِي ذكره المُصَنّف - رَحِمَهُ اللَّهُ - طَرِيقَانِ آخرَانِ:
أَحدهمَا: عَن الْمُغيرَة بن سِقلاب - بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة - عَن الْوَازِع بن نَافِع، عَن سَالم، عَن ابْن عمر، عَن أبي بكر وَعمر رَضي اللهُ عَنهما قَالَا: «جَاءَ رجل وَقد تَوَضَّأ وَبَقِي عَلَى ظهر قَدَمَيْهِ مثل ظفر إبهامه فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: ارْجع فَأَتمَّ وضوءك فَفعل» .
-
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» وَقَالَ: الْوَازِع ضَعِيف. وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي «أَوسط معاجمه» لَكِن من رِوَايَة أبي بكر وَحده، ثمَّ قَالَ: لَا يرْوَى عَن أبي بكر إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد (وَإِن ابْن السقلاب تفرد بِهِ) . وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابِعه عَلَيْهِ إِلَّا من هُوَ مثله. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: هَذَا حَدِيث بَاطِل بِهَذَا الْإِسْنَاد، والوازع بن نَافِع ضَعِيف الحَدِيث.
- ج ٢ ص ٢٤٢
الطَّرِيق (الثَّانِي) : عَن أبي المتَوَكل عَلّي بن دَاوُد - وَيُقَال: ابْن دؤاد - قَالَ: «تَوَضَّأ عمر وَبَقِي عَلَى ظهر رجله لمْعَة لم يصبهَا المَاء فَأمره رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يُعِيد الْوضُوء» .
-
رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» عَن أَبِيه، عَن قراد (أبي) نوح، عَن شُعْبَة، عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم، عَن أبي المتَوَكل ثمَّ قَالَ: قَالَ أبي: أَبُو المتَوَكل لم يسمع من عمر، وَإِسْمَاعِيل هَذَا لَيْسَ بِهِ بَأْس.
-
فَائِدَة: «اللمْعَة» المتكررة فِي هَذِه الْأَحَادِيث هِيَ - بِضَم اللَّام - وَهِي الْجُزْء.