شرح حديث: أربع خصال: واحدة فيما بيني وبينك

٧ فقرات، ج ١ ص ٣٠

  1. ...

    ج ١ ص ٣٠
  2. ٢٥- "أربع خِصال: واحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي، وواحدة لي، وواحدة لك. فأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئًا. وأما التي لك: فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك: فمنك الدعاء، وعليَّ الإجابة. وأما التي بينك وبين عبادي: ترضى لهم ما ترضى لنفسك" ١. رواه أبو نعيم عن أنس.

  3. ش- في الحديث أربع خصال: الخصلة الأولى تختص بالله جل ذكره، أعني: العبادة، وهي في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد، وبعير معبد؛ أي: مذلل، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة، والخضوع، والخوف. قال الراغب الأصفهاني

    ج ١ ص ٣١في مفرداته: العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولهذا قال: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: ٢٣] ، والعبادة ضربان: عبادة بالتسخير، وهي الدلالة الصامتة الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق فاعل حكيم، وتكون للإنسان، والحيوانات والنبات. وعبادة باختيار، وهي لذوي النطق، وهي المأمور بها في نحو قوله تعالى: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: ٢١] ، {وَاعْبُدُوا اللَّهَ} [النساء: ٣٦] . اهـ ولا يجوز فعلها شرعًا، ولا عقلًا إلا الله تعالى؛ لأنه المستحق لكونه موليًا لأعظم النعم من الحياة، والوجود، وتوابعهما؛ لذلك يحرم السجود لغيره سبحانه وتعالى؛ لأن وضع أشرف الأعضاء على أهون الأشياء وهو التراب، ومواطئ الأقدام والنعال غاية الخضوع. وقيل: لا تستعمل إلا في الخضوع له سبحانه، وما ورد من نحو قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء: ٩٨] وارد على زعمهم تعريضًا لهم ونداءً على غباوتهم؛ وتستعمل بمعنى الطاعة، ومنه {أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: ٦٠] وبمعنى الدعاء، ومنه: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر: ٦٠] وبمعنى التوحيد، ومنه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: ٥٦] وكلها متقاربة المعنى.

  4. والخصلة الثانية: هي مختصة بالعبد، وهي استحقاق الأجر، وجزاؤه على عمله الصالح يعني: أن الله سبحانه وتعالى يجزي العبد على ما عمل من الخير، وأما ما عمل من الشر: فأمره موكول إلى ربه وموجده، إن شاء حاسبه عليه وعاقبه، وإن شاء غفر له وسامحه. سبحانك يا رب ما أحلمك، وأرأفك بعبدك المذنب!

  5. والخصلة الثالثة: مشتركة بين الله تنزهت صفاته، وبين العبد الضعيف، وهو أن العبد إذ دعا الله سبحانه وتعالى في السرِّ والعلن؛ استجاب له، ولبَّاه، وقد ورد في الدعاء وفضله آثار كثيرة نأتي بنبذة منها. روى أصحاب السنن الأربع، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن أبي شيبة في مصنفه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة" ثم تلا قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} ١ الآية [غافر: ٦٠] وأخرج

    ج ١ ص ٣٢الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء مخُّ العبادة" ١. وأخرج الترمذي، وابن حبان، وصححه من حديث سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يردُّ القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر" ٢، وأخرج الحاكم في المستدرك، والبزار عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة" ٣. ومعنى يعتلجان: يتصارعان، ويتدافعان. وأخرج الترمذي، وابن حبان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" ٤ وأخرج ابن حبان في صحيحه

    ج ١ ص ٣٣من حديث أنس رضي الله عنه: "لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد" ١. وأخرج الحاكم في المستدرك، وصححه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض" ٢، والإجابة مشروطة بأن لا يكون في الدعاء دعوة فيها إثم، أو قطيعة رحم.

  6. روى أحمد في مسنده، والبزار وأبو يعلى -قال المنذري بأسانيد جيدة - وأخرجه أيضًا الحاكم، وقال: صحيح الإسناد من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" . -زاد في المشكاة- قالوا: إذًا نُكثر؟ قال: "الله أكثر" أي: فضله٣، رواه أحمد وأخرج الترمذي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كف عنه من السوء مثله ما لم يدعُ بإثمٍ، أو قطيعة رحم" ٤، وأخرج

    ج ١ ص ٣٤أبو داود، والترمذي، وحسنه، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين من حديث سلمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين" ١ وفي قوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: ٦٠] وما تقدم من الأحاديث دليل على أن دعاء المسلم لا يُهمل، بل يُعطى ما سأله؛ إما معجلًا، وإما مؤجلًا بفضل الله عز وجل.

  7. الخصلة الرابعة: مشتركة بين العبد وبين إخوانه الآدميين، وهي أن يرضى لأخيه من الخير والطاعات ما يرضى أن يكون مثله له، ومقابله: أن يكره لأخيه من الشر ما يكره لنفسه أن تلقاه، وهذا معنى ما رواه البخاري، ومسلم عن أبي حمزة أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٢: قال الإمام محيي الدين النووي رحمه الله تعالى: الأولى أن يحمل ذلك على عموم الأخوة حتى يشمل الكافر والمسلم، فيحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من دخوله في الإسلام، كما يحب لأخيه المسلم دوامه على الإسلام، ولهذا كان الدعاء بالهداية: للكافر مستحبًا. والحديث محمول على نفي الإيمان الكامل عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، والمراد: المحبة بإرادة الخير والمنفعة، ثم المراد: المحبة الدينية، لا المحبة البشرية، فإن الطباع البشرية قد تكره حصول الخير، وتمييز غيرها عليها: والإنسان يجب عليه أن يخالف الطباع البشرية، ويدعو لأخيه، ويتمنى له ما يحب لنفسه، والشخص متى لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه كان حسودًا، فعلى الإنسان أن يعالج نفسه، ويحملها على الرضا بالقضاء، ويخالفها بالدعاء لعدوه بما يخالف النفس.

    وقال أبو الزناد٣: ظاهر هذا الحديث التساوي، وحقيقته: التفضيل؛ لأن الإنسان

    ج ١ ص ٣٥يحبُّ أن يكون أفضل الناس، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل هو في جملة المفضولين، ألاترى أن الإنسان يحب أن ينتصف من حقه، ومظلمته، فإن أكمل إيمانه وكان لأخيه عنده مظلمة أو حق؛ بادر إلى إنصافه من نفسه وإن كان عليه فيه مشقة. قال المدني في هذا الحديث: أخرجه أبو يعلى الموصلي، وأبو نعيم عن أنس، وضُعف.